أسامة عبد الفتاح يكتُب : «عنصرية» الأوسكار.. وعنصرية السود المضادة     من المعروف والمؤكد أن الولايات المتحدة ما زالت تعانى آثار تاريخ طويل من العنصرية والتمييز، خاصة ضد السود،

21

أسامة عبد الفتاح

أسامة عبد الفتاح يكتُب :

«عنصرية» الأوسكار.. وعنصرية السود المضادة

 

 

من المعروف والمؤكد أن الولايات المتحدة ما زالت تعانى آثار تاريخ طويل من العنصرية والتمييز، خاصة ضد السود، لكن المؤكد أيضا أن الأكاديمية الأمريكية لفنون وعلوم السينما، التى تمنح جوائز الأوسكار، لا تعانى هذا الوباء، على الأقل فى الفترة الحالية، بمنتهى البساطة لأن رئيستها، شيريل بون آيزاكس، سوداء، وتعمل بقوة على تغيير خريطة وتركيبة أعضائها.

كما تم إسناد تقديم حفل توزيع جوائز الأوسكار رقم 88، فى 28 فبراير الماضي، إلى ممثل أسود هو كريس روك، وكان من المعروف للجميع أنه سينتقد – بحدة وسخرية – ترشيحات الأوسكار، والتى أُعلنت فى 14 يناير الماضي، لخلوها تماما من أسماء الفنانين السود فى كل الفئات، ولو كانت اتهامات العنصرية صحيحة لأسندت الأكاديمية تقديم الحفل لشخص آخر.

المشكلة أن السود فى أمريكا، أو الأمريكيين الأفارقة، لا تزال تطاردهم عقدة وتداعيات العنصرية فى البلاد التى أُجبر أجدادهم على الهجرة إليها ليكونوا فيها عبيدا، ولا يزالون يتعاملون كأقلية فى الولايات المتحدة، حيث لا يتجاوز عددهم 13% فقط من إجمالى عدد السكان البالغ نحو 320 مليون نسمة، مما يدفعهم أحيانا لممارسة عنصرية مضادة ضد البيض، ظهرت واضحة فى حملتهم الضارية ضد ترشيحات الأوسكار 2016 لاقتصارها على البيض فقط.

ووفقا للمتحدثين باسم هيئات السود ومنظمات مناهضة التمييز العنصري، تجاهلت الترشيحات أصحاب البشرة السمراء تماما رغم وجود أعمال لهم تستحق التقدير، وحتى الفيلمين اللذين تمكنا من دخول القائمة، واللذين يحملان توقيع الأمريكيين الأفارقة – كما يسمون أنفسهم، فلم يترشحا إلا عن عناصرهما من البيض، وأولهما «كريد»، الذى كتبه وأخرجه ريان كوجلر كجزء سابع من سلسلة أفلام «روكي»، وقام ببطولته مايكل بي. جوردان، وكلاهما من السود، لكن أعضاء الأكاديمية لم يختاروا سوى رجل أبيض، هو سلفستر ستالون، فى فئة أفضل ممثل فى دور مساعد.

أما الثانى فهو الفيلم المهم «مباشرة من كومتون»، الذى أخرجه الأسود «إف. جارى جراي»، وقام ببطولته مجموعة من الممثلين السود الشباب منهم جيسون ميتشيل وكورى هوكينز وأوشيا جاكسون الصغير، وكانت التوقعات تضعه ضمن فئة أفضل فيلم وفئتى أحسن تمثيل رجال، فإذا به ينال ترشيحا واحدا فقط عن أفضل سيناريو مكتوب مباشرة للسينما لكاتبيه جوناثان هرمان وأندريا بيرلوف، وهما من البيض.

<> on October 19, 2009 in Santa Clarita, California.

وهناك أفلام ذات هوية سوداء تم تجاهلها تماما، مثل «شي-راك» للمخرج الكبير سبايك لي، و«وحوش بلا وطن» الذى أخرجه كارى فوكوناجا «غير الملوّن»، لكنه يدور حول الحرب الأهلية فى إحدى الدول الإفريقية، ورشح كثيرون بطله الأسود إدريس ألبا لأوسكار التمثيل.. كما اندهشت معظم الأوساط السينمائية الأمريكية من استبعاد النجم ويل سميث من المنافسة على جائزة أحسن ممثل عن دوره المتميز فى فيلم «ارتجاج».

لكنى أصر على تبرئة الأوسكار من تهمة العنصرية، ليس فقط لوجود آيزاكس وروك، لكن من واقع سجلات الجوائز نفسها، منذ عامين فحسب.. صحيح أن عام 2015 شهد غيابا مماثلا للسود، إلا أن فوز الفيلم البريطاني/الأمريكى «12 عاما من العبودية» بجائزة أفضل فيلم، عام 2014، يُعد ردا مفحما على من يزايدون على الأكاديمية ويتهمونها بالتمييز.

يفضح الفيلم، وهو من إخراج البريطانى الأسود ستيف ماكوين، تاريخ العنصرية والتمييز الأمريكى الذى أشرنا إليه، ويكتسب قوته من ارتكازه على قصة حقيقية، وتحديدا على مذكرات سولومون نورثاب، الذى يؤدى شويتل إيجيوفور دوره، والذى يروى تجربته مع العبودية حين كان حرّا وتم اختطافه فى واشنطن عام 1841، وبيع كعبد ليعمل بالسخرة فى مزارع «أسياده» فى لويزيانا لمدة 12 عاما تم تحريره بعدها.

شيريل بون آيزاكس وكريس روك دليلان على براءة الأكاديمية الأمريكية من تهمة التمييز

وأحب أن أذكّر السود بأن هذا الحفل كان ساحة لتألق الأفارقة من أبناء المهاجرين إلى الغرب الرأسمالى الغني، ومنهم إيجيوفور، الذى ترشح لجائزة أفضل ممثل عن الفيلم، لكنها ذهبت إلى ماتيو ماكوناهى عن دوره فى فيلم «نادى دالاس للمشترين».. وقد وُلد هذا الممثل البريطانى الأسود فى لندن لأبوين نيجيريين فى 10 يوليو 1977، وينتمى إلى الجيل الأول من أبناء المهاجرين النيجيريين فى بريطانيا.

ومن فريق «12 عاما من العبودية» أيضا، هناك الممثلة السوداء لوبيتا نيونجو، المولودة عام 1983، والتى تحمل الجنسيتين الكينية والمكسيكية، حيث وُلدت فى المكسيك لأبوين كينيين، وعاشت فيها عاما واحدا قبل أن تعود الأسرة إلى كينيا وتستقر فيها إلى اليوم.. وقد دخلت لوبيتا تاريخ الأوسكار فى تلك الليلة المشهودة، حيث فازت بجائزة أفضل ممثلة مساعدة فى أول ظهور سينمائى لها.

وتواجدت إفريقيا السمراء بقوة فى تلك الليلة أيضا من خلال الممثل برخد عبدي، الذى كان مرشحا لأوسكار أفضل ممثل فى دور مساعد عن فيلم «الكابتن فيليبس»، وهو ممثل صومالى أمريكى وُلد فى مقديشو عام 1985، وتلقى تعليمه فى اليمن، وفى عام 1999 انتقل مع أسرته إلى مدينة مينيبوليس بولاية مينيسوتا الأمريكية.

ويُضاف ذلك بالطبع إلى عشرات الجوائز والتكريمات التى نالها الأمريكيون الأفارقة من أكاديمية الأوسكار قبل هذا التاريخ وبعده، مما ينفى تهمة العنصرية، ويرجّح بقوة – هذه المرة – احتمالات العنصرية المضادة.