مصر ودياناتها فى قلب المتحف البريطاني اثنا عشر قرنًا من التعايش والتصادم على أرض الفراعنة لندن – أمنية عبد البر   عندما يصل بى مترو الأنفاق، أو التيوب كما يطلق

8

مصر ودياناتها فى قلب المتحف البريطاني

اثنا عشر قرنًا من التعايش والتصادم على أرض الفراعنة

http://www.albawabhnews.com/upload/photo/parags/127/2/200x112o/591.jpg?q=4

لندن – أمنية عبد البر

 

عندما يصل بى مترو الأنفاق، أو التيوب كما يطلق عليه أهل لندن، إلى محطة هولبورن بوسط المدينة، تطالعنى فجأة عيون مألوفة قادمة من وطن حاضر بقوة بتراثه السخى والمتنوع. تلك العيون الدافئة ترحب بى كلما مررت بهذه المحطة فى طريقى إلى المتحف البريطانى من خلال تحفتين فَنيتين: إحداهما لطفل صغير عاش بمصر عندما كان يحكمها الرومان، وخُلد وجهه بِرسمٍ على لوح خشبى وضع فوق مومياته، والأخرى لأحد التوابيت الخشبية الذى صنع ليحتضن مومياء بن إس إن حور وهو ليبى الأصل لكنه عاش واستقر بمصر فى طليعة العصر المتأخر أى مع حكم الأسرة الثانية والعشرين (حوالى 930 ق. م.) ليس غريبا أن يختارهما المتحف لتمثيله لزوار المحطة فالمتحف يضم إحدى أشهر المومياوات المعروضة بمجموعته التى تضم أكثر من مائة وعشرين مومياء، ثمانين منها قادمة من مصر والباقى من السودان.

بيد أنى لم أذهب إلى المتحف لزيارة المومياوات، رغم أن منها واحدة تخص منشدة آمون كا آت إيب إت والتى عاشت فى عصر الأسرة الثامنة عشرة (1250 ق. م.) إلى جانب حجر رشيد الذى يعد من أهم القطع التى تجذب الزائرين إلى المتحف. لقد ذهبت هذا اليوم لزيارة المعرض الخاص المقام عن مصر، والذى يلقى الضوء على عقيدة المصريين من بعد الفراعنة ويستفيض فى شرحها، فإلى جانب الديانات المصرية القديمة والتى استمرت عدة قرون بعد انتهاء دولتهم، نرى أيضا ميلاد الديانات السماوية الثلاث: اليهودية والمسيحية والإسلامية والتى كان لمصر الحظ الأوفر فى متابعة بداياتها واستمراريتها عبر العصور المختلفة. عقيدة مصر بعد الفراعنة هى بمثابة رحلة تطول على مدار اثنى عشر قرن، تحولت فيها عقيدة المصريين من عبادة الآلهة المتعددة إلى عبادة الإله الواحد. ويكشف لنا المعرض عن المراحل المختلفة والتطور الذى طرأ على الهوية المصرية من خلال الفن والثقافة والممارسات اليومية والتعايش بين الديانات المختلفة.

 

3

حفر بارز على العاج للرسول الواعظ (من المرجح أن يكون القديس مارك ومن خلفه الإسكندرية) ، شرق البحر الأبيض المتوسط، منتصف أو أواخر القرن السادس © متحف اللوفر. تصوير جون جيل بيريزى.

 

افتتح معرض ( مصر؛ العقيدة بعد الفراعنة) فى شهر اكتوبر وانتهى الاسبوع الماضى وقد اكتملت فكرته إثر تعاون مشترك بين المتحف البريطانى وثلاثة متاحف وطنية ببرلين وبتمويل من مؤسسة عائلة بلافاتنيك. وقد سبقه معرض آخر ببرلين يختلف قليلا عن المعرض بلندن وافتتح فى إبريل الماضى فى متحف بود تحت مسمى آخر (إله واحد؛ إرث الابراهيميين على ضفاف النيل). يضم المعرض 200 قطعة تم اختيارها بعناية من ضمن مقتنيات المتحف البريطانى ومتاحف برلين الثلاثة ومتاحف ومجموعات أخرى.

