الروائى التركى الحائز على نوبل أسبغ على الحكايات اليومية لمسة ملحمية فى روايته الجديدة الرواية بها محاولة صحفية لتسجيل كل شىء.. وذات طابع ملحمى عن مدينة السبعينات   يحكى الروائى

TO GO WITH AFP STORY BY PHILIPPE ALFROY 
Turkish Nobel laureate author Orhan Pamuk poses during an interview at his house in Istanbul on Febuary 2, 2015. World acclaimed Turkish writer Orhan Pamuk has started to work on his new novel featuring Istanbul in his flat overlooking the Bosphorus, Topkapi Palace and the Blue Mosque. Since he was awarded the Nobel Prize in 2006, he's become one of the most vocal critic of the "climate of fear" he said conservative and Islamic Turkish President Recep Tayyip Erdogan imposed on Turkey. AFP PHOTO/OZAN KOSE        (Photo credit should read OZAN KOSE/AFP/Getty Images)

الروائى التركى الحائز على نوبل أسبغ على الحكايات اليومية لمسة ملحمية فى روايته الجديدة

الرواية بها محاولة صحفية لتسجيل كل شىء.. وذات طابع ملحمى عن مدينة السبعينات

 

2016-02-02-1454439761-9127506-orhanpamukturkeysecularnationalturk0455

يحكى الروائى التركى الحائز على نوبل فى روايته الجديدة قصة 40 عامًا من حياة بائع متواضع من مدينة اسطنبول، انه كتاب عن السعادة، وبالأحرى عن انعدامها، رواية عن الزمن. ومن المستحيل بينما تقرأ الرواية ألا تشعر أن البطل، “ميفلوت”، يجسد اسطنبول التى يصفها، وسيظهر جليًا عندما يسافر المرء إليها وينصت إلى بهجتها وضجيجها. باموق أبدع كل شخصياته فى شوارعها القديمة. كنا أجرينا الحوار حين يقطن، فى “بويوكادا”، الجزيرة الساحرة التى عرفها منذ وُلد، ويقضى فيها اجازاته الصيفية، يكتب فى سلام لا يزعجه سوى المرور الناعم للزمن، يجلس فى شرفته الخالية التى تلقى عليها الشمس بظلالها. قبل أن نبدأ الحوار، أوصى لنا بأطباق من البطيخ والمشمش، وبدا سعيدًا كما لو أنه يُحب، لكن ليس فقط حب الأدب.

ترجمة: أحمد ليثى

amlaithy

قلت اننا يجب أن نؤمن بالرواية حين نقرؤها، ما أهمية أن تؤمن بما تقرأ؟

الأدب، خياليًّا أو واقعيًّا، يعمل بالطريقة التى أشار إليها “صامويل تايلور كولريدج” التى تدعى تعليق عدم الإيمان، إن كنت ساخرًا أو غير مؤمن بصدق بقوة الأدب، يجب تتجنب قراءة الكتب، ففى النهاية قراءة الأدب موضة قديمة، والآن هناك المدونات والانترنت، وهما يتيحان كمية هائلة من المعلومات والثقافة، لكن لماذا نقرأ الروايات، لأننا نؤمن بقوة الادب، ولسنا ساخرين أو متشككين بشأنه، الأدب يناسب الذين يتعمدون حسن النية، تقول اننى أعطيت لحياة بطل الرواية البائع المتواضع 10 ساعات، إذن أنت غير ساخر، لكنك تقرأ الأدب بحرفية وتظن عمل الكاتب شيئًا مسلمًا به، لا يجب عليك أن تأخذ عمل كاتب ما بلا تساؤل، على الأقل فى البداية.

كقارئ، وانت تعمل على قصتك، ألا تريد للقصة أن تروى بسرعة بقدر ما تريد أن تحملها كما لو أنها جزء من حياتك؟

هذا يتعلق بنوع الرواية ومدى تقدمى فى كتابتها، أو مدى تكشّف القصة، إذا كنت تتقدم بسرعة ستكون قصة دراماتيكية جدًا، أما إذا حشيتها بالتفاصيل، ستكون طويلة. وقصة ميلفوت تغطى 40 عامًا من كفاح الطبقة العاملة فى اسطنبول كما أن الرواية بها الكثير من الشخصيات، ميلفوت كان مركز الأحداث، تتناغم قصص شخصيات الرواية لتكشف لك كيف تمضى الحياة، ببطء أولًا وفجأة تتسارع أحداثها. بطريقة ما هى رواية واقعية تدور أحداثها فى القرن 19، حيث تحاكى وتيرة القص وتيرة الحياة.

وتيرة الحياة أيضًا مليئة بالتفاصيل، وحتى لو أردت رواية غير مليئة بالتفاصيل، التفاصيل مهمة لأنها تأخذ القارئ إلى مركز الرواية.

