محمد عبد النبي الخُبز والورود   فى كتاب فيرجينيا وولف، غرفة تخص المرء وحده، تخيلتْ أختًا لشكسبير، لها نفس موهبته لكنها تنصحنا بألّا نحاول البحث عنها فى كتب أعلام الشعراء،

الخُبز والورود

محمد عبد النبي

الخُبز والورود

 

فى كتاب فيرجينيا وولف، غرفة تخص المرء وحده، تخيلتْ أختًا لشكسبير، لها نفس موهبته لكنها تنصحنا بألّا نحاول البحث عنها فى كتب أعلام الشعراء، فقد سافرت للعاصمة وتشرّدت لفترة قبل أن يغويها أحد العاملين فى المسرح ثم ماتت فى مقتبل العمر وهى تضع ابنها قبل أن تكتب كلمة واحدة. وتواصل فيرجينيا تصوراتها حول الأخت المتخيّلة لشكسبير، جوديث كما أسمتها لترسم صورة لحال المرأة المبدعة خصوصًا فى العصر الإليزابيثي، وفى عصرها كذلك، دون أن تتصوّر أن أحوال المرأة، مبدعة أو غير مبدعة، لم تتغير كثيرًا بعد نحو مائة عام.

ربما يبدو هذا نوعًا من المبالغة، لأننا نرى المرأة تعمل وتنتج على كل المسارات تقريبًا، لكن تظل نسب التعليم والعمل والتحقق الفكرى والفنى بين النساء مخجلة ومخيفة فى عالمنا العربى على الخصوص. جوديث العربية، وقد يكون اسمها ليلى أو شيماء أو هيام، ما زالت تسير مثقلة بسلاسل حديد تطوّق ساقيها، سلاسل العادات والتقاليد ونظرة المجتمع الذكورى لها فى مجتمعات مسمومة بالأفكار الرجعية حول وضع المرأة، وتصويرها أحيانًا كمصدر لكل الشرور.

ربما يكون يومنا هذا، اليوم العالمى للمرأة، مناسبة طيبة لتذكيرنا بهذه الحقائق، وبحقوق لم تعد محل جدال فى العالم كله، ربما منذ أن خرجت عاملات النسيج الأمريكيات إلى شوارع نيويورك يوم 8 مارس عام 1908 للاحتجاج على ظروف العمل غير الإنسانية والمجحفة مقارنةً بزملائهن من الذكور، وهنّ يحملن الخبز اليابس والورود، كشعار لحركتهن التى كانت خطوة أولى قوية نحو مسيرة طويلة من العمل فى مجال حقوق المرأة والطفل والمساواة. مناسبَة لنتذكر الخبز والورود، لنشعر بشيءٍ من الحياء والامتنان أمام الأيدى التى تحنو وتربت وتغسل وتطبخ وترسم وتكتب، الأيدى التى تصنع الحياة فى كل موضع من العَدم تقريبًا، وتفتت الصخر بأظافرها من أجل مَن حولها كل يوم.

لا تكاد تمر بضع ساعات على أي منا دون أن تساهم امرأةٌ ما فى إضفاء لمسة جمال ورقة على حياته، حتى ولو من خلال أغنية قديمة فى الراديو، ثم نسمع مَن يقول فى تعالٍ عجيب إن النساء لسن مبدعات وإن مكانهن الطبيعى هو البيت، وإذا أردنا أن نحصى لهذا الصنديد أسماء الكاتبات فقط، ممن تركن بصماتهنّ على مخيلة ووعى أجيال من القراء فلن يكفينا عمره كله.

ومع هذا لا يجب أن نبالغ فى تقدير منتَج المرأة الفنى لمجرد اعتبار نوعها وصعوبة أوضاعها، بل التعامل معه ببساطة وصدق مثل أى منتج آخر، فلعلّ كل مبدع يطمح بدرجة ما إلى تجاوز أسر نوعه فى لحظة الخلق، كأن يتوازن بداخله كلٌ من الأنثى والذكر بحيث يصبح أكبر من حدود النوع البيولوجى الضيّقة. حتّى حينما تعتمد المرأة تمامًا على خصوصيتها الجسدية والنفسية يظل من الجائز أن تنتج أعمالًا لا تُنسى أو خواطر حسيّة قد يكتبها المراهقون من الذكور كذلك، فالحكاية وعى وليست طبيعة بيولوجية، وإن تعسّر الفصلُ بينهما كثيرًا.

فى ديوان هدى حسين الأحدث (فى الوقت المناسب) قصيدة تناسب السياق بعنوان “حرب”، تقول فيها:

الليلة خمر ونساء/ وغدًا لن نقتل أحدًا/ لقد أعتقنا الرجالَ من الحرب/ إذ قاتل بعضهم بعضًا حتى فنوا جميعًا/ الليلة نساء فقط/ يستطبن الرقص والضحك/ حتى الثمالة/ باطمئنان مطلق/ أنه لن يتحرّش بهنّ أحد.

قد يكون هذا الحلم الأنثوي، والكابوس الذكورى أيضًا، نتيجة طبيعية للوعى المهيمن على عالمنا للأسف، وعى الذكور المتعاركين والباحثين عن مجدٍ خاوٍ فى كل مضمار يصلح للتنافس الصبياني، من ماتشات الملاكمة إلى السيطرة على موارد الطاقة، الوعى الذى يقودنا إلى نهاية كابوسية حقًا، إذا لم نسرع بالتماس روح الأنثى بداخلنا، رجالًا كنا أو نساءً، لأنه من نساء منهنّ أشرس من الديكة المتصارعة، إن لم نفعل سوف نقطع الحبل السرى الذى يربطنا برحم الإنسانية، إن كان ما زال موصولًا.