تناقضات تواجه مطربى مصر الشعبيين بشارع محمد على العابر للقارات من كتاب ( القاهرة .. مدينة عالمية ) الصادر عن المركز القومي للترجمة   نيكولاس بيوج   إنه اليوم الأول

10

تناقضات تواجه مطربى مصر الشعبيين بشارع محمد على العابر للقارات

من كتاب ( القاهرة .. مدينة عالمية ) الصادر عن المركز القومي للترجمة

 

5555

نيكولاس بيوج

 

إنه اليوم الأول من أيام العيد الذى يلى شهر رمضان المعظم (عيد الفطر)، وتنتاب مشاعر القلق والتوتر كل الموسيقيين فى مقهى سعد الصاوا بشارع محمد علي. وقد استطاع بعض منهم فقط أن يجد عملا فى الأسابيع القليلة الماضية. وحيث لا توجد حفلات زفاف الشوارع فى شهر رمضان، وفرص الالتحاق ببعض أعمال العزف والغناء شحيحة وعلى فترات متباعدة. ولأنه توجد الكثير من حفلات الزفاف أيام الأعياد فى المعتاد، فإن كلا منهم يأمل فى أن يعود إلى منزله وفى جيبه بعض النقود (يتحصل كل منهم على ما يقارب 5 – 30 دولارا طبقا لنوع الآلة التى يعزف عليها والظروف المحيطة). ولكن الساعة الآن قد بلغت السادسة بعد الظهر، ولم يتم الاتفاق مع أى منهم مقدما لحفل زفاف لليلة. ويحافظ المطرب مرسي، على سرعته، وهو يعبر نفس المائة خطوة وهو يرتدى ملابسه الضيقة التى تلتصق بجسده تماما، ونمط حلاقة شعره الجديد. وهو جاهز تماما للذهاب إلى أى حفل زفاف وإدخال البهجة فى قلوب المدعوين لأى حفل زفاف خلال أيام الأعياد فى القاهرة. وأما عن محمد، عازف الأورج (البيانو الكهربائي) فتتغلب مشاعر القلق على نبرات صوته وهو ينادى على مرسي: «إذا ما حصلت على أى شيء فأنا جاهز للذهاب معك». لكن تنقشع مشاعر القلق من قلوب أفراد الفرق الموسيقية المنتشرين فى مقاهى شارع محمد على مع حلول الظلام، ويمتلئ الشارع بسيارات الميكروباص والتاكسي، ويتوزع هؤلاء الأفراد فى ضواحى القاهرة لإحياء حفلات الزفاف المقامة فى أيام عيد الفطر.

80400

تاريخ الشارع

ويشير سوق الموسيقيين فى القاهرة إلى مكان شهير للموسيقى الحضرية للطبقة الشعبية، ويتم عزف وتقديم الأغانى الحية ليس فقط فى حفلات الزفاف لكن فى احتفالات الطرق الصوفية بموالد أهل البيت أيضا. وهو ضرب من الأغانى الدارجة والمعروفة فى عالم متميز من التدريب الموسيقي، والتجمعات الاجتماعية، والممارسات المهنية. وقد عمد هؤلاء الموسيقيون المنتمون إلى سوق الموسيقى إلى تطوير ثقافة حضرية فرعية تتركز فى عدد قليل من مقاهى شارع محمد علي، وهو المركز القديم المرموق للموسيقى المصرية إبان عصرها الذهبى فى القرن العشرين. غير أن هؤلاء الموسيقيين يوصمون من قبل بقية سكان القاهرة إلى حد بعيد بأنهم مجموعة من الدخلاء ذوى الوضع الاجتماعى المتدنى للغاية. كما أن نوعية الموسيقى التى يقومون بأدائها يتم تداولها فى «أدنى» درجات أسواق الغناء ومن خلال أرخص مبيعات شرائط الكاسيت. ويتم ربط هذا النمط الفنى ببعض مؤثرات الغناء الريفى والسائدة فى الأحياء الشعبية بالقاهرة، وفى الأحياء ذات الكثافة السكانية فى المدينة القديمة، وفى الأحياء العشوائية الجديدة التى تنبسط حول القاهرة.

 

وتتألف هذه السوق من الموسيقيين ليس فقط من أماكن حضرية محددة لكن كنظام للعلاقات والتفاعلات والتى تقوم بتحديد ذلك مهنيا، وإعادة استنساخ بعض المهن، والمهارات، والمصالح الاقتصادية. كما أنها ثقافة حضرية، أو ثقافة فرعية، ترتكز فى بعض الأماكن الحضرية مثل شارع محمد علي، وفى أماكن أخرى يتم فيها تنظيم حفلات الزفاف، وعلى مسارح يقوم هؤلاء الموسيقيون بأداء عروضهم الفنية. ويمثل هذا العالم من حفلات زفاف الشوارع، واحتفالات الموالد ثقافة «محلية أصيلة» تطورت من خلال شبكات التدريب الخاصة بها والممارسات الموسيقية المهنية. ولا تعتمد هذه الشبكات على سوق صناعة المسرح والسينما العربية العالمية، ولا على مصادقة الحكومة المصرية والتى تفضل اختيار مختلف أنواع الفنون الشعبية والإقليمية من أجل إدماجها فى فنون الفلكلور الشعبية المصرية الرسمية. وتقوم مؤسسات وزارة الثقافة مثل الهيئة العامة لقصور الثقافة بتشجيع نوعيات الفلكلور المقبولة من قِبل الدولة. وتنتشر هذه القصور فى ربوع الجمهورية بأسرها وتقوم بتعيين موظفين وفنانين يقومون بتقديم وأداء الفلكلور الغنائى والفنون الشعبية (من غناء ورقص)

7

وتمتلك مؤسسات الدولة تأثيرا كبيرا على التشكيل الثقافى للفنون الشعبية. وتمخض عن تقديمهم لأنواع الغناء، من خلال وسائل الأعلام الشاملة والتى تهيمن عليها الدولة على «تحويل الغناء الريفى إلى فلكلور»، وازدراء الأغانى الحضرية للفنانين من الطبقات الشعبية بوجه عام.