يبدأ المعرض بافتتاحية قوية يرى الزائر من خلالها الماضى والحاضر. ففى أولى صالات العرض تجد مخطوطات نادرة جدًا للكتب السماوية الثلاث، جميعها نسخت فى الأرجح فى مصر ولكنها اليوم تفرقت بين مؤسستين بريطانيتين: فالتوراة والانجيل المعروضان من مقتنيات المكتبة البريطانية أما القرآن الكريم فمن مقتنيات مكتبة بودلين بجامعة أكسفورد. وقد نسخت مخطوطتا التوراة والقرآن بعد الفتح الإسلامى لمصر فى القرن التاسع أو العاشر، أما الإنجيل فقد نسخ أثناء الحكم الرومانى فى منتصف القرن الرابع وهو معروف باسم المخطوطة السيناوية نظرا لكتابته فى دير سانت كاترين بسيناء ويحتوى على أقدم مخطوطة كاملة لكتاب العهد الجديد إلى جانب ترجمة من العبرية إلى اليونانية لكتاب العهد القديم. وضعت الكتب الثلاثة متجاورة الواحد بجانب الآخر تمامًا مثل يهود ومسيحى ومسلمى مصر الذين تجاوروا وتعايشوا على مدار عدة قرون.

فى نفس الوقت الذى كنت أحاول فيه أن أقرأ الكلمات المكتوبة بالخط الكوفى فى الصفحة المفتوحة من القرآن الكريم على آية 45 من سورة ص: «واذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِى الأَيْدِى وَالأَبْصَارِ». كانت أذناى تسبقانى لما يعرض بالقاعة التالية والتى كان يصدر منها صوت المعلق على فيلم قصير عن مصر ودياناتها. هذا الفيلم لم يتمحور فقط على تاريخ مصر القديم لكنه يذكرنا أيضًا بأحوال مصر القريبة، لذا نرى من خلاله وجه الشيخ عماد عفت وجرافيتى شارع محمد محمود الذى نبع جماله من جذوره المصرية القديمة. كما نرى المصلين فى إيوان جامع الأمير الطنبغا الماريدانى بالدرب الأحمر ثم نراهم يصلون فى ميدان التحرير محاطون بأياد نقش عليها صليب السيد المسيح. خمس سنوات مضت على ثورة وأحداث مُلهمة برزت فيها معتقداتنا المصرية الخالصة وأيقظت فينا الشعور بالانتماء لهذا الوطن. لا ينسى الفيلم أن يذكرنا بالبقايا المتبقية من يهود مصر الذين اختفوا من نسيج البلاد فى منتصف القرن الماضي. لكنه يؤكد أنه حتى فى أقوى الصدامات كان التعايش والتعاون موجودين دائما بين الديانات الثلاث. الفيلم يوضح لنا أن الحياة اليومية فى مصر ما هى إلا تكملة لموروثات الماضى بطبقاته المختلفة.

5

حورس الجالس من الحجر الجيرى الملون، مصر ، القرن الأول أو الثالث الميلادى © المتحف البريطاني .

 

ثم تبدأ من بعدها المغامرة حيث تتكشف لنا القطع التى اختارها المعرض ليحكى قصة المصريين وكيف تحولوا من حياة زاخرة بالآلهة لحياة تتمحور حول الإله الواحد أيا كان اسمه، ذلك من خلال موروثاتهم والمستندات المادية التى خلفوها والتى لا نجد ما يوازيها فى البلاد الأخرى. فمناخنا الجاف الذى احتفظ بهذا الكم من المومياوات بحالة جيدة، لعب أيضا دورًا كبيرا فى الحفاظ على هذه الثقافة المادية مما جعل دراسة الألفية الأولى بعد الميلاد تتمحور حول دراسة تاريخ مصر.

