فاطمة المعدول: الثقافة الحقيقية كالزراعة لا تقوم على المهرجانات الدعائية معظم قيادات الهيئة لا يفهم فلسفة العمل بها كثرة الدرجات الوظيفية حولت “الهيئة” إلى ديناصور حوار – رشا حسنى المخرجة

261

فاطمة المعدول:

الثقافة الحقيقية كالزراعة لا تقوم على المهرجانات الدعائية

معظم قيادات الهيئة لا يفهم فلسفة العمل بها

كثرة الدرجات الوظيفية حولت “الهيئة” إلى ديناصور

حوار – رشا حسنى

المخرجة والكاتبة فاطمة المعدول واحدة من بين قلائل آمنت بالعمل مع الأطفال واتخذت القرار مبكرا قبل ان تتم دراستها الجامعية حينما ادركت أنه إذا أردنا الإصلاح فعلينا أن نبدأ بالطفل.

تقلدت عدة مناصب أبرزها مدير عام ثقافة الطفل بالثقافة الجماهيرية وأعادت تأسيس قصر ثقافة الطفل المتخصص.

سألتها عن رؤيتها لاستعادة فاعلية هذا القطاع الحيوى بالثقافة الجماهيرية واستعرضنا معها جوانب مهمة من رحلتها تسهم فى الإجابة من ذلك التساؤل.

كيف ومتى اتخذت قرار التخصص فى ثقافة الطفل؟

التحقت بمعهد الفنون المسرحية لأعمل فى المجالات اللامعة كالصحافة والإذاعة وجاءت نكسة 1967 فى آخر العام الدراسى الاول، بدأت العام الثانى بالمعهد وأنا متخذة لقرار العمل بالثقافة الجماهيرية أحسست أنه يجب أن نبدأ من البداية، حدث فى الوطن كله مراجعة مع الذات؛ الصدمة كانت قاسية جدا والوطن عندى يمثل قيمة كبرى شعرت أن واجبى أن أقدم شيئا لوطنى فقررت أن اعمل مع الطفل اتخذت القرار بعقلى لكن بعد أن بدأت العمل فى هذا المجال صار قريبا من قلبى وأحببته

لم يكن هناك فى مصر إلا مركز ثقافة واحد هو مركز ثقافة الطفل بجاردن سيتى وكان حلما بالنسبة لى لدرجة أنى كنت كل يوم جمعة أدور حول القصر من كثرة إعجابى به كان يمثل حلما بالنسبة لى رغم أنى لم اكن قد عرفت ما الذى يمكن ان افعله مع الأطفال: هل اصبح مؤلفة مخرجة اخصائية.

عندما جاءنى التعيين طلبت الثقافة الجماهيرية وتحديدا مركز الطفل وهو الطلب الذى أثار دهشة الأستاذ سعد الدين وهبة فوقتها كان خريجو الفنون المسرحية يفضلون إدارة المسرح على الثقافة الجماهيرية لدرجة أن زملائى فى الدفعة اعتصموا لرفضهم التعيين فيها وطلب “وهبة” لقائى ليعرف سر اختيارى لهذا التخصص الذى يرفضه زملائى وشرحت له بشجاعة أننا يجب أن نبدأ من جديد وعندما أتذكر هذا الموقف الآن أضحك كيف كان صدره رحبا وهو الكاتب والمخرج والمثقف الكبير.

عندما عينت فى المركز كان مديرى الاستاذ يعقوب الشارونى والحقيقة أنى كنت محظوظة بمعرفة هذين الشخصيتين العظيمتين وتعلمت منهما الكثير.

عندما اكتمل بناء مسرح الطفل بالقصر أحضر الشارونى خبيرا ألمانيا، كنت حريصة على أن أتعلم منه كل شيء ورغم أنى سافرت بعد ذلك فى بعثات للخارج لكن ظلت تلك التجربة هى الدرس الذى استفدت منه أكثر. كان هو نائب مدير المسرح القومى للطفل بألمانيا الشرقية وكان المسرح مجرد خشبة فارغة لا يوجد بها كواليس لكنه استطاع أن ينفذ عرضا مبهرا وتدخل فى اختيار الملابس والديكور والماكياج ايضا ونجح العرض برغم أن الروح الأجنبية كانت واضحة فيه فهو عن نص مترجم بعنوان “الأخوين المسحورين” وكان بطولة: محمد متولي، محمد فريد، فاروق الفيشاوى.

