أحمد شوقى يكتُب.. قراءة فى جوائز مهرجان برلين السينمائي   انقضت الدورة السادسة والستون من مهرجان برلين السينمائى الدولى “برليناله” بحلوها ومُرّها، الحلو ممثلا فى المشاركة العربية الجيدة على صعيدى

aa300

أحمد شوقى يكتُب..

قراءة فى جوائز مهرجان برلين السينمائي

 

انقضت الدورة السادسة والستون من مهرجان برلين السينمائى الدولى “برليناله” بحلوها ومُرّها، الحلو ممثلا فى المشاركة العربية الجيدة على صعيدى الكمّ والكيف، والمُرّ عنوانه غياب الفيلم التحفة؛ دورة بأكملها تخلو من عظيم أو خارق للمألوف يمكن اعتباره عنوانا نذكر الدورة من خلاله. هناك بالطبع أفلام ممتازة لكنها تظل فى إطار الطبيعى والمتوقع، فعندما تكون فى مهرجان بهذا الحجم من الطبيعى أن تقابل العديد من الأعمال الجيدة.

عندما أعلنت نتائج المسابقة الرسمية، التى قررتها لجنة تحكيم رأستها النجمة ميريل ستريب، كان من الطبيعى أن تركز غالبية الأخبار والمتابعات العربية على الفيلم التونسى “نحبك هادي” لمحمد بن عطية، الذى لم يكتف بكونه واحدا من أكثر أفلام المسابقة تقديرا ضمن المتابعات النقدية العالمية، لكنه توّج ذلك بجائزتين رسميتين هما جائزة العمل الأول وأحسن ممثل لبطل الفيلم مجد مستورة. اهتمام منطقى بعمل يستحق، لكن من المهم أيضا إلقاء الضوء على أفلام أخرى توجت بجوائز، كما سنحاول أن نفعل فى هذا المقال.

7aa

روزى يدخل التاريخ مرتين

فى عام 2013، دخل الإيطالى جيافرانكو روزى التاريخ السينمائى عندما كان فيلمه “الطريق الدائرى المقدس” أول فيلم تسجيلى ينال جائزة الأسد الذهبى من مهرجان فينيسيا، ليعود روزى ويكرر نفس الإنجاز مع دب برلين الذهبي، بعدما توّج فيلمه “حريق وسط بحر Fire at Sea” بكبرى جوائز البرلينالة. الجائزة توقعها معظم الإعلاميين منذ عرض الفيلم، لمستواه المتميز مقارنة بكل منافسيه أولا، ولارتباطه بالقضية المسيطرة على اهتمام المهرجان والقارة الأوروبية بشكل عام ثانيا، وهى بالطبع قضية اللاجئين.

فيلم روزى يأتى فى وقت تشغل القضية الرأى العام فى ألمانيا، ويخصص لها المهرجان اهتماما خاصا بإهداء دعوات مجانية لمن يريد من اللاجئين أن يحضر المهرجان. روزى صنع كل شىء فى الفيلم بنفسه، انتقل إلى جزيرة ليمبادوسا الشهيرة، محطة سفن الهجرة غير الشرعية، ليقيم هناك يرصد ويصوّر ويحاور وينهى مونتاج فيلمه المقسوم إلى خطين لا يلتقيان على الشاشة وإن كان لقاؤهما مستمرا فى ذهن المشاهد: خط السفن التى تتوافد حاملة آلاف المهاجرين إلى سواحل الجزيرة، فى ظروف غير إنسانية تنتهى غالبا بغرق السفينة ومن فيها، أو وصولها بعدما تُزهق أرواحا وتمرض أجسادا، وخط الصبى ابن الجزيرة، الذى يكتشف عالمه الذى صار منعزلا عمّا يدور على شواطئه بعد نقل حدود الجزيرة وبالتالى مقابلة الواصلين داخل المياه.