وقد زخر المعرض بقطع مبهرة دقيقة الصنع تنم عن مهارة اليد التى حاكتها، فيوجد تمثال للإله حورس ابن ايزيس وأوزوريس الذى كان يعتبر تمثيلا إلهيا للملك الحى بجسد رجل ورأس صقر. لكن هذا التمثال صنع فى القرن الأول أو ربما الثالث الميلادى أى أثناء خضوع مصر للحكم الروماني، كما أنه ليس على الشاكلة التى تعودنا على رؤيتها سابقًا إما واقفًا أو ممتطيًا فرسًا، فعلى الرغم من احتفاظه برأس الصقر إلا أنه فى وضع جالس وذلك نادر جدًا فهو يذكرنا بمنحوتات الآلهة والأباطرة الرومان. كما أنه استبدل الجسد المنحوت وفقًا لأسس فن النحت المصرى بجسد آخر يرتدى صندلا ويلف جسده بزى مختلف ليبدو لنا بهيئة رومانية. تمثال حورس يعطينا رسالتين الأولى أن معتقدات المصرى القديم استمرت بعد انتهاء دولته والثانية أنها تغيرت.

من ضمن القطع التى جذبت انتباهى وجعلتنى أنظر إليها مليًا لوحان من الخشب كانا يوما بالكنيسة المعلقة بمصر القديمة وفى الغالب صنعا فى القرن الرابع عشر وهما ضمن مجموعة تضم عشرة ألواح، نجد على أربعة منها تشكيلات من الصلبان وعلى الستة الباقين صورت ثمانية مشاهد احتفالية، من ضمنها احتفالية ميلاد السيد المسيح. ومن المرجح أنها كانت تستخدم كأحجبة خشبية لهيكل القديس مار جرجس. وقد اقتنى المتحف البريطانى هذه الألواح فى نهاية القرن التاسع عشر وربما بيعت بعد أن تم استبدالها بأخرى أثناء عمليات الترميم. من يرى هذه الألواح لابد أن يتوقف برهة لتأمل جمالها فقد صنعت بعناية فائقة ودقة بالغة. كما أن طرازها يذكرنا بالمنابر الخشبية لمدارس ومساجد العصر المملوكي. وذلك ليس غريبا لسببين؛ أولهما أن الفن القبطى كان له تأثيرًا واضحًا على الفن الاسلامى ويظهر ذلك جليًا فى شغل الخشب. وثانيهما أن دقة الصنعة ومهارة الحرفة هما العاملان الأساسيان اللذان كانا يميزان الصانع فى عمله، فلم يكن يلتفت كثيرًا إلى ديانته. بل إننا نرى ذلك بوضوح فى المصادر المملوكية: مثلا يقول لنا المؤرخ مجير الدين الحنبلى فى كتابه الأنس الجليل فى تاريخ القدس الشريف كيف بعث السلطان قايتباى بمهندس «نصرانى من مصر» لكى يستكمل الأعمال فى المدرسة الأشرفية بالقدس الشريف. لذا ليس مستبعدا أن يكون صانعا مسيحيا هو من نفذ أحد المنابر المملوكية. هذا التشابه فى الزخارف الفنية لم يكن مقتصرا فقط على الكنائس والمساجد، بل إننا نرى لوحًا خشبيًا تتوسطه بخارية زخرفية تشبه تلك الموجودة أعلى قبة شجر الدر فى الخليفة أو تلك التى تزين اللوح الرخامى بإيوان الصلاة بجامع الأمير صرغتمش بالسيدة زينب أو التى كانت يوما على باب مدرسة السلطان قايتباى بالقرافة قبل سرقتها. كان هذا اللوح الخشبى موجودا بمعبد بنى عزرا بمصر القديمة وتوجد عليه كتابات باللغة العبرية وهو اليوم من مقتنيات متحف والترز بمدينة بالتيمور بالولايات المتحدة الأمريكية، وربما صنع فى منتصف القرن الحادى عشر.

