هاشم النحَّاس يكتُب .. مرحبًا… بالـ«فُرجة»   الترحيب واجب بظهور مجلة سينمائية جديدة هى مجلة «فُرجة»، كم كانت الحياة الثقافية السينمائية فى حاجة إلى مجلة متخصصة من مدة غير قصيرة،

6633333

6055

هاشم النحَّاس يكتُب ..

مرحبًا… بالـ«فُرجة»

 

الترحيب واجب بظهور مجلة سينمائية جديدة هى مجلة «فُرجة»، كم كانت الحياة الثقافية السينمائية فى حاجة إلى مجلة متخصصة من مدة غير قصيرة، بعد أن توقفت مجلة «الفن السابع» (1997- 2001) التى تحمّل عبء إصدارها الممثل المثقف محمود حميدة وكانت تسدّ فراغًا فى ثقافتنا السينمائية، بما تضمنته من تحقيقات ومقالات نقدية ودراسات سينمائية جاءت أغلبها على مستوى رفيع، وهو ما أعاد إلى ذاكرتنا الكتابات السينمائية المتعمقة فى الصحف والمجلات المُتخصصة إبّان حركة النهضة الثقافية فى الستينات وأوائل السبعينات، حيث كان من المتاح لشاب مثلى فى أوائل العشرين أن يُفرد لمقاله السينمائى أكثر من عشر صحفات؛ فى مجلة «المجلة» التى يرأسها يحيىّ حقي، أو مجلة «السينما» التى يرأسها سعد الدين وهبة.

ولا شك أن جدية المحاولة لإصدار مجلة سينمائية جديدة الآن من الممكن أن تحرك ماء الثقافة السينمائية الراقد، خاصة أن من يرأسها إبراهيم عيسى المفكر السياسى صاحب الرؤية المستنيرة الصادمة غالبًا، وهو ما أحدثه فعلا بمقاله الافتتاحى بالعدد الثانى بمجلة «فُرجة».

يفاجئنا عيسى باعتباره ناقدًا سينمائيًا. وكما اعتدنا منه عدم التسليم لما هو شائع من الآراء السياسية، وانفراده برؤية خاصة تكشف عن جوانب غائبة عن وعى الآخرين، يُفاجئنا أيضًا برأيه المُخالف لما هو شائع عن أهمية فيلم «المومياء» وعظمته. يطلق عليه الرصاص حيث يعتبره عملا باردًا «إنه ليس فيلمًا مصريًا أصلا… إنه لا يعبر عن الواقع»، بينما يُشيد بإخراج حسن الإمام الذى يعتبر أفلامه أقرب إلى الواقع المصري، ويأخذ على النقاد عدم اهتمامهم بمخرجينا الكبار أمثال كمال الشيخ وحسن الإمام وعاطف سالم وعز الدين ذو الفقار ونيازى مصطفى.

الغريب أن إبراهيم عيسى الذى يُطالعنا فى برنامجه التليفزيونى المتميز الذى يحمل اسمه، يرفض الأحكام المطلقة ويدعونا للتعمق فى الموضوع المطروح للكشف عما خلف ظواهره، لكن نجده هنا، ينزلق فى احكام مطلقة ويبتعد عن التحليل المنهجى العقلانى الذى يدعو إليه ونرحب به.

أن وصف عيسى لفيلم «المومياء» انه فيلم غير واقعي، يُعتبر- فى رأيي- وصفًا غير دقيق، لأن مصطلح «الواقعية» رغم كل ما كُتب عنه، ما زال مطاطًا وأحيله- إلى ما سبق له قراءته طبعًا- عن رأى المفكر الفرنسى «روجيه جارودي» فى كتابه «واقعية بلا ضفاف» وفيه يُصنف أعمال بيكاسو بأنها أعمال واقعية. وأظن أن فيلم المومياء أقرب إلى الواقع من تكعيبية بيكاسو!!. بل يعبر عن روح الواقع المصري، حيث يناقش قضية تُمثل مرضًا مُتجذرًا فى تفكيرنا المجتمعى يتمثّل فى سيادة التفكير القبائلي.

