أبيض .. أحمر! إبراهيم فرغلي   تذكرت عنوان أولى قصصى المنشورة، عاليه، وأنا أستعيد عددا من الحوارات التى جمعتنى بأصدقاء؛ بعضهم أكاديميون، وبينهم كتاب رواية ومترجمون وشعراء، هالنى أن المشترك

أبيض.. أحمر!

أبيض .. أحمر!

إبراهيم فرغلي

 

تذكرت عنوان أولى قصصى المنشورة، عاليه، وأنا أستعيد عددا من الحوارات التى جمعتنى بأصدقاء؛ بعضهم أكاديميون، وبينهم كتاب رواية ومترجمون وشعراء، هالنى أن المشترك فى أغلب تلك الحوارات التى جمعت بينى وبينهم إصرار على إسباغ سمة واحدة وحيدة على الطرف محل انتقادهم. لو كان عبدالناصر مثلا فهو بالنسبة لمنتقديه، شيطان أوقع مصر فى كوارث كبرى، دون التفات لأى إنجاز أو مشروع قومى أو ثقافى أو صناعي. لو الكلام عن الجيش فهم أيضا نموذج للتسلط والديكتاتورية دون إيلاء أى عنصر آخر للدور الوطنى للجيش على مدى تاريخه، لو الحديث عن نص أحمد ناجى الذى تعرض بسببه إلى السجن، وفيما نناقش أن الأولوية الأولى الآن هى الكلام عن إشكالات التشريع وتعارضه مع روح الدستور، والعقلية المحافظة لرجال القانون والنيابة، فيتحول الحوار إلى تقديس نص ناجي، والقائمة طويلة. والخلاصة الآن أن الذهنيات التى تتحدث باسم الحرية والليبرالية والحرية الأكاديمية وحرية الرأى والتعبير، فى الحقيقة لا تحتمل أى خلاف، ولا تستطيع أن ترى أى مسألة إلا من خلال ذهنية الإخوان الراديكالية: الحلال والحرام، أو ذهنية المثالية الرومانسية الراديكالية : الأبيض والأسود.

فى الحقيقة، ولولا بعض الاستثناءات التى لا تزال تحترم الاختلاف ولا تضع أفكار الشخص مقابلا لوجوده، وتقوم بإقصاء المختلف ونبذه بضغطة زر، فإن الغالبية ترى فى الخلاف مبررا لخسارة أى شخص أو صديق أو زميل، طالما أنه لا يتمتع بنفس آلية تفكيرهم. إقصاء قادم من ثقافة «الخلاف» لا «الاختلاف»، واحتقار الآخر على الرأي، بعد الطائفة والمذهب والعقيدة. ثقافة الإقصاء بدلا من الحوار.

لكن من المسئول عن هذا كله بينما تتوالى الخسارات كما نرى على أرض الواقع على حساب حرية التعبير؟ فى اعتقادى بأننا كلنا مسئولون، نحن مجتمع يعيش اليوم مراهقة متأخرة، وللأسف فإن الأعلى قدرة على استعراض مراهقته هو الأعلى صوتا، وهكذا يغيب صوت شخص نبيل مثل مجدى يعقوب الذى يعيش من أجل إنقاذ حياة البشر، بينما لا يعلو إلا صوت بعض أعضاء البرلمان الذين يتراوح كلامهما بين الفحش والبذاءة. يغيب صوت الإعلامى الناضج المتوازن لصالح أصوات مراهقى الإعلام؛ الذين يتصورون أن الإعلام مصاطب لاستعراض آرائهم الشخصية على الجمهور، وكلها آراء تافهة وسطحية. يغيب صوت رجال الشرطة الذين يقدمون أرواحهم من أجل القضاء على بؤر الإرهاب، بينما يعلو صوت مراهقى الشرطة الذين يعانون عقد النقص والدونية وقلة التربية ويعبرون عنها فى ظلم البشر والتربص بالمواطنين، وتعذيب البشر بحقارة. يغيب صوت المثقفين الذين يمتلكون الرؤى لصالح مراهقى الثقافة الذين يتشدقون بالقشور ويغازلون الغرب. ويغيب صوت السياسى المعارض المدرك أنه لا ديمقراطية دون عمل سياسى منهجى وعلمى وأحزاب، بينما يعلو صراخ وسباب مراهقى الشارع الثورى الذين استعاروا المصطلحات من الكتب دون أى محاولة لاختبار الكيفية التى يمكن بها أن تتحقق على أرض الواقع بعمل مدنى منظم.

أما الكارثة الكبرى فتعود لمنظومة تعليم مأساوية لا يمكن إلا أن تنتج هذا العدد من المراهقين، لا معرفة حقيقية، ولا تخصص، ولا منهجية، ولا شيء. هكذا نعيش زمن الأبيض والأحمر فى عالمنا العربى السعيد.