إلى جانب هذه القطع المتفردة فى جمالها يضم المعرض أيضا قطعا بسيطة جدا استطاعت أن تتحدى الأزمنة وأن تعبر السنين إلى أن تصلنا. وهذه القطع تقربنا أكثر من الحياة اليومية فى مصر، كما أننا نستطيع أن نتوصل لاستنتاجات مهمة. من هذه القطع بردية ترجع إلى القرن الرابع الميلادى وهى عبارة عن عقد إيجار بين رجل وسيدتين ووجدت فى موقع آثار البهنسا فى شمال محافظة المنيا أو أوكسيرينكوس كما كان يطلق عليها فى العصرين الإغريقى والروماني. نستطيع أن نقرأ فى هذا العقد الذى كتب باللغة الديموطيقية أن أوريليوس خوسيه ابن يهوذا اليهودى استأجر جزءا من بيت راهبتين هما أوريليا ثيودورا وأوريليا تايريس ابنتا سيلفانس. وذلك العقد صورة لتعامل عادى بين مالكتين ومستأجر ولكنه يرينا أيضا تعامل بين اليهود والمسيحيين فى أمور حياتية يومية. كما أنه يؤكد لنا أن اليهود كان لهم حضور فى مصر فى تلك الآونة على عكس ما يفترضه العديد من الباحثين من أنهم اختفوا من بعد ثورة الشتات التى اجتاحت مصر وشرق الإمبراطورية الرومانية بين عام 116 م. و117 م. تحت حكم الامبراطور تراجان. هذه البردية تؤكد أن اليهود استمروا فى العيش فى المدن والقرى المختلفة وفى برديات أخرى نرى كيف تزوجوا ودفعوا ضرائب وأقاموا معاملات تجارية. إذًا فهذا المستند المادى الذى تم اكتشافه منذ أكثر من مائة عام فى موقع لإلقاء النفايات جاء ليشكك فى النظريات التى رسمها الباحثون. بل إنه أيضا يلقى الضوء على المجتمع الرهبانى فى مصر فقد سبق اسم المالكتين وصف «الراهبتين» وذلك يرجح أنهما بقيتا عذارى، كما أنهما عاشتا فى مدينة وفى بيت تملكانه بدلا من أن تنضما لأحد الأديرة، وأخيرًا أنهما تحملان اسمين واحد إغريقى «ثيودورا» ومعناه هبة الله والآخر مصرى «تايريس» ومعناه هى التى من حورس وجاء اسم والدهما «سيلفانس» باللغة اللاتينية. فبمجرد الالتفات إلى اسميهما نرى كيف تمسك المصريون بموروثاتهم القديمة تحت الحكم الرومانى وفى ظل ديانة جديدة.