والفيلم يناهض الانصياع للعادات والتقاليد السائدة، ويعتبر صرخة ضد التفكير القبائلي، وفى النهاية حين يلجأ البطل المتمرد على تقاليد القبيلة إلى الدولة لإنقاذ المومياوات، يؤكد بذلك أهمية دور الدولة. والعجيب أن إبراهيم عيسى الذى يكرر دائمًا الدعوة لنفس القيم المناهضة للقبائلية وتقوية دور الدولة على المستوى السياسي، نجده هنا، فى تحليله فيلم «المومياء» يتناسى على المستوى الفنى ما تضمنه الفيلم من هذه القيم.

كما أن فيلم المومياء يُعتبر مدرسة رفيعة المستوى فى مجال اللغة السينمائية. وقد كان لى الحظ بكتابة دراسة عن أحد عناصرها بعنوان «التكوين الدرامى للصورة السينمائية فى فيلم المومياء» نشرت بمجلة «المجلة» (1970) وفيها أُبيّن أهمية التعبير بالصورة باعتبارها العنصر الأساسى فى اللغة السينمائية. الأمر الذى لم يكنّ- إلى حد ما- موضع اهتمام الكثير من المخرجين المصريين فى أفلامهم التى تعتمد على الحوار أكثر من اعتمادها على الصورة. وربما كان لظهور فيلم المومياء ونشر هذه الدراسة عنه، أثرهما فى التفكير السينمائى فيما بعد من هذه الناحية. ويمكن قياسًا على ذلك بقية عناصر الفيلم من ديكور وملابس وموسيقى وصوت… إلخ. وهو ما تناولته دراسات أخرى.

اعترف لحسن الإمام بحسه الشعبى الذى يستند إليه، وفيه تلعب الموسيقى والإفيهات واختيار الممثل دورًا أساسيًا فى اجتذاب الجمهور، وكان أكثر أعماله توفيقًا تجسيد شخصيات سى السيد وزوجته الست أمينة وعشيقته زنوبة العالمة فى الثلاثية. إلا أن أفلامه تتسم بالشعبوية التى تعتمد على دغدغة مشاعر الجمهور، وكثيرًا ما يشوبها قصور فى الإخراج (وهو أمر يتطلب الدراسة ليس هنا موضعها) ويمكن الرجوع إلى نموذج منها فى الدراسة التى تضمنها أحد فصول كتابى «نجيب محفوظ على الشاشة» تحت عنوان «عن الحوار وإخراج مشاهد الحوار فى فيلم قصر الشوق» وهى الدراسة التى نُشرت فى حينها عقب عرض الفيلم فى «مجلة المسرح والسينما» (فبراير/ 1968).

أما إدانة إبراهيم عيسى للنقاد بإهمال الكتابة عن كبار مخرجينا، فهى إدانة قد تكون صادقة نوعًا ما فى نهاية الستينات على أثر الجرح الذى أصابنا فى هزيمة 1967، ومع اجتياح الرغبة فى التغيير وظهور حركة «جماعة السينما الجديدة» 1972.

غير أن النقاد قد استردوا أنفاسهم فيما بعد، واعادوا النظر فى تاريخ السينما المصرية ومخرجيها، بل ردوا الاعتبار لكل من ذكرهم عيسى من مخرجين دون مبالغة فى التقدير أو التقليل من قيمتهم، وألفوا عنهم الكتب ومنها كتاب يسترد الاعتبار للمخرج حسن الإمام نفسه من تأليف الناقد محمد عبد الفتاح. ومن هذه المحاولات أيضًا ما ظهر مؤخرًا من مجلدات ثلاثة وتحت الطبع المجلد الرابع، تضم أبحاث حلقات بحث عن تاريخ السينما المصرية تصدر عن المجلس الأعلى للثقافة، وكان لى شرف الإشراف على هذه الحلقات البحثية التى استغرق العمل فيها أربع سنوات متتالية (2008: 2011)، ويضم كل مجلد مجموعة أبحاث عن مرحلة محددة من مراحل تاريخ السينما المصرية، شارك فيها عدد من الباحثين المتخصصين فى السينما وفى العلوم الإنسانية. وتمت فيها مراجعة الكثير من المسلمات الشائعة، واكتشاف العديد من الحقائق الجديدة التى تعطى هذه السينما والعاملين فيها حقهم، وأخص بالذكر الورقة التى قدمها محمد كامل القليوبى عن المخرج كمال الشيخ وفيها ما يُعتبر اكتشافا حقيقيا جديدا لأفلامه.

شكرًا لإبراهيم عيسى، على هذه الصدمة وفى انتظار صدمات أخرى… ومرحبًا بمجلة فُرجة…