هناك شخصيات كثيرة فى الرواية، ونحن نسمع قصة كل منهم، ومتعة الاستمتاع بالرواية تأتى من قراءة حكاية تلك الشخصيات. أنت تسأل نفسك دائمًا عما مهم فى الرواية؟ لماذا يريد أن يخبرنى الكاتب بذلك؟ لما لا يستطيع ميفلوت أن يصبح غنيًا؟ هذه المشكلات تقابل الأسئلة الفلسفية والأنثروبولوجية على مر الزمان.

فى لحظة ما تصبح روايتك وكأنها مجاز عن الزمن، عن السعادة، والألم، وعن الجشع والطمع.

الرواية لديها اهتمام ملحمى طموح، عن تمثيل حياة المواطن العادى فى اسطنبول منذُ سبعينات القرن 19، كما أن بها نغمة ميتافيزيقية، تتمثل فى وحدة وانطواء ميفلوت والذى أثّر على غرابة عقله، كانت الأسئلة التى تشغله: ما الذى يجعلنا سعداء؟، هل لأن نوايانا طيبة، أم لأننا قادرين على أن نكون سعداء أيا كان ما يحدث لنا، ما أهمية المخيلة الداخلية المدهشة لعالمنا العقلى الذى نملكه جميعًا بداخلنا، بعضنا انطوائيين وآخرون اجتماعيون. المثير فى ميلفوت أنه شخص اجتماعي، ومثل جميع الناس عالمه الداخلى يختلف عن عالمه الخارجى، ولم يكن من السهل أبدًا أن يحدد عالمه الداخلى ذاك، كل ما كان يفعله، هو أنه يشاركه مع القراء.

 

080907182914

قلت أنك تعطى قراءك متعة تكوين الصور الذهنية عبر مفرداتك، ونحن نقرأ الرواية نرى ميفلوت يبيع البوظة فى شوارع اسطنبول بطريقة مميزة، أعتقد أنها صورة مرئية.

أولًا، سأحاول المحاججة بأن الجزء المميز فى الرواية هو عندما يملك الكاتب صورة عنه فى ذهنه. وتلك الصورة فى روايتى تمثلت فى اسطنبول السبعينات والثمانينات، عندما كان يحكم شوارعها الفقر والقمع السياسى، وكان المرء يشعر أنه فقير ومقموع، لكن كان هناك إمكانيات هائلة، الأفكار والتفاصيل، التى حاولت أن أمررها للقراء عبر الكلمات. ميفلوت مادى، يستمتع بوضع الكلمات التى يستمتع برؤيتها، بالنسبة لى الرواية الجيدة هى التى تخاطب مخيلة القارئ. أكون سعيدًا حين يقول لى أحد قرائى اننى قرأت روايتك كفيلم روائى، هذه مجاملة جيدة، وأنا أكتب لأحصل على المجاملات. دائما، أحاول أن أثير المشهد فى مخيلة القارئ من خلال الصور.

لكنك أيضًا تريد تعاطف القارئ مع شخصياتك؟

نعم، للأسف أريد ذلك، عادة ما نريد شخصية نتماثل معها، نشعر بأننا قريبون منها، ونجادلها، وأن نتعاطف معها. “برتولت بريشت” لا يحب تلك الفكرة. لا يولى العاطفة اهمية. لكنى أوليها أهمية كبرى. العلاقة بينى وبين القارئ مثل علاقتي مع ميفلوت. أقول للقارئ، أنظر سأريك عالم اسطنبول عبر ميفلوت. أريد للقارئ أن يتحلى باستيعاب عطوف، وميفلوت بدوره محبوب. لأنه فقير، ومفهوم جيدًا، وغير متهكم، ذكى، ومدرك لما حوله وذى عقلية مختلفة، أريد أن يدرك القارئ ببطء أن لديه عقلا غريبا، يرى الأشياء مختلفة. نحب ميفلوت ليس فقط لأنه طيب، ولكن لأنه يرى الكلمات المألوفة غير مألوفة، يراها بطريقة أخرى، وهذا أغلى شىء يمكن أن تعطيه لنا أى شخصية روائية، الرواية ستكون ممتعة إذا كانت تأخذنى لعالم عادى لكنها تظهر لى غير المألوف منه، الأشياء الغريبة عنه.

هل تفكر فى نفسك عندما تبدأ بوصف ميفلوت؟

نعم، بى من ميلفوت انطوائيته، فرغم كل الجهود ليكون شخصا اجتماعيا وطبيعيا، بطريقة ما تدرك أنك مختلف، وبالمقارنة معى، ميلفوت أكثر تفاؤلًا، الاختلاف الأساسى أننى من الطبقة الوسطى، وهو عامل، ومن هنا يملك مؤهلات أى رجل فى اسطنبول.