من المستندات الأخرى القيمة التى وجدت بمحض الصدفة «جنيزة القاهرة»، وهى مجموعة من الوثائق التى لا يجوز التخلص منها وفقا للديانة اليهودية خاصة إذا تضمنت اسم الله. وقد اكتشفها أحد الباحثين الأوروبيين فى منتصف القرن الثامن عشر محفوظة فى غرفة معزولة بمعبد بنى عزرا بمصر القديمة. أول من قام بدراستها أستاذ التلمود بجامعة كيمبردج سولومان شيختر الذى قدم إلى مصر وقام بشراء معظمها فى نهاية القرن التاسع عشر وهى اليوم موزعة بين عدد من المؤسسات أهمها تلك الموجودة بجامعة كيمبردج فى الولايات المتحدة الأمريكية وأخرى بجامعة أوكسفورد فى المملكة المتحدة. وتضم جنيزة القاهرة ما يقرب من ثلاث مائة ألف مستند. تكمن أهميتها فى كونها تضم مجموعة نادرة من المخطوطات والكتب اليهودية بعضها دينية وأخرى حياتية كعقود زواج وأوراق قانونية أقدمها يرجع لعام 870 م. وأحدثها لعام 1880 م. كما تضم خطابات ومسودات كتبت بيد العالم والمفكر القرطبى الكبير موسى بن ميمون وهو يعد أعظم المفكرين اليهود، وقد استقر بمصر وكان نقيبا للطائفة اليهودية إلى جانب كونه طبيب السلطان صلاح الدين. وقد أحدثت جنيزة القاهرة ثورة كبيرة فى الدراسات اليهودية فى العصور الوسطى. فهى تلقى الضوء على وضع الطائفة اليهودية فى المجتمع فنرى كيف كانوا جزءًا من نسيج المدينة وكيف اشتغلوا فى الصناعات المختلفة وفى بعض الأحيان بالمشاركة مع صناع مسلمين وكيف اشتروا العقارات وأجروا الأخرى وكيف استخدموا اللغة العربية فى معاملاتهم. ولا تقتصر الجنيزة على النصوص اليهودية فحسب بل إننا نجد بعض المخطوطات المسيحية ونسخ من القرآن الكريم ومستندات أخرى ومخاطبات وعرائض ترجع للعصر الأيوبى والفاطمي. مثلا نجد عريضة كتبها شيخ أحد الجوامع إلى ست الملك أخت الحاكم وابنة العزيز بالله خامس الخلفاء الفاطميين يطلب منها مساعدة مالية من القصر للوقوف على مصاريف الجامع. وقد كان لست الملك ديوانها الخاص ومن الواضح أنها لعبت دورا كبيرا خاصة فى السنتين اللتين تلتا اختفاء أخيها الحاكم حتى وفاتها. لعلنا نستطيع أن نقول ان شجر الدر لم تكن السيدة الوحيدة التى حكمت مصر. فهل سبقتها ست الملك؟ لكن لماذا وجدت هذه العريضة من ضمن الجنيزة؟ طرح بالفعل هذا السؤال بعض الباحثين ولكن لذلك حديث آخر.

8

قميص أطفال مزخرف من الصوف ، مصر، القرن الخامس أو السادس الميلادى © متحف اللوفر.

 

من ضمن القطع الأخرى التى لفتت نظرى نسخة من كتاب الأقاليم السبعة لأبى القاسم العراقى الذى عاش بمصر فى القرن الثانى عشر ويعد من كبار علماء المسلمين فى الكيمياء. الشيء الذى شدنى إلى هذا الكتاب هو احتواؤه على رسومات وكتابات هيروغليفية إلى جانب جدول لجميع الأحرف المستخدمة فى اللغة المصرية القديمة. وقد استطاع أبو القاسم أن يتعرف على خمسة أحرف مستخدمة. كما أنه نقل بعض الكتابات مثل تلك الموجودة على لوحة الملك أمنمحات الثانى وهو من الأسرة الثانية عشرة ولا يعرف الكثير عن فترة حكمه التى استمرت أربعة وثلاثين عاما. هذا الكتاب يؤكد لنا أن علماء المسلمين اهتموا بدراسة الحضارات التى سبقتهم على عكس المتعارف عليه. كما أنهم حاولوا فك طلاسم اللغة المصرية القديمة قبل أن يهتم بدراستها الأوروبيون بعدة قرون. وتوجد دراسة بالفعل تتناول هذا الموضوع قام بها الدكتور عكاشة الدالى بجامعة لندن تؤكد أن المصادر القديمة التى وصلتنا من علماء المسلمين تظهر كيف أنهم لم يهتموا فقط لكنهم سعوا أيضا لفهم حضارة الأجداد فى مصر من أجل الاستفادة منها. وقد قاموا بتدوين النقوش ومحاولة معرفة دلالاتها الصوتية ولم يصفوها بالوثنية ولم يقوموا بازدرائها كما يفعل بعض من يسمون أنفسهم علماء للمسلمين اليوم، بل أولوها احتراما واهتماما وفتحوا بذلك الباب لعلماء الغرب من بعدهم لكى يبدءوا من حيث انتهوا حتى استطاع شامبليون فى عام 1822 بتجميع كل الخيوط مستكملا المسيرة التى بدأها من قبله العرب فى هذا المجال.