وسيقوم هذا الفصل بالتركيز على مناقشة الصراع الجماعى لفنانى شارع محمد على الدائم من أجل البقاء على قيد الحياة، والحصول على الاعتراف بفنهم وحصتهم من سوق الفن فى مدينة مجزأة مكانيا ومنفصمة طبقيا. وكيف تتضافر هذه الثقافات الحضرية المتنوعة فى هذا المكان المحدود من المدينة حيث يجد المرء «التنوع الشديد للثقافات الفرعية، وأكثر الأجهزة الثقافية إحكاما، وعددا متضاربا ومرتبطا مع بعضه البعض من أنماط وسائل الإدارة» (Hannerz 1992 173-74) ويعكس المشهد الحضرى للأداء الغنائى وتدعيمه فى حقيقة الأمر، آليات المجتمع الحضرى فى القاهرة فى سياق التمايز الاجتماعى والارتباط المكاني. وسنقوم فى هذا الفصل بتحليل الأدوار المتغيرة للمطربين الشعبيين، و«ثقافتهم» الفرعية، وعلاقتهم بباقى الأماكن العامة والقاطنين بالقاهرة؛ ونشأة صناعة أشرطة الكاسيت المزدهرة فى الثلاثين سنة الأخيرة؛ والمشاكل التى تخلقها هذه الصناعة الصغيرة الحجم فى المجال العام للثقافة الوطنية والعربية – الإقليمية.

c65dc7f1-b264-4a8d-855d-723a448e5517

وينبنى استكشاف ثقافات موسيقى الغناء الفرعية للقاهرة على البحث الميدانى الذى أقوم به منذ عام 2000 على فنانى شارع محمد علي، وترتكز على نقط احتشادهم فى المقاهي، وتقوم بتجميعهم حينما يقومون بأداء فقراتهم الفنية فى حفلات الزفاف، والخطوبة، واحتفالات الشوارع فى كل أرجاء العاصمة. وسأقوم أولا من أجل تسليط الأضواء الكاشفة على المصائر غير المؤكدة للعاملين فى حقل الموسيقى والغناء الشعبى فى القاهرة برسم خريطة لهذا المكان وجماهيره ثم بعدئذ سأقوم بشرح السيرة المهنية لفنانى «شارع محمد علي». والأمر الثاني، اننى سأضع فى الاعتبار مكان فنانى الطبقة الشعبية، وتنظيماتهم الذاتية، والترويج لأعمالهم، وهويتهم، والأداء فى المجال العام للثقافة الحضرية من أجل فهم أفضل للعلاقات بين الموسيقى المحلية الأصيلة والثقافة الرسمية داخل المشهد الحضرى لمدينة القاهرة.

وتجرى وقائع احتفالات الشوارع فى أحياء القاهرة الشعبية، فى العشوائيات (الأحياء السكنية غير الرسمية)، وأحياء القاهرة الإسلامية، والمدينة القديمة الفسطاط، وغيرها. وتشمل هذه الاحتفالات «ليلة الفنانين»، والتى يتم تنظيمها من أجل مواجهة احتياجات الفنانين المادية، وتنشيط علاقات متبادلة من الالتزام داخل حدود المهنة. وكما يتم تعزيز مثل هذه العلاقات أيضا أثناء أنواع احتفالات الشوارع الأخرى مثل حفلات الزفاف.

وتتكون الفرقة التى تعتلى المسرح من عازف الأرغن (الأورج)، وبعض عازفى آلات الإيقاع (نوعان من الطبول وهما الرق، والدف)، ومغن، وراقصة أو راقصتين. ويكون هناك فى بعض الأحيان أكورديون وبعض الطبول. ويكون هناك النبتشي، أو مدير الحفلات، أيضا على المسرح، ويكون مسئولا عن تجميع «النقوط»، وتقديم آيات المديح والثناء علنا للمانحين فى الميكرفون. ويتم احتلال جانب من الشارع فى سبيل هذا الاحتفال، وبذلك يتشكل مكان خاص لمجتمع القاطنين فى الحي. وتحدد قطعة ضخمة من أقمشة السرادق الغليظة حمراء اللون ومزخرفة بنقوش سخية حدود المكان المخصص للاحتفال، بينما يُترك ممر ضيق للمشاة، وبذلك يتم تحويل الشارع بأكمله إلى مكان للاحتفال يخدم أهدافا متناقضة – كمكان لانتهاك القانون من جانب (حيث يتم تعاطى المشروبات الكحولية، والماريجوانا، وراقصات شبه عاريات يتجولن فى الغالب)، ومن جانب آخر، حيث تتولد أنماط اجتماعية ومجتمعية عميقة.

النقطة المرجعية لشارع محمد علي

ويعتبر شارع محمد على نقطة مرجعية لطبقة الفنانين الشعبيين الذى يقومون بأداء فقراتهم الفنية فى حفلات الزفاف هذه. وكان الشارع، وحتى سنوات السبعينات مركزا لكل أولئك الفنانين، بمن فيهم أولئك الذين يقدمون فنا راقيا. وغرست بدايات القرن العشرين قلب أحياء القاهرة القديمة بنموذج مهيمن من أشكال العقلانية الحضرية الحداثية، واحدة منها لا تزال ماثلة أمام الأنظار فى تصميم كثير من شوارع وسط مدينة القاهرة وأماكنها العامة. وشملت خطط التطوير الحضرى لوسط المدينة فى منتصف القرن التاسع عشر أثناء حكم الباشا العثمانى المستقل التفكير «محمد علي» توسيع شوارع قديمة وفتح شوارع جديدة وتشييد اتجاهات مائلة جديدة، وبما يشبه مبضع الجراحة من خلال المناطق السكنية المكتظة ما بين الأزبكية والقلعة (Abu-Lughod 1971, 96).