ما سمات الطبقة الوسطى فى تركيا؟

لنلقى نظرة على حياة ميلفوت، متدين ويخاف من ربه، لكنه أيضًا يريد أن يكون حداثيا، ومن هنا يأتى التناقض، يريد أن ينتمى لمجتمع القرية فى طفولته، وأن يمضى حياته بسلوك ذاك المجتمع، لكنه يخون هذا المجتمع، وتلك القيم، ويتبع القيم الرأسمالية المختلفة، وينتقد الآخرين عندما يراهم يتبعون تلك القيم، ميفلوت شخص جيد من عدة طرق، فهو محاط بأشخاص اتقياء، ووطنيين راديكاليين، لكنه يريد أن يمضى حياته كشخص عادى من الطبقة العاملة. على مدى 500 صفحة يهتم بالمال، ليس طمعا، لكن لأنه يريد معيشة لائقة، ومثل كل تركي، هدفه فى أن يمتلك بيتًا.

لكنه لا يزال فقير، هذه حقيقة مهمة جدا فى الرواية؟

ربما تتضمن الرواية ذلك، ميلفوت لا يزال فقيرًا، لأنه كما يؤكد هو نفسه، طيب، لم يظهر مرة واحدة أنه طموح، لم يحاول مرة أن يغش أو أن يكون ماكرًا، واحد أسباب فقره أنه غير منظم اجتماعيًا، أو ناجح اجتماعيًا، ربما بسبب غناه الداخلى، أو أنه حالم بعض الشىء.

9780307700292_custom-38f97d598dd5a25fde978f81f0dee68ce3187488-s400-c85

هل تقول ان ميفلوت شجاع؟

شجاع؟ ليس إلى حد كبير، ميفلوت يرى الخطر ويتجنبه. لا أنتقده، هو لن يخاطر بمبادئه الاجتماعية أو الأخلاقية، يحاول دائمًا – كما شعرت به – أن يحافظ على حياة عائلته وأطفاله. مثلاً، عندما فقد سلة الأرز، رفض تعويضها بأخرى بلا مقابل، لأنه لم يحب الراقصة، فى هذا الموقف ليس طامعًا، بل نموذجيا جدًا، مستقل ورائع، والقراء سيتبعون قصته.

هل ترى الرواية أغنية فى حب اسطنبول أدّاها ميفلوت؟

لم أكن سأقول الحب، سأقول الاحترام. هذا ما نراه فى اسطنبول التاريخية، اسطنبول هنا لم تكن جميلة ولا رائعة ولا جاذبة للسائحين، لكن ما نراه هنا هو الحب. يظهر فى علاقتى بتطور المدينة، دكاكينها وطعامها، كيف يعبأ الطعام، وكيف يوضع فى الكراتين، ويوزع، الأفلام، الصحف، تطور الحياة اليومية الثقافية فى اسطنبول. دائمًا ما نتحدث عن المدن بكلمات كبيرة، لكننا معظم الوقت نصف أماكنها الطبيعية، وآثارها وأماكنها التاريخية. نتكلم عن المدينة بحروف كبيرة، لكنى أتكلم عنها بطريقة أكثر أنثوية ربما، عن المطابخ، ماذا نأكل، كيف تعمل النساء، كيف نرسم غرفنا، اهتم بهُوية المدينة، الطريقة التى تغيرت بها، ليس فقط الخرائط والآثار الكبيرة، لكن التاريخ الهامشى للحياة اليومية. هذه رواية ملحمية، شاغلها هو قصة الحيوات الخفية، وكيمياء الشوارع التى تشكلت من قبل المجموعات الصغيرة والدكاكين.

بعد “متحف البراءة” روايتك التي وضعت فيها نظرية “الروائى الساذج والحساس”، قلت ان الرواية يصبح لها طابع سياسى ليس عندما يعبر الكاتب عن أرائه السياسية، لكن عندما يبذل جهدًا ليفهم شخصًا ما، أو لأنه كاتب لا يجيد التعامل مع ثقافته، الطبقية أو النوعية، هل هذا يعنى أننا يجب أن نتحلى بالشفقة قبل أن نطلق حكمًا سياسيًا أو ثقافيًا؟

نعم

كان واضحًا انك كتبت أفكارك بطريقة نقية، ولم تكن الأفكار تأتيك بطريق المصادفة، هل كنت تريد كتابة هذا الكتاب بالتحديد؟

نعم، هناك طرق عديدة لشرح ذلك، فقد اجريت حوارات مع شخصيات مثل ميلفوت، مع الباعة الجائلين الكبار فى اسطنبول، والنادلين، وباعة الكباب، وبائعى الأرز، هناك محاولة صحفية فى قلب هذا الكتاب لتسجيل كل شىء فى تاريخ اسطنبول، وبعد تسجيل 10 او 15 حوارًا، يجب عليك أن تتوقف لترى كم الاختلافات والاتفاقات بينهم، ربما كتبت رواية اجتماعية، لكن المهم هو عندما يمضى القارئ 10 ساعات مع ميفلوت ويقترب منه، يدرك أنه ليس فقيرًا، وأن سبب ذلك هو فرديته وغرابته، لا أحب انهمار القارئ فى البكاء، أريده أن يبتسم ويحترم فردية الشخصية الرئيسية للرواية.

عن النسخة الإنجليزية من صحيفة “الـباييس” الإسبانية