أخرجت بعد ذلك “سندريلا” واخترت لبطولته سمية الألفى بمجرد أن استمعت لصوتها واسندت لها دور “سندريلا”.

يبدو أنك تتمتعين بروح القيادة منذ خطواتك الأولى ما الذى دعم هذه الروح لديك؟

المخرج بطبيعته قائد، وقد كنت أول مخرجة للطفل فى مصر، لا أستطيع ان أنسى المدير العام الذى رفض أن يوقع على طلب إخراج العرض وقال: ما عندناش بنات تخرج.. ساعتها لم أنم ليلتى وكنت من الساعة 8 صباحا فى انتظار سعد الدين وهبة الذى وافق فورا على لقائى وسألنى فى جدية : فيه ايه؟ الساعة 8 ونصف كانت المشكلة قد انتهت وقال لى : روحى اخرجي.. بلا تخلف. وبذلك حمانى وأعطانى درسا بأن القائد المحترم هو الذى يفتح بابه لأصغر موظف ولا يغلقه أمام أحد وكذلك أيضا كان الأستاذ يعقوب.

أظن أنى كنت مديرة ناجحة لأنى تعلمت من هؤلاء أن تحترم المواهب وتحترم الاختلاف.

وبعد سنوات اخترت لقيادة قصر الطفل وقتها كان الأستاذ سعد عرفة هو الرجل الثانى بعد حمدى غيث الذى كان ايضا قياديا ناجحا ديمقراطيا

ألم تمثل الميزانية عائقا لك فى المواقع التى عملت بها؟

الثقافة الجماهيرية كانت فى بدايتها فقيرة ماديا لكن كان فيها نظم والقائد فاهم معنى العمل الجماهيرى كيف يخدم على الناس، “وهبة” كان هو أول من أسس مسرحا للطفل ومراكز له فى الاقاليم وتم فى عهده تنفيذ فيلمين للطفل فى إدارة السينما رغم أنه لم يبق فيها كثيرا وكان فعلا يعتمد على الشباب كان الجهاز كله شابا، الذى دمر الثقافة الجماهيرية القيادات التى لا تفهم فلسفة هذا الجهاز فمرة يميل نحو الفن التشكيلى وأخرى نحو المسرح حسب تخصص من يرأسه.

ورغم أن الهدف من الأنشطة أن تكون من الناس إلى الناس.. منذ فترة قريبة شاهدت عروضا مسرحية اختفت حتى من أوروبا ليست مناسبة للبيئة وكذلك تم مؤخرا إنشاء مبان مخاصمة للبيئة فكيف تكون الثقافة الجماهيرية جهازا فقيرا وتقوم ببناء تلك القصور الضخمة فى أماكن فقيرة وكيف يتم صيانتها لو وفرنا ميزانية قصر بـ50 مليونا واقمنا بها بيوت ثقافة صغيرة فى القرى لكان ذلك اكثر تأثيرا.

263

متى بدأ التدهور فى فاعلية هذا الجهاز؟

القيادات التى اختيرت خلال العشرين عاما الأخيرة معظمهم لا يفهم طبيعة الهيئة: 2 من لجنة السياسات، 3 من الفنون التشكيلية وغيرهم.

الثقافة الجماهيرية هى كل أشكال الثقافة والفنون والاهتمام بالدرجات الوظيفية على حساب النشاط حول الجهاز إلى ديناصور.

حدث خصام بين المثقفين و”الثقافة الجماهيرية” بعد1967 قبلها كان المثقفون يعملون مع عبد الناصر ويديرون قصور الثقافة. كان الشارونى فى بنى سويف وعلى سالم فى اسوان وكذلك محمود دياب وعز الديب نجيب ..بعد 1967 شعر المسئولون بخطورة هذا الجهاز ومن يومها والحكومات المتعاقبة تسعى لعرقلته لذا عندما يطالب الرئيس الآن بعودة فاعلية هذا الجهاز يعد ذلك أمرا راقيا يدعو للتفاؤل.