وكان من المقرر أن يقع شارع محمد على ما بين مسجد السلطان حسن وزاوية الرفاعي، ومنطقة مقابر الأزبكية والمناصرة (Mubarak 1980 247)واستولى محمد على على الأراضي، وقام بهدم المبانى الموجودة على المقابر، ونقل الأنقاض والبقايا البشرية فى المقابر إلى مقابر أخرى (الإمام الشافعى بصفة خاصة). وعلى الرغم من ذلك، فإن المقبرتين ظلتا قيد الاستخدام حتى السنوات الأخيرة من فترة حكمه (1805 – 1848) حيث توقف العمل بالشارع لفترة من الوقت. وتم استكمال العمل بالشارع فى عام 1873 فى حقبة حكم الخديو إسماعيل (1864 – 1879). وبذلك أصبح شارع محمد على طريقا رئيسا بطول كيلو مترين ويقوم بتقسيم القاهرة الإسلامية إلى شطرين، فى إشارة منه للإصلاح، وإرادة الحاكم النافدة التى لا تلين فى اعتناق الحضرية الحديثة. ولقد كانت واحدة من أكثر أعمال الأشغال العامة ضخامة للخديو، والذى سعى جاهدا ليجعل من مدينته «باريس أخرى» عن طريق بناء منطقة جديدة لوسط المدينة، وإعادة تسمية منطقة وسط المدينة بالإسماعيلية ليقرن اسمه بالمجد. (Arnaud 1998, 173; Abu – Lughod 1971, 100-112)

2

 

وكان شارع محمد على أكثر اتساعا بكثير عن السكة الجديدة، وعلى العكس من ذلك النموذج، فقد تم تزويده بطوار متسع للمشاة، وكانت تحفها الأشجار فى بعض أجزائها، وبأروقة من المبانى فى بعض أجزائها، والتى شُيدت لتحف بها برشاقة. وكما وضعت مصابيح الغاز على طول الطريق، لتصبح مبعث فخار ومتعة للسلطان، وكان يتم تنظيف دخانها ثلاث مرات يوميا حتى تحتفظ بنظافتها المبهرة. وهكذا تحقق حلم محمد على أخيرا. (Abu-Lughod 1971, 113).

وكان الشارع محورا رئيسيا يشق وسط المدينة القديمة فى التكوينات العمرانية الجديدة، ويربط ما بين القلعة (حيث يقطن الخديو، وحكام مصر خلال الحقبة العثمانية) إلى حيث قصر عابدين (المركز العسكرى والإدارى الجديد)، والحديقة العالمية الجديدة ومناطق الترفية والتنزه فى الأزبكية.

كما أثرت الإصلاحات التى تمت فى النصف الثانى من القرن التاسع عشر فى مصر فى فنون الموسيقى والغناء والأنماط التى كانت سائدة. وكانت منصات مسارح الهواء الطلق والتى كانت منصوبة فى الحدائق الجديدة للأزبكية تُستخدم بواسطة الموسيقيين العثمانيين طوال القرن، وكانوا يستدعون بواسطة أفراد أسرة الخديو والجماعات الصوفية (Lagrange 1996,70) وكانت هناك مجموعة من نخبة الموسيقيين «موسيقيو البلاط الملكي» يرتكزون فى قصر عابدين، وكان أشهرهم الملحن والمغنى «عبده الحامولي» من طنطا. كما أن الموسيقى الأوروبية كانت ممثلة فى القاهرة، بما فى ذلك فرقة موسيقى الجيش العسكرية، وأوركسترا دار أوبرا القاهرة ، والتى اُفتتحت فى عام 1869.

واكتسبت الموسيقى المصرية استقلالها بالتدريج، وتشربت روحا مميزة تمتزج فيها الثقافات التركية، والعربية المحلية، والأوروبية. وارتحل الحامولى إلى إسطنبول برفقة بلاط الخديو واستقدم معه ابتكارات جديدة إلى مصر، وقام بمزجها فى سياق الموسيقى المحلية. كما «تأثرت الموسيقى بالتغييرات التى فرضتها الظروف الاجتماعية» (Vigreux 1991, 58)

وبحلول القرن التاسع عشر والقرن العشرين استقر الموسيقيون وورش الآلات الوترية فى شارع محمد علي. وتجمع الموسيقيون فى مقاه مختلفة وكل مجموعة فى مقهى معين حسب نوع الآلة التى يعزفون عليها ونوعية موسيقاهم. وكانت هذه المقاهى توجد فى المكان الذى يرمز إلى سلطة الخديو وتجعلهم على مقربة من المدينة الأوروبية (الإسماعيلية) ونقاط التركيز الثقافى الجديدة (دار الأوبرا، والملاهي، ومنصات مسارح الأزبكية). ولم تجعل هذا العلاقة المتميزة بين الأماكن الحضرية والممارسات الفنية عبر التاريخ من شارع محمد على رمزا للموسيقى المصرية ومركزا للفنون وبتأثيرها فى جميع أنحاء العالم العربى فحسب، ولكنها أيضا، ولفترة من الزمان، ظلت مكانا مرموقا فى وسط مدينة القاهرة.

a8dd8293-0a1a-407d-99c2-9cb4f017a6ec

مقاهى الفنانين

وكانت مقاهى الفنانين فى بداية الأمر هى مركز الالتقاء الحضرى والتى انتشرت منها الأنماط الموسيقية والمهنية لذلك العصر. وكان يتعين على الفنانين من الوجه القبلى والدلتا والذين يشقون طريقهم فى الحياة المهنية من القاهرة أن يترددوا على هذه المقاهى من أجل خلق شهرتهم وكسب اعتراف أقرانهم من الأقدمين. وتعتبر المقاهى أماكن عامة مفتوحة لجميع الرجال. وكما أوضح لى أحد العملاء المترددين، «أن شارع محمد على ليس له أبواب. وهناك مقاه ترحب بوجود أى شخص فى مقدوره تحمل قيمة كوب من الشاي». ومع ذلك، يتبقى أن يعترف به الآخرون ليبدأ حياة مهنية جديدة كفنان لحفلات الزفاف. ويجب أن يصبح الوافد الجديد زائرا مستديما للمقهى، وفردا من مجموعة بفضل مواهبه ومقدرته على التكيف مع الآخرين. ويجب على كل من النازحين من خارج القاهرة والقادمين الجدد أن ينتظموا فى الحضور إلى المقهى ومحاولة اكتساب احترام الموسيقيين القدامى، وليُسمح لهم بالاندماج فى سلك المهنة وشق طريقهم فى مختلف المسارح الفنية فى القاهرة. ويتعين على الموسيقى أن يصبح «صاحب كرسي»، وهو من يحتل مكانا ثابتا فى المقهى وبانتظام وبطريقة شرعية، وبقبول من باقى الفنانين. وكان شارع محمد على ولما يقارب قرن كامل هو بوابة العاصمة المصرية ومكان الفرص الأعظم لعمل الفنانين ذوى الطموح القادمين من القاهرة، أو من أنحاء مصر، أو حتى الدول العربية (Puig 2001).

