مجدى الطيب يكتُب .. «المشخصاتى 2» .. عندما يجتمع القرد والقرداتى!   من الأقوال المبهمة التى لا يعرف أحد، حتى قائلها، معناها، تحتل عبارة ««لو مات القرد.. القرداتى يشتغل إيه؟»

333666

6688

مجدى الطيب يكتُب ..

«المشخصاتى 2» .. عندما يجتمع القرد والقرداتى!

 

من الأقوال المبهمة التى لا يعرف أحد، حتى قائلها، معناها، تحتل عبارة ««لو مات القرد.. القرداتى يشتغل إيه؟» مكانة ملحوظة، لفرط ما تتسم به من سطحية وهزال وغباء وتخبط وتفكير عشوائي، وهى الصفات التى تنطبق، بالضبط، على فيلم «المشخصاتى 2»، الذى لا يمكن الاعتداد به كفيلم سينمائى بالمعنى المتعارف عليه لكنه ينتمى إلى نوع اصطلح على تسميته «تصفية الحسابات»!

من حق تامر عبد المنعم أن يصنع فيلما عن الأيام الأولى لثورة 25 يناير التى أطاحت برئيس أحبه، وعن ثورة 30 يونيو التى أجهضت حقبة وجماعة كرهها من قلبه، لكن الذى ليس من حقه أن يخدع الجميع بعمل لا تتوافر فيه مواصفات الخيال والإبداع، بل هو مجرد نقل حرفى رديء عن الصحف ووسائل الإعلام التى أفاضت واستطردت فى سرد وقائع تلك الأيام، وبعدها بأعوام استمرأت الحديث عن «المؤامرة» التى دُبرت بليل!

فى «المشخصاتى 2» مزاعم تقول إننا حيال عمل كتب له السيناريو والحوار تامر عبد المنعم ومحمد أبو سيف، الذى باشر الإخراج، لكن الواقع أننا بصدد ممثل أدرك أنه ضل طريقه إلى التمثيل ولم يجد سوى التقليد، الذى أتقنه ووقع فى غرامه، سبيلا وحيدا وأخيرا للبقاء على الساحة؛ فالعمل ليس إلا محاولة لتأكيد هذه المهارة؛ عبر تكرار شخصية «شلبي»، الذى اخترعه فى فيلم «المشخصاتي»، وتقمص فيه شخصيات: «أحمد زكي»، «عمرو دياب»، «عادل إمام»، «محمد فؤاد» و«الريس متقال»، لكنه استبدلهم هذه المرة بالشخصيات الإخوانية:«محمد مرسي»، خيرت الشاطر»، «محمد البلتاجي»؛ حيث تبدأ أحداث الفيلم بالشاب «شلبي» عاشق التمثيل العاجز عن تسديد نفقات الحجرة التى يسكنها، ويتشبث بالفرصة التى جاءته للعمل مع المخرج «فرحات» (عبد الله مشرف) لتجسيد شخصية «مبارك» فى فيلم «سواق الرئيس» فى وقت متزامن مع أنباء عن الإعداد لمظاهرات حاشدة يوم 25 يناير 2011 يتوعد قيادة أمنية لوزير الداخلية بإجهاضها «طيب ينزل أى كلب ويشوف أنا ح أعمل فيه ايه» بينما تتعهد «آن باترسون» السفيرة الأمريكية فى القاهرة بإزالة أى عقبات تهدد الثورة، ومشهد بعد الآخر يواصل الفيلم انحيازه إلى «نظرية المؤامرة»، التى كانت سببا فى اندلاع الثورة، والإطاحة بنظام «مبارك»، عبر الجزم القاطع بأن الثورة «صنيعة أمريكية»، وأن الإخوان سطوا عليها، بدعم من السفارة الأمريكية فى القاهرة التى امتلكت خيوط «اللعبة»!

30888

 

لسبب لا يعرفه سوى تامر عبد المنعم يفتعل السيناريو خطا ساذجا يؤهل فيه «محسن ممتاز» (يوسف شعبان) ومساعدته «جميلة» (إيمي) الشاب «شلبي» لاختراق «الجماعة»، على غرار ما فعل «رأفت الهجان» مع المجتمع الإسرائيلي، بكل ما فى المقارنة من بشاعة ووقاحة، وبعدها يتحول الفيلم إلى «اسكتشات» قوامها الروايات المرسلة والشائعات الساذجة حول «مرسي»، الذى ذاع صيته فى «الجماعة» لمهارته فى صنع «كيكة جوزة الطيب»، و«الشاطر» الذى باع سيناء لأمريكا نظير 8 مليارات دولار، و«حماس»، التى أصدر الفيلم حكمه النافد بأنها خططت ونفذت اقتحام السجون وتهريب المساجين، والسلفى «حازم أبو اسماعيل»، الذى نافس «الجماعة» على «كعكة تفتيت مصر»، برعاية أمريكية؛ فالفيلم انتهج، كما أسلفت، مبدأ تصفية الحسابات، وافتقر إلى الموضوعية، مثلما أفرط فى الاعتماد على المهاترات السياسية، ومن ثم افتقد التعاطف، وراجت مشاهده الساذجة التى لا تعد ولا تحصى؛ كالقول إن «الشاطر» كان يُفرغ المصحف ليخفى الدولارات فى تجويفه، ويحتفظ ببعض المجلات الفاضحة فى زنزانته التى تشبه «الجناح الملكي»، والعجيب أن الفيلم الذى أضفى هالة كبيرة على «الشاطر» العقل المدبر، والآمر الناهى فى الجماعة، أظهره وكأنه «معتوه» أخفى مصادر تمويل الجماعة فى حساب باسم «شلبي»!