سيطروا عليها بأشكال مختلفة كان الأمن يتحكم فى الندوات وجاء وقت تحولت فيه كل الأنشطة لندوات دينية لأن مدير القصر لا يستطيع أن يقاوم وحده ..أذكر عندما كتب الراحل سعد هجرس مقالا قال فيه ان الثقافة الجماهيرية فشلت قلت له نعم نحن فشلنا لأننا نعمل وحولنا كل شيء ضدنا بداية من المسجد حتى مناهج التعليم وجهاز وحيد سعى الكل لتدميره، أما بوضع قيادات غير مناسبة أو تقوم بعمل أنشطة مظهرية.. الثقافة عموما ليست مهرجانات ولا ندوات.. الثقافة زراعة نزرع وننظر النبتة تنمو وتكتمل مفروض أن نعمل مع كل فئات الجماهير ونكتشف قدراتهم ونعودهم التفكير السليم ونمدهم بالخبرات.

هل تم تهميش القيادات من أبناء الجهاز عن قصد؟

بالتأكيد.. أليس غريبا ان الثقافة الجماهيرية قبل الثورة لا يقودها من أبنائها إلا شخص واحد هو على أبو شادى وعند أول مشكلة أقالوه رغم أنه كان قد بدأ يدرب كوادر وينظم العمل الآن لا نجد كوادر رغم ان الدرجات والمسميات كثرت.

ما النقاط التى ترين ضرورة توافرها فى الخطة الجديدة للهيئة خاصة ما يتعلق بالطفل؟

لاشيء يساوى أن يجد الطفل نشاطا ينفذه بيده مهما قلنا ان التكنولوجيا أصرت أن يبقى الطفل هو الطفل.

تعلمت ذلك أيضا فى القصر عندما وجدت رجلا وراءه طابور طويل من الاطفال سرت خلفهم وجدته يشركهم فى نحت ماسكات وتصميم نماذج طائرات من وقتهاعرفت أن أكثر ما يجذب الطفل أن ينفذ شيئا بنفسه.

قدرات الطفل ربما زادت وتفضيلاته، لكن كل اطفال العالم لهم السمات النفسية والاهتمامات نفسها، مهم جدا أن تكون هناك رؤية، المشكلة أن الرؤية ضاعت نحن سعداء ومتفائلين بعودة د. سيد خطاب لرئاسة الهيئة لأنه ابن هذا الجهاز وله أصول قروية وعنده رؤية نأمل ان ينجح فى تطبيقها.

لكن تبقى عوائق واضحة تتمثل فى الجهاز بيروقراطى والفساد ونقص الكوادر وعدم التواصل بين التجارب المختلفة لدرجة أن إحدى مديرات قصرالطفل السابقة كهنت كل الشغل القديم رغم أن ميزة مسرح الثقافة الجماهيرية انه يعمل بنظام “ريبرتوار” مثل مسرح العرائس الذى يعد الأكثر نجاحا ويحقق مكاسب مادية وكنت قد حولت المسرحيات بعد تنفيذها بشريا بالفنانين إلى عروض عرائس لتجوب الأقاليم وعلمنا دورات لتعليم الأولاد فن العرائس واشتغلوا بالشرائط المسجلة لكن كل ذلك تم استبعاده.

262

وكيف نواكب تطور ثقافة الطفل ووعيه؟

مع غياب معهد متخصص فى فنون الطفل لابد من تنفيذ دورات تدريبية وورش عمل ومركز لثقافة الطفل بعيدا عن مركز الرواد بحيث يهتم فقط بتدريب من يريدون العمل فى هذا المجال، يتعلمون كيف نناقش الاطفال ونناقش المفاهيم الحديثة،

على الأقل علينا تأسيس مركز تدريبى واقترح أن يستضيفه مركز ثقافة الطفل فهو مزود بمسرح له كواليس وغرف وورش وأخرى للملابس والديكور حرصت على إنجازها جميعا قبل ان أغادر موقعى به.

لابد من تقديم تجارب اكثر تطورا، مشرف الطفل أو الاخصائى يجب أن يكون أكثر كفاءة وهذا كله يأتى بالتعليم واكتساب الخبرات مع العودة للثقافة بمفهوما الواسع الذى يشمل كل الفنون.