كرسى فنان فى مقهى حلاوتهم بشارع محمد على ويشرح شاهد على تاريخ هذه المقاهى الأمر برمته قائلا:

يمكن لأى شخص أن يجلس فى هذا المقهى: وبذلك يشغل مقعدا (صاحب كرسي)، ويشغل مكانا. وبذلك يصبح شخصا له اسمه ويشار له بالبنان. وعندما أرغب فى عازف على القانون، فإننى أقول لك أريد كذا وكذا. ومثل هذا، فإذا ما كان يشغل كرسيا، فإنه ينال التوقير. ويشبه الأمر برمته الشيوخ الذين كانوا يقومون بالتدريس فى الأزهر فى الماضى والذين دائما ما كانوا يجلسون مع طلابهم وتحت نفس العمود، وكان الشيخ يُعرف حينئذ بصاحب العمود. من أفضل عازف على القانون؟ هذا الرجل. ومن أفضل عازف على العود؟ ذلك الرجل. ويشغل هؤلاء كراسيهم، وقد صنعوا أسماءهم بفضل مواهبهم وفنهم.

سعيد فى مقابلة مع المؤلف فى مقهى حلاوتهم 2000.

وعلى الرغم من كل ذلك، فقد تبدلت وظيفة الشارع منذ سنوات السبعينات. وتم تهميش الشارع فى التسلسل الهرمى الموضوعى للأماكن العامة، فضلا عن قلب مجتمع الفنانين أنفسهم. وفقد الشارع مركزه كموقع فى وسط القاهرة، وبدأ الفنانون فى إدارة حياتهم المهنية من أماكن أخرى أكثر جاذبية عنها. ولتلخيص الأمر فى مجمله، «فإن ميراث سنوات السبعينات – وهو ما يمثل نهاية هيمنة فنانى شارع محمد على وتنامى الطابع الفردى لديهم، بالإضافة إلى الركود الاقتصادى الحالى – قد أصاب صناعة الترفيه بالضعف بالعديد من الوسائل» (Van Nieuwkerk 1995, 57).

ولم يَعُد تهميش الشارع بالنفع على أى مكان آخر بوجه خاص. وتعكس المناطق الجغرافية الأقل كثافة والتنظيمات المكانية الجديدة المتميزة لصناعة الفن فى المدينة، تنوع موجات الأساليب الجمالية والفنية والتى ظهرت أيضا فى سنوات السبعينات. كما اثرت أيضا إعادة التشكيل الحضرى الممتد فى غير نظام لمدينة القاهرة والحراك الاجتماعى العنيف الذى أصاب كل درجات الأماكن العامة المخصصة للفن والفنانين فى المدينة. وصاحب هذه التغيرات الحضرية العميقة إعادة تحديد مراكز الفن وتعدد مواقع إعادة توطين الممارسات الثقافية. ويتواجد فى هذه الأيام على طول شارع محمد على حفنة من أقل مراتب الفنانين فقط للطبقات الشعبية والذين يؤدون فى حفلات الزفاف والموالد فى عدد قليل من المقاهى وورش تصنيع وبيع الآلات الموسيقية التقليدية مثل العود وآلات الإيقاع. ويمكن أن يجد المرء بعض ورش الحياكة التى تقوم بتطريز ملابس الراقصات. وتعيش بعض الراقصات فى الفنادق المحيطة بالشارع ويترقبن أية ارتباطات مسائية لحفلات الزفاف أو العمل بالملاهي.وليس من اللائق أن تنتظر الفتاة أو السيدة، حتى ولو كانت راقصة، فى المقاهى والتى لا تزال تعتبر أماكن عامة قاصرة على الرجال. ويعكس هذا المصير الذى آل إليه شارع محمد على قصة صعود وانهيار المركز الحضرى الأوروبى للقرن التاسع عشر، والذى تأسس عن طريق إسماعيل باشا، حفيد محمد علي. وقد تدهورت مكانة الشارع والأماكن المحيطة به بحلول نهاية القرن العشرين، شأنه شأن قلب وسط قاهرة «الزمن الجميل»، والتى يرتادها الآن فقط الطبقات الحضرية الشعبية أثناء احتفالاتهم ونزهاتهم. (انظر القاضى والكردانى فى هذا الكتاب للمزيد عن تراث منطقة وسط مدينة قاهرة الزمن الجميل والجهود الحالية لإعادة إحيائها)

9

 

وتحل محلات الأثاث والمفروشات وإصلاح السيارات بالتدريج بدل محلات الموسيقى، لكن لا تزال هناك سوق نشطة للموسيقى، وإن كانت تتسم بصغر الحجم. ويمكن أن يؤم المكان متعهدو حفلات الزفاف، وأصحاب الملاهي، ومديرو الفرق الموسيقية، للبحث عن موسيقيين. ويعج المكان فى الليالى المعتادة لحفلات الزفاف (وبصفة أساسية أيام الخميس والآحاد) بالحيوية والنشاط، ويضم أخلاطا جديدة ومتنوعة من الأنشطة تصحبها مشاهد الفنانين وهم يغادرون تلك المقاهى إلى حفلات فى مختلف أحياء القاهرة. وتعتبر هذه المقاهى هى قلب ما يُطلق عليه الفنانون «سوق الموسيقيين»، وهو مكان لتجمعاتهم، ومركز للحفاظ على التقاليد الفنية لحفلات الزفاف، كما هو مكان أيضا للتعاملات الاقتصادية. وكما قال المطرب «حكيم»:

لم أكسب نقودا من شارع محمد علي، ولكننى تعلمت الكثير فقط من التعامل مع الموسيقيين. وحتى اليوم، فإننى أقول إن الموسيقى الذى لم يعمل فى شارع محمد علي، ليس موسيقيا على الإطلاق، ولا يمكن أن أثق به ليقف ورائي. أى فنان لم يحاول أن يعزف فى الشوارع، ليس فنانا جيدا. شارع محمد على هو المدرسة الأساسية. وحش 2002.