“كأنه حريق فى عرض البحر” هكذا تقول إحدى الشخصيات ليأخذ المخرج العبارة فيجعلها عنوانا لفيلمه فائق الإيلام، الذى قوبل تتويجه برضا عام من معظم متابعى المهرجان.

البوسنة لا تزال مشتعلة

جائزة لجنة التحكيم الخاصة (الدب الفضي) ذهبت للبوسنى المخضرم دانيس تانوفيتش ذى العلاقة الممتدة ببرلينالة، عن جديده “موت فى سراييفو Death in Sarajevo”، الفيلم متعدد الحبكات الذى تدور أحداثه خلال يوم واحد مشتعل فى فندق فاخر بالعاصمة البوسنية: الإدارة تستعد لاستقبال قمة سياسية أوروبية، العاملون يخططون للإضراب خلال الحدث مطالبةً برواتبهم المتأخرة، مدير الفندق يحاول السيطرة على الوضع بأى وسيلة، وفوق السطح يتم تصوير برنامج حوارى يتطرق لتاريخ البوسنة بعد حرب البلقان الدموية.

بصريا لا يقدم الفيلم جديدا يذكر، لكن دراميا هناك بناء محكم تتلمسه فى البداية ويزداد فهمك له مع تقدم الأحداث. النار تحت الرماد، كل صور التعايش والتحضر هى مجرد غلاف خارجى لجرح لم يندمل لأن كل طرف شارك فيه لا يزال يؤمن أنه كان على حق، وصورة المدينة الحديثة التى استقبلت كبار المشاهير وتستضيف حدثا عالميا، يمكن ببساطة تقويضها خلال ساعات لأنها لا تستند إلى تصالح حقيقى مع الماضي. طرح يأتى فى سياق دراما سريعة لا تهدأ، تعطى مثالا لكيفية مزج الفيلم بين الحس التجارى والثقل الفكري.

aa300

 

فتح آفاق جديدة.. ربما

أما أكثر جائزة يمكن الاختلاف حولها فهى جائزة دب ألفريد باور الفضى لأحسن فيلم يفتح آفاقا جديدة، والتى نالها المخرج الفلبينى لاف دياز عن فيلمه “تهويدة للغز المحزن A Lullaby to the Sorrowful Mystery”، الفيلم الذى تتجاوز مدة عرضه الثمانى ساعات، والذى أصرت إدارة المهرجان على إدراجه ضمن المسابقة الرسمية بالرغم من أن الأنسب لتجربة مغايرة كهذه أن تُعرض فى قسم خاص لا يُجبر غير المهتم من الإعلاميين ولجان التحكيم على متابعة عمل بهذا الطول.

كاتب هذه السطور اكتفى بمشاهدة قرابة الساعتين من الفيلم، مثل كثيرين شاهدوا كفايتهم منه ثم خرجوا لمتابعة أفلام وأعمال أخرى، بدلا من إضاعة الوقت فى عمل يبدو فيه من اللحظات الأولى أن صانعه مُعجب بخوض لعبة الزمن الممتد. قد تكون لجنة التحكيم قد رأت أن صناعة عمل كهذا إنجاز يفتح آفاقا، لكن الأزمة هى أن كل مشهد كان من الممكن أن يُقدم فى ربع زمنه. الكاميرا ثابتة أغلب الوقت، كل مشهد لقطة وحيدة تمتد لعدة دقائق، وشريط الصوت يستخدم مؤثرات صناعية تتكرر داخل المشهد بثبات مثير للأعصاب.

إجمالا، يعطيك الفيلم انطباعا بأنه صُنع فقط كى يتحدث الجميع عن طوله الهائل، بينما ما شاهدته فى ساعتين كان ليُعرض فى نصف ساعة بسهولة. ليس من الجائز فى الحقيقة قول هذا، ففى النهاية هو خيار صانع العمل، لكن نفس الحرية التى صنع من خلالها عمله نستخدمها لنقول إنه نفس العمل ما كان ليعرض فى برلينالة وليس ينال جائزة لولا لعبة الثمانى ساعات التى أعجب بها المبرمجون.