انشغل الانسان منذُ قديم الأزل بقص الحكايات حول العفاريت، وتعددت تلك الروايات تبعًا لكل حضارة وبلد، غير أن رواية حكايات الحسن والحزن لأحمد شوقى على الصادرة عن دار الآداب انشغلت

2015-635586523814139240-413

24441745

انشغل الانسان منذُ قديم الأزل بقص الحكايات حول العفاريت، وتعددت تلك الروايات تبعًا لكل حضارة وبلد، غير أن رواية حكايات الحسن والحزن لأحمد شوقى على الصادرة عن دار الآداب انشغلت – على العكس من ذلك – بحكاية العفريت عن الإنسان، فجاءت لتضيف احتمال وجود مواز ومتخيل للعفاريت، تُراقب وتترقّب، بل وتملى إرادتها على الإنسان في بعض الأحيان.

غريب، الإنسان الذى تحول لعفريت جرّاء افتراقه عن حوريته، فصار ذات صباح عفريت على غير إرادته، عفريت من شِعر، فأصبح بسبب ذلك على هامش الكون، لكنه بدلًا من أن يستسلم لقدره، قرر أن يكتب قدَرًا آخر، حكاية من نفسه ليخلّد نفسه فيها، وحتى لا يكون نسيًا منسيًا.

ومن نفسه، خلق غريب عالم بأكمله، أبطاله عائلة خامل، الذى خرج من بلدته بسبب مشاكل مع عمه ليعبر البر الآخر، إلى الجوّافة، ويؤسس هناك – في المكان عينه الذى كان بيتًا لغريب – منزل له، يحوى عائلته ويضمّها، بمساعدة أمه، التى شاركته بناء البيت بمالها، وهكذا، أصبحا شريكين في البيت.

لم يخلق غريب حكايته وأبطالها فقط، لم يكتف بالمشاهدة، بل تدخّل في بعض الأحيان في حياة أبطاله، وأملى إرادته عليهم. و”قرر الإئتناس بالحكاية والشعر، في وجه الأبد الغامض، ليس بالحكايات المتناثرة، وإنما بالسعى الدؤوب للخلق”، وذلك لابد أن يحيلنا إلى فكرة أخرى، مفادها السؤال التالى، ماذا لو كان غريب معادل لله في الحكاية؟. يخضع الله لتصور سائد في المعتقد الشعبى، على أن له القدرة على التحكم والتدخّل في كل شىء، وكذا قرر الروائى، فقد أخضع غريب – بصفته صاحب الحكاية وراويها – لذلك التصور، ليتدخل في بعض الأحداث، ويضيف أو يحذف كما حلى له، ففى ليلة سالم وإكرام الأولى– مثلًا – وضع 36 دبوسًا في طرحتها، إطالة لوقت خلعها حتى يتسرب إليهما الإحراج، ويضيف إلى ذلك الموقف، ذكرى لن ينسياها أبدًا.

هنا لابد لنا أن نتسائل، ما مدى حريتنا في اختيار قراراتنا، وهل يتدخل الخالق في حياتنا كما تدخّل غريب فى حكايته، ليتحكم في حياة الإنسان ويوجهها، أم أن الإنسان حرًا في اختيار أفعاله؟، ومسؤولًا عن نتائجها، تعددت الأطروحات التى بحثت مفهوم الحرية، بين أطروحات قليلة تذهب إلى أن الله قد أعطى للإنسان حريته كاملة وجعله مسؤول عن أفعاله، وبين أخرى كثيرة تذهب إلى أن الإنسان مقيد في أفعاله، وأن تصاريف الله تتدخّل لتقى الإنسان شر أمر ما، أو ترغمه على فعل آخر، إلا أن افتراض تدخّل غريب في الحكاية لأنه راويها، سيفرض بالتالى عدة نتائج، منها أن جنية الاحلام التى طلب خامل منها النوم عندما أصابه الأرق، كانت من فيض رحمة غريب وتدبيره حتى يهنأ خامل بالنوم، كما أن غريب- كخالق للحكاية – يصيبه الهوى ويجعله يتصرف بعبثية، يقرر عندما يقص حكاية موت خامل أن يميته في رواية،ويترك قدره معلقًا في أخرى.

تمتد الرواية وتمتد معها الأسئلة، فتصيبنا بالحيرة، لنخلصُ منها بجزم، أن غريب قصّالحكاية ليعبر عن شوقه برجوعه مرة أخرى لهيئته الآدمية، وهل كان تدخّل غريب فى أقدار أبطاله إلا حقدًا عليهم؟، وهم الآدميون الذين مُنحوا حرية التصرف في حياتهم كيفما شاءوا، ألم يتألم غريب من أنه أصبح على هامش الكون الفسيح، منبوذًا من الجميع، فأراد أن يخلّد نفسه بأن يخلق كونًا يوزاىهذا الكون، لعل غريب يحقد على الإنسان لأنه حظى بكل ما حلم به، لأنه كان يمثل الضد له، فالإنسان مركز الكون، والموكول بتعميره.

 

أحمد ليثى