شريف صالح البلد مجنونة!   فى فيلم «جزيرة شاتر» نرى جزيرة معزولة عن العالم لا يوجد بها سوى المجانين. ما يذكرنا بما قاله فوكو عن «سفينة المجانين» ففى أوروبا فى

البلد مجنونة !

شريف صالح

البلد مجنونة!

 

فى فيلم «جزيرة شاتر» نرى جزيرة معزولة عن العالم لا يوجد بها سوى المجانين. ما يذكرنا بما قاله فوكو عن «سفينة المجانين» ففى أوروبا فى القرن الخامس عشر كان يتم تجميع المجانين فى سفينة تجوب البحار إلى ما لا نهاية.

فى الفيلم كان ليوناردو دى كابريو أحد ضابطين وفدا إلى الجزيرة للتحقيق فى اختفاء مريضة أغرقت أطفالها الثلاثة.. لكن مع تتابع الأحداث نجد أن هناك روايتين: رواية أن دى كابريو ضابط غيور على القانون ويشعر بالأوضاع المريبة فى الجزيرة.. ورواية أخرى أنه ليس أكثر من مريض ميئوس منه بعدما اكتشف أن زوجته أغرقت أطفالهما الثلاثة!

المشكلة أنه طول الوقت يدافع عن روايته باعتباره «ضابطًا ينفذ القانون» وجاء من أجل «مهمة» نبيلة. وإدارة المستشفى تعامله باعتباره المجنون الأكثر خطورة! فأى الروايتين هى الأصح؟

قياسًا على ذلك.. هل يمكن أن يتحول بلدً بكامله إلى سفينة جنون.. وهى لا تدري؟ فنرى أفرادًا مصابين بالفصام وبناء «تصورات» لا علاقة لها بالواقع؟ كأن نرى مظاهر التبذير والسفه فى الإنفاق رغم الحاجة إلى اقتصاد حرب.. وحملات منظمة للدفاع عن فاشلين حققوا إنجازات وهمية.. ولصوصًا يعطوننا دروسًا فى الإخلاص والوطنية.. وجهلاء يدعون أنهم علماء وسيعالجون الأمراض المستعصية.. ومشعوذين وقتلة يرون أنفسهم رسل السماء.. ورئيسًا يزعم أنه حفيد عمر بن الخطاب.. وأتباعا يقسمون أنهم رأوا جبريل.. ووسائل إعلام لا يشغلها الفقر ولا تردى الخدمات الصحية وسوء التعليم بل تستهلك كل طاقتها فى أخبار الأراجوزات والراقصات ومعارك الأحذية.

فهل هذا مجتمع عاقل؟ هل يعرف هؤلاء إلى أين يذهبون ببلدهم.. أو سفينتهم؟ ما الفارق بينهم وبين ما صوره إسماعيل يس فى «اسكتش العقلاء» أولئك الذين يظنون أنفسهم نابليون ونيرون وعنترة؟! والمفارقة فى عنوان الاسكتش نفسه «العقلاء» وهم أبعد ما يكونون عن العقل.. فكيف تقنع هؤلاء بأنهم مجانين وخطر على البلد.. والناس؟

كيف تقنع القاضى بأنه قاضٍ بكل ما تعنيه الكلمة.. والإعلامى إعلامى ولا يجب أن يكون أى شيء آخر؟ كيف تقنع الناس ببديهيات عن أهمية تطبيق القانون وليس البلطجة على الجميع وبلا استثناء؟ وأنه لا معنى أن نردد ليل نهار مصطلحات الشفافية والكفاءة رغم إدراكنا أنه لا شيء يُدار بشفافية ولا كفاءة؟!

عندما فكر الناس فى أوروبا فى إرسال المجانين إلى سفينة تجوب البحار بلا عودة.. كانوا يظنون أن الجنون قابل للعدوى.. ورغم أن هذا غير صحيح.. لكن الحقيقة أنه يُعدى بطريقة أخرى.. فعندما يرى أحدنا الناس يفكرون بطريقة غريبة سيفكر مثلهم.. وأنهم ينجحون فى الحياة بقيم فاسدة سوف يفعل مثلهم.

لأنه حين يسود منطق الجنون لن يُعانى إلا من يتمسك بالعقل.. فهذا الذى يتحدث عن الشفافية والكفاءة واحترام القانون سيكون مثيرًا للسخرية والرثاء.

وقديمًا قيل إن أهل بلد شربوا من نهر ملوث بطاعون الجنون.. فتفشى الجنون بينهم.. ولم يبق عاقلا إلا الملك ووزيره.. ويئس الملك من إقناع أهل مملكته بأن يعودوا إلى العقل.. واستشار وزيره فأخبره أن الحل الوحيد أن يشرب هو أيضًا من نهر الجنون.. فلا يمكن أن تحكم مملكة من المجانين إلا إذا أصبحت مجنونًا مثلهم.