فى المقابل فتح الفيلم نيرانه على حمدين صباحي، ممدوح حمزة، جورج اسحق، دومة والبرادعى واتهمهم بإشعال الحرائق فى مصر، بينما قدم الملحن حلمى بكر فى ثوب الوطني، الذى استشرف المستقبل، وترك لنا أغنيته الأيقونة «مطلوب من كل مصري»، بينما كان الأحرى توجيه التحية لمؤلفها.وفى إطار النزعة «التقريرية» للفيلم كان التنويه إلى حصار مدينة الإنتاج الإعلامي، واستهداف الكتاب والإعلاميين، وصراع السلفيين والإخوان على الفوز بالوزارات السيادية والمحافظات الاستراتيجية، وبيع مشروع إقليم قناة السويس إلى قطر، وتجنيس الفلسطينيين فى سيناء بماكينة استخراج بطاقات هوية، وصولا إلى الإعلان الدستوري، وأحداث رابعة العدوية، وفجاجة الحديث عن جهاد النكاح، وانتهاء بإنذار «السيسي»؛ فمع كل مشهد تشعر وكأنك تُطالع الأرشيف الصحفى لتلك المرحلة، ولا تكاد تستشعر أن ثمة خيالا أو إبداعا من أى نوع، باستثناء بعض الاجتهادات الفنية من المخرج محمد أبو سيف ومدير التصوير كمال عبد العزيز؛ كمشهد الصراع بين الملاك والشيطان لإغواء «شلبي»، ومشهد اختفاء مصر من الخريطة، والاستعانة بلقطات أرشيفية SHOT STOCK على درجة عالية من الجودة، بحيث لا تستطيع التفريق بينها وبين اللقطات المصورة خصيصا للفيلم.

  • فيلم ينضح بالكراهية واللاموضوعية و«الاسكتشات» التى تعتمد على الروايات المرسلة والشائعات الساذجة!

 

عانى فيلم «المشخصاتى 2» هزال فنيا وإنتاجيا ملحوظا، فضلا عن المباشرة والثرثرة (مونتاج حسام المحفوظي) وطغيان «النميمة»، والكراهية الشخصية، التى تنسف أية مصداقية، بل أن الفيلم قدم الدليل على تواطؤ الداخلية وانتهاكها للحريات، عبر الإشارة إلى تورطها وأجهزة الدولة العميقة فى تخدير «الشاطر» فى السجن لإحلال «شلبي» بدلا منه، كما قدم الدليل على كراهيته للثورة من خلال اتهام الشاب الثورى «وليد» ابن المخرج «فرحات»، بالانتهازية والانحطاط؛ ففى الوقت الذى يكتب فيه الشعارات التى تُندد بفساد «مبارك»، وتطالب بإسقاطه، يهرع إلى استقباله، ونفاقه، ويطالبه بكارت توصية للانضمام إلى لجنة السياسات!

تعمد المخرج محمد أبو سيف مراعاة التطابق الشكلى للممثلين بأكثر من اعتماده على امتلاكهم موهبة من أى نوع، ربما لإدراكه أن لديه بطلا أوحد هو تامر عبد المنعم، الذى يتقن الاقتراب من شكل الشخصية بأكثر من تغلغله فى روحها، وفى حين اختار لشخصية «شلبي» شكلا أقرب إلى شكل أحمد آدم فى فيلم «الرجل الأبيض المتوسط»، أقحم أغنية «حبيبى يا وطن» ليجامل محمد فؤاد، فيما بدا يوسف شعبان فى أسوأ حالاته، بعد أن صعب عليه التحكم فى مخارج ألفاظه، وضعفت أحباله الصوتية، وتحولت بدرية طلبة، التى أدت دور «أم أيمن» أو «أم أشول»، على سبيل التمويه، إلى «شرشوحة» على شاكلة «خالتى فرنسا»، وأخطأ الجميع عندما صوروا «مرسي» بوصفه «الأهطل الذى يأكل الفسيخ بعد الزبادي، والقذر صاحب الشراب ذا الرائحة النتنة»، فالإساءة هنا يمكن أن تكون سببا فى التعاطف معه بأكثر مما تحقق الهدف من التحريض على كراهيته!