وعلى الرغم من تأكيدات حكيم، فلم تُعد مقاهى الشوارع هى البوابة السحرية لمتطلبات النجاح. فبعيدا عن بعض الاستثناءات مثله، فإن الشوارع تؤدى إلى طريق مسدود بالنسبة لمهنة الفن ويبدو أنها قد فقدت كل الأجواء العالمية التى كانت تحيط بها. وكان يتلاقى فى فترات سابقة، السكان المحليون، ونخبة من الفنانين من البلاد، ومن المنطقة بأسرها فى هذه المقاهى ويتفاعلون معا، ولكن اليوم، اقتصر عملاء المقاهى على أهل البلاد، وفقد شارع محمد على طبيعته العالمية. وأصبح الشارع مركزا «للعوالم» وهو مصطلح ازدرائى يشير فى الوقت الحالى فقط إلى بعض العاملين بالفن والراقصات والذين يقومون بإحياء أفراح الشوارع. ويتم وصم الشارع، فى هذه الأيام، بأنه ينتمى إلى أحياء وسكان القاهرة الفقراء.

وقد تحولت أسواق الفنانين، والآن النقطة المحورية للمناطق الحضرية للرقص والموسيقى العربية العالمية لتنتقل عبر نهر النيل إلى الفنادق الواقعة على شاطئ النيل بالإضافة إلى الملاهى الليلية فى شارع الهرم والتى يتشكل مرتادوها فى الأغلب من المواطنين العرب القادمين من دول الخليج والمملكة العربية السعودية (Zirbel 2000, 126). (برجاء الرجوع إلى الفصل الخاص بأباظة والششتاوى فى هذا الكتاب لمعلومات أكثر عن كيفية تأثير التدفقات المالية الخليجية وأنماط الاستهلاك على القاهرة) وقد عبّر قدامى الفنانين عن مشاعر الحنين الجارف للماضى المجيد للشارع:

كان شارع محمد على ولما يزيد على ثلاثين عاما مختلفا تماما عما هو عليه الآن. لقد كان يحمل مظهر «الكرنفال». فقد كنت تجد بعض الفنانين يدخنون، ويرتدون أحذية لامعة. لقد كانوا ذوى شخصيات مُدهشة يدخلون السعادة فى قلوبهم، وكنت أحلم بأن أصبح واحدا منهم.

أحمد، فى مقابلة مع المؤلف، الدرب الأحمر 2000.

وتخدم مقاهى شارع محمد على كمواقع للمهنية الاحترافية، وللتواصل الاجتماعى للرجال والمتأصلة بعمق فى المشهد الحضري، والمناظرة للنقابات المهنية فى المهن الأخرى لتأصيل العزف الموسيقى على نمط الكرنفال فى مؤسسات عامية نظامية. ويتفاعل الرجال مع النساء فى هذه المهنة، نظرا لطبيعة الحرفة التى يمتهنونها. فيتعامل الموسيقيون مع الراقصات أو المغنيات من النساء، وهكذا فإنهم يعيدون تشكيل بعض أنماط الفصل بين الجنسين فى العلن وأماكن العمل. ويمنح الاختلاط بين الجنسين مهنتهم بأكملها وهوايتهم التى يمارسونها مسحة من السمعة بعدم الاحتشام أو الإثارة الجنسية.

مقهى حلاوتهم بشارع محمد على .

images

سيرة حياة فنان من شارع محمد علي

ويذكر «هوارد بيكر» فى ملاحظته عن فنانى الرقص: «ان العلاقة العدائية بين الفنانين والغرباء تشكل ثقافة الفنانين، كما تنتج بالمثل الحالات الطارئة الرئيسية ونقاط الأزمة فى مسيرته الفنية (1997, 102). وكما هو الحال فى شيكاغو، فإن الفنانين فى القاهرة يُظهرون إدراكا قويا بالخصوصية الجماعية والتضامن وهكذا فإنهم يشعرون أنهم جماعة لم خصائص متميزة. ويزداد الطلب عليهم للترفيه فى حفلات الزفاف والمناسبات العامة الأخرى، ولكن الناس يحملون مشاعر متناقضة تجاههم. فمن جانب، يشعرون تجاههم بالغيرة، بسبب الحرية المظنون أنهم يتمتعون بها، ومن جانب آخر، فإنهم يحتقرونهم بسبب حياة الفسوق المفترض أنهم يعيشونها، فعلى الرغم من أن أنشطتهم من الناحية الرسمية فى نطاق القانون، فإن أسلوب حياتهم شاذ إلى حد كبير وغير مألوف بالنسبة للكثيرين بحيث يتم اعتبارهم غرباء فى نظر معظم أفراد المجتمع العاديين» (Becker 1997, 79).

وتحاول معظم العائلات أن تثبط همم أبنائها من دخول معترك مهنة الفن، نظرا لغياب التقييم فى تحديد الأجور فى هذه المهنة. ويتجه معظم الموسيقيين إلى سوق الموسيقى بعد فشلهم فى الدراسة والبدء فى التسكع فى هذه المقاهي. ويتعهد أحد قدامى الفنانين، الفنان المبتدئ بالرعاية ويقوم بتعليمه المهارات المطلوبة؛ ثم يتدرب فى أثناء ساعات العمل مع متابعة أداء معلمه فى الأفراح والموالد. ولا تقوم عملية التدريب هذه بالتركيز على نظرية الموسيقى لكن يتم تدريبه بالسماع والممارسة والخبرة.

المطرب وعازف العود أحمد وهدان تلقى تدريبه فى شارع محمد على .

ويتدربون على ذخيرة هائلة من الأغانى تتدرج من الأغانى الكلاسيكية الراقية لأم كلثوم أو محمد عبد الوهاب، إلى أحدث الأغانى الشعبية الرائجة. وتعزف الموسيقى بطريقة تخالف تماما الطرق التقليدية المعتادة من أجل تقديم التحية وآيات الثناء التى يقوم «النوباتشي» (قائد الاحتفال) بتوجيهها للضيوف. ويتكرر قطع الغناء والموسيقى بانتظام، ورفع الصوت إلى أعلى مستوى، وتشغيل المؤثرات الصوتية، والارتجال المستمر لقائد الاحتفال لمراسم السهرة من أجل توجيه آيات المديح للكرم المالى للضيوف. وتعتبر هذه الأغانى مختلفة تماما عن الذكر (وهى أهازيج دينية لله فى الموالد المحلية – يمكنك الرجوع إلى الجزء الخاص بمادوف فى هذا الكتاب) ومع ذلك، فإلى جانب سرادقات الشيوخ فى احتفالات الموالد، يمكن للمرء أن يجد العديد من الأماكن الأخرى حيث يتواجد الفنانون لأداء الأغانى الشعبية (مثل المقاهي، والسرادقات، ومنصات مسارح، وغيرها)

وينعكس، تهميش هؤلاء الفنانين، وحتى السمعة المشينة التى تلتصق بهم، فى التيار الثقافى الرئيس فى كلمات اللغة العربية العامية الازدرائية التى تتم بها الإشارة إليهم مثل «المزيكاتى (موسيقى رديء التدريب، على العكس من الموسيقار أو المايسترو، أو الموسيقى الذى تلقى تدريبا مهنيا راقيا)، أو الآلاتى (جمعها آلاتية، أو الذى يعزف على آلة موسيقية، والمرادف للاحتيال والدهاء) وتأتى هذا الدلالات من سعة حيلة الفنانين الشعبيين الذين يكابدون من أجل رزقهم على الرغم من العديد من المشكلات التى يتعين عليهم مواجهتها. ويشير هذا المعنى، من منظور تاريخى أكبر، إلى التمييز الرسمى الذى يتم تطبيقه بين «الآلاتي»، والموسيقار الحديث». وقد ألقى مؤتمر القاهرة عن الموسيقى العربية والذى تم عقده فى عام 1932 الأضواء على هذا التناقض بين أعضاء معهد الموسيقى العربية، والذى تم تأسيسه فى عام 1923، وهؤلاء الآلاتية. ويشار إلى أعضاء معهد الموسيقى العربية كمصلحين، وانتقاد جهل وتخلف الممارسات الموسيقية للآلاتية المبنى على التدريب السماعي، والذى يدعون أنه تسبب فى حدوث اضطراب فى مجال الموسيقى. وعلى الرغم من كل ذلك، فإن هؤلاء الآلاتية أعضاء فى نقابة الموسيقيين والذى تأسس فى عام 1920. ويستعرض فيليب فيجرو هذا التناقض بسلسلة من المقابلات: نقابة التجار، مقابل المنتمين للمعهد؛ وعامة الناس مقابل البكوات والباشاوات والارستقراطيين؛ والهواة مقابل المهنيين المحترفين، والآلاتية مقابل الموسيقيين؛ والتقليديين مقابل الموسيقيين المُحدثين؛ ومكان للفجور مقابل مكان للفضيلة؛ والارتباط بميراث شرقى (فارسى ثم عثماني) مقابل موسيقى عربية نقية، ومن قبيل التناقض منتمية إلى طبقة حديثة (1992, 232).

وتبرز نشأة مصطلح العوالم، والذى يشير إلى الموسيقيين من الطبقة الشعبية والراقصات، إلى الازدراء الاجتماعي. وبادئ ذى بدء، فإن مصطلح عوالم، هو جمع عالمة «واسعة العلم والمعرفة». وتنبثق هذه الكلمة من مصطلح يطلق على المغنيات والراقصات واللاتى كن يؤدين فى منازل الأرستقراطيين العثمانيين (Rodinson 1975). ولأنهن كن يقمن بهذه الأدوار، فى ذلك الوقت، فى عالم منفصل يضم النساء فقط، فكن يتمتعن بسمعة فنية واجتماعية طيبة أثناء الحكم العثمانى (Ghunaym 1998, 9). وعندما قام الفرنسيون بغزو مصر فإنهم قاموا بنقل «عالمة» إلى الفرنسية «almee» ، «والتى أصبحت تعنى السيدة المغنية أو الراقصة من الشرق». وقد أشاع فولبرت مصطلح «almee» ولكنه خلط ما بين «alima» وبين الغازية (وجمعها غوازي)، وهن فنانات بارزات من السيدات يقمن بأداء رقصات خليعة أمام الرجال والقيام بالغناء بمصاحبة فرقة من الجنسين، وبذلك كن ينتهكن الأعراف السائدة بالفصل بين الجنسين.

وطبقا لما يذكره (Karin Van Nieuwkerk) «فإن أوج ازدهار العوالم كان مع بدايات القرن العشرين» (1995، 49). وكان الطلب شديدا فى ذلك الوقت على الفنانين والعوالم وذلك لأن العديد من أماكن الترفيه الجديدة قد ظهرت فى القاهرة على النمط الأوروبي، مثل حفلات المقاهى الغنائية، والملاهى الليلية، وفى نفس الوقت الذى أُتيحت فيه العديد من الفرص للموسيقى والغناء فى المناسبات الاحتفالية مثل حفلات الزفاف.

لكن فى سياق العصر الحالي، فإن كلمة عوالم تشير بطريقة مهينة للغاية إلى الفنانين والراقصات الشرقيات والذين يقومون بإحياء أفراح الشوارع (الأفراح البلدي) وعندما تقابلت مع حسن أبو السعود رئيس اتحاد الفنانين، على سبيل المثال، فقد أبدى تذمره من مقالة كنت قد كتبتها باللغة العربية «القاهرة، مدينة العوالم»، معترضا على ذلك بقوله إن ذلك يشبه تحديد هوية باريس بمنطقة «بيجال»! (وتعتبر منطقة بيجال فى باريس وكرا للمتع المحرمة – المترجم) ويتلاعب الفنانون فى شارع محمد على بمعانى الكلمات فيقولون ويربطون عوالم ليس إلى «عالمة» لكن إلى عالم (جمعها عوالم)، وتعنى العالم أو الدنيا». وتنطق كلتا الكلمتين فى اللغة العامية العربية بنفس الطريقة؛ وتحملان نفس حروف الهجاء كلا بمعنى مختلف. ولذا يدّعى الفنانون أن كلمة عوالم لا تشير إلى الوسط المريب للفنانين الشعبيين والراقصات لكن إلى العوالم (الاجتماعية) المختلفة التى يدخلونها، ويندمجون فيها، ويواجهونها عندما يقومون بأداء فقراتهم الترفيهية فى أحياء القاهرة. ولأنهم يقومون بأداء فقراتهم للعديد من الأوساط الاجتماعية المختلفة فانهم يعتبرون أنفسهم شهودا متميزين للتنوع الحضري. ويتم الاحتفاء بمقدرتهم على الأداء لمختلف فئات المشاهدين ومن كل الطبقات، من الفنانين المخضرمين فى شارع محمد علي. وتبدو براعتهم الموسيقية والغنائية، وحساسيتهم الاجتماعية – ومقدرتهم على فهم كل طبقات المشاهدين وتلبية رغباتهم فى نوعية ما يريدون الاستماع إليه – أمرا لا غنى عنه فى مهنتهم.

أنا أعمل فى كل مكان، فى الأحياء الشعبية، وفى المناطق السكنية العشوائية، وفى أحياء الفقراء، وفى المناطق السكنية المتميزة، ومع اللصوص، والنشالين، ومع البهوات، والأطباء، والمهندسين. ويجعلنى عملى قادرا على الوصول إلى كل مكان ويتعين عليّ أن أتفاعل مع كل هذه الأنماط البشرية. فإذ ما كان المستوى الاجتماعى الذى أتعامل معه من المشاهدين من الطبقة المرموقة، فإننى أرتفع إليهم ولطريقة حديثهم. وبين الطبقات الأدنى، فإننى أقوم بتكييف نفسى للتفاعل معهم …. كما أن عملى يتطلب أن أقوم بتغيير نمط الأداء الموسيقى ليتكيف مع نوعية المشاهدين. فليس من الحصافة فى شيء أن أقوم بأداء رباعيات الخيام (لأم كلثوم) أو أغنيات محمد عبد الوهاب أمام مجموعة من ذوى الأذواق الثقافية المتدنية. فلن يتذوقوا أو يستمتعوا بما أقدمه. ولذا فإننى أهبط إلى مستواهم الفني، وأقوم بتقديم بعض الهراء الفني.

2a00d10b52cc31dabfc26648bfbef3c7

مدحت، فى مقابلة مع المؤلف، الدرب الأحمر، 2002.

ويعترف خبراء الموسيقى العرقية (أو المختصون بدراسة موسيقى الشعوب) مثل مارتن سنوكس بأهمية هذه الثقافة والبراعة الموسيقية للفنانين:

ويعيش الفنانون فى الغالب فى عوالم ثقافية محلية – متنقلة بوضوح. ويرتحلون، وتتميز مهاراتهم الاجتماعية لتماثل مقدرات أولئك الناس الذين يخاطبون مجموعات متنوعة ومتفاوتة النشأة الاجتماعية، ويمكن إدراك أهميتهم فى الغالب محليا، وعلى وجه الدقة مقدرتهم على تجاوز العوائق الثقافية لذلك المجتمع (1997, 98)

ويتقاسم فنانو شارع محمد على هذه الرؤية. وبالإضافة إلى ذلك، فإنهم يعتبرون المقدرة على التحرك داخل «عوالم» مختلفة خاصية متميزة لفنانى شارع محمد علي، وهى الخاصية التى لا يتمتع بها الفنانون الآخرون الذين لا ينتمون إلى الشارع، أو أولئك الذين يتلقون تدريبا تقليديا، لأنهم ليسوا على نفس الكفاءة، كما أن التدريب الأكاديمى الذى تلقوه يجعلهم يحجمون عن الارتجال والتكيف مع نوعية المشاهدين. وحتى ولو كان بعضهم يكون قد تلقى نوعا من التدريب الأكاديمى فى معهد (وبصفة خاصة معهد الموسيقى العربية) فإن فنانى شارع محمد على لا يعتبرون أنفسهم «أكاديميين». وهذه الكلمة تعني، فى السياق المصرى الدوائر الرسمية القانونية للتدريب الموسيقي، والاشتراك والتدريب فى معاهد الدولة الموسيقية (مثل أوركسترا دار الأوبرا بالقاهرة).ويعتبر الفنانون الشعبيون هم أولئك الذين يجعلون أنفسهم فى قلب العامة من الشعب فى الأعياد، وحفلات الزفاف، واحتفالات الموالد، بينما يستوجب على العامة أن يتركوا عالمهم الذين يعيشون فيه واللجوء إلى أماكن عامة أكثر رسمية وخصوصية، واختيار أنماط جديدة من السلوك حتى يستمع إلى أولئك الفنانين الأكاديميين.

لقد ذهبت إلى الكثير من الأماكن، فأنا «صاحب كرسي» فى شارع محمد علي. وهناك فنانون يقدمون فنونهم داخل حدود الأحياء التى يعيشون فيها، ولكنهم لم يغادروا ذلك الحي. وهم ليسوا بفنانين أو موسيقيين رفيعى المستوى. فليس فى مقدورهم الاشتراك فى حفل يقام فى فندق شيراتون، أو فى أسوان، أو فى احتفال بمولد، أو فى أى مكان خارج نطاق الحى الذى يعيشون فيه. هم قادرون فقط على الأداء فى حفلة زفاف تقام فى شارع من شوارع الأحياء التى يقطنون فيها. لأنهم يعرفون فقط ما يحبه قاطنو الحى. ولكن أولئك الفنانين المنتمين إلى شارع محمد علي، هؤلاء المنتمين إلى مقاهى الشارع، دائما ما يكونون على أهبة الاستعداد وهم يغادرون منازلهم فى الصباح، إلى أن يذهبوا إلى الإسكندرية أو أسوان، أو الإسماعيلية، أو الأقصر، أو إلى احتفال من احتفالات الموالد، أو استعراض للعرائس المتحركة، أو حفلة عيد ميلاد. فهو جاهز لكل الاحتمالات والتوقعات والأداء فى كل منها.

أحمد، فى مقابلة مع المؤلف، الدرب الأحمر، 2002.

لكن، لا يزال فنانو حفلات الزفاف والذين يشاركون فى مواكب الزفاف يعتبرون مهنيين من مرتبة أدنى درجة عن باقى الفنانين فى مصر والقليل منهم هم الأعضاء فى نقابة الموسيقيين، وبصفة خاصة أولئك الذين يشاركون فى الحفلات التى تقام فى أحيائهم فقط. ولذا يتبنى فنانو شارع محمد على سياسات مهنية من أجل زيادة شهرتهم وتمييز أنفسهم حتى عن أولئك الذين يقبعون فى أدنى درجات المهارة المهنية. وتمثل سمعة المرء فى الأحياء المكتظة بالسكان، أهمية خاصة فى سلطته المعنوية وحتى فى وضعه الاقتصادي، ولذا فإن الفنانين وعن حق يهتمون بالحفاظ على سمعتهم (Puig 2003).3 وأفضى طبّال إلى المؤلف، على سبيل المثال «كيف يمكن لابنى أن يعلن فى المدرسة أن والده عازف على الرق فى شارع محمد علي؟ لن يحدث ذلك؛ فذلك أمر شائن» محمود، فى مقابلة مع المؤلف، الدرب الأحمر، 2002). وربما يقول البعض ان حياة مهنية فى شارع محمد على تتناقض مع الحياة العائلية، وان بعض الفنانين يهجرون مهنتهم فى شارع محمد على عندما يشرعون فى تكوين أسرة إذا ما كانت لديهم مهنة أخرى. أما الآخرين، فيحاولون تجنب العمل فى الأحياء التى يسكنون فيها ببساطة، خشية الإقلال من وضعهم الاجتماعي.

وهناك، على الرغم من ذلك، القليل من قصص النجاح لأولئك الفنانين الذين يعملون بانتظام فى أماكن مرموقة كحفلات رمضان الموسيقية أو الحفلات التى تقيمها السفارات. فإذا ما استطاع الفنان أن يهرب من حفلات الزفاف التى تقام فى الشوارع، فإنه يبذل ما فى وسعه على ألا يعود إليها مجددا لأنها تنال من مكانته. ويبذل كل فرد منهم جهده للحفاظ على هيبته (البرستيج) ويخطط لنفسه على أن يكون متميزا عن أقرانه وإثبات كفاءته المتفردة. وقد بدأ أحمد عدوية حياته المهنية، شأنه شأن العديد من المطربين الآخرين، كمطرب للمواويل من شارع محمد علي. ويرتبط هؤلاء المطربون ارتباطا وثيقا بأوساط الفنانين فى شارع محمد علي. وبتجاوز الفترة التى يكون فيها اسما مغمورا، ويوضع اسمه على شرائط الكاسيت، فينال قدرا من الشهرة فى عالم حفلات الزفاف، ثم يصبح نجم شباك (مؤثرا على شباك التذاكر). فإذا ما انهالت عليه العروض بما يكفي، فإنه يقوم بتوظيف مدير أعمال، ثم يتخذ لنفسه مكتبا فاخرا، فى حى أفضل من شارع محمد علي، من أجل المزيد من الترويج لأعماله. وتختلف «سوق الموسيقيين» التى تضم الفنانين المجهولين الذين ينتظرون أى ارتباط بالعمل كلية عن سوق الفنانين الأكثر شهرة والذين لهم عملاءهم المعروفون. ويمكن أن يحقق القليل من الموسيقيين والمطربين نجاحا ماديا ملحوظا إلا إذا قام بإنتاج أعمال ذات شهرة طاغية من شرائط الكاسيت للأغانى الشعبية الرخيصة والتى يتم إنتاجها محليا ويحققوا قفزة مهنية تمكنهم من الارتباط بأماكن أكثر وجاهة فى سوق الفن.

ويعتبر المطرب ذو الشعبية الطاغية «حكيم» خير مثال لهذا الطريق بفضل مقدرته على الابتعاد عن دائرة ما يسمى بـ «أغانى الميكروباص» ويطلق عليها هذا المسمى لأن شرائط الكاسيت الرخيصة ذات الميزانيات الضعيفة يتم تشغيلها فى سيارات الميكروباص التى تعمل فى نقل الركاب بين الأحياء) ويرجع النجاح الذى حققه حكيم إلى مقدرته على مزج المشاعر الرومانسية بالأغانى الشعبية التقليدية وتقديم «مواويل جديدة» كشكل جديد ومحكم من الأغانى الشعبية المرتجلة وبالذات فى حفلات الزفاف (ويطلق عليها بالخطأ أغان شعبية فى عالم الغناء: The Rough Guide “Lodge 1994” and in the dictionnaire thematique des musiques du monde “Bours 2002”). وتبعا لما يذكره مايكل فريشكوف: «هذا النمط الاستجابة الغنائية للتحول المتسارع للمدن إلى أشباه القرى: لأذواق عديمى الثقافة، ويتوجه إلى قاطنى الأحياء الشعبية. وقام بعض المطربين من أمثال أحمد عدوية، وحسن الأسمر، وعبده الإسكندرانى بتطوير تراث المواويل الأكثر قِدما، والزجل (نوع من الغناء الفلكلوري)، وأغانى الزفاف غير المحتشمة، وذلك عن طريق تطوير التوزيع الموسيقى وتوجيهها لتخاطب الحياة الحضرية دون طمس الروح الفلكلورية الكامنة فيها، والارتجال، والتفاعل المرن مع المستمعين» (2002, 10). ويقوم حكيم الآن فى مصر بالغناء فى مواكب الزفاف بفنادق النجوم الخمس الفاخرة، كما يظهر فى التليفزيون فى حفلات غنائية كبيرة ومع نجوم عالميين من أمثال الإنجليزى الشهير ستينج. وتُعد شرائط الكاسيت الشعبية التى تنتمى إلى «المواويل الجديدة» ناجحة تجاريا حتى ولو قُدمت فى البداية فى حفلات الشوارع، وحفلات الزفاف، واحتفالات الموالد (Puig and Belleface 2003). وقد أدت هذه الزيادة الطاغية فى شعبية شرائط الكاسيت فى الثلاثين عاما الأخيرة ، فى مصر مثلها فى ذلك مثل الهند، إلى ظهور ثقافة كاسيت شعبية بديلة تتسم بالضخامة» (Manuel 1993).

timthumb

وكان شارع محمد على ولحقبة طويلة من الزمان مكانا لتجمع مشاهير الفنانين. ويجاهد هؤلاء المتواجدون فى شارع محمد على فى الوقت الراهن الانتفاع من ماضيهم الذى يتوقون إليه من أجل تطوير هيبة مهنتهم