وينتهى المعرض بثلاثة أقمصة أطفال صنعت فى مصر بعد الفتح العربي. لا نستطيع أن نحدد الديانة التى كان يتبعها صانعو هذه الأقمصة ولا تلك التى كان يؤمن بها الأطفال الذين ارتدونها لكننا نستطيع أن نؤكد أنهم كانوا جميعا مصريين. نعم تاريخنا يزخر بمواقف تصادمية بين الطوائف الدينية المختلفة لكنه يحوى أيضا العديد من التفاصيل التى تؤكد صدق التعايش والتفاهم الذى وجد بين أبناء هذا الوطن، فقد تشارك الجميع يهود ومسيحيون ومسلمون الحياة على أرض مصر، عاشوا وأبدعوا وتركوا لنا إرثا ثقافيا غنيا ومتنوعا. فى ظل الصراعات السياسية التى تشهدها منطقتنا اليوم والتى اصطبغت بطابع التعصب والتطرف الدينى يأتى هذا المعرض ليذكرنا بتراثنا وتاريخنا معا على أرض مصر.

هذه فقط مقتطفات لما قدم فى المعرض الذى سعدت بزيارته واكتشاف كل هذه التفاصيل الرائعة عن مصر، هذا الوطن الذى احتضن الديانات المصرية ومعها السماوية ثم نشرها إلى بقية أرجاء المعمورة. لكم أن تتخيلوا أن عبادة إيزيس لم تقتصر فقط على بلادنا ولكنها ذهبت إلى أبعد من ذلك لنجدها تعبد فى أرجاء الدولة الرومانية وحتى هنا فى لندن حيث شيد لها معبدا، وما زالت الاحتفالات تقام بمولدها على ضفاف نهر التايمز إلى يومنا هذا.

لا ننسى أن نذكر أن هذا المعرض الذى جاء ليلقى الضوء على معتقدات المصريين يعرض فى العالم الغربى الذى تقهقر فيه المعتقد الدينى إلى الصفوف الخلفية وأصبحت العلمانية العقلية هى المحدد الأقوى لمجتمعه. هذا الغرب الذى يقتنع أن العقيدة هى التى حولت الشرق الأوسط إلى ساحة حرب متناسيا الدور الذى تلعبه فإيمان المصرى وتمسكه بعقيدته متغلغل فى حياته اليومية. موضوع هذا المعرض كان يعد بلا شك تحديًا كبيرا لفريق عمل قسم مصر القديمة والسودان ومدير المتحف البريطانى نيل ماكجريجر فى نهاية ولايته، لكننى أظن أنهم استطاعوا أن يجتازوا هذا التحدى بنجاح.

لا يتوانى المتحف البريطانى فى الاحتفاء بمصر من خلال عرض حضارتها وثقافتها واهتمامه المستمر بإقامة المعارض المتنوعة لهذا التراث الانسانى المتميز فهناك معرض آخر عن الآثار الغارقة سيفتتح فى شهر مايو القادم كما أن المتحف بصدد عمل مشروع جديد يتناول تاريخ مصر الحديث. كل ذلك يجعلنى أتمنى أن أرى مثل هذه الطاقة والمهنية فى متاحفنا المصرية التى تحولت إلى مخازن للقطع الأثرية بدلا من أن تتحول إلى أماكن للحوار والتعلم والتعرف على مخزوننا الثقافى الذى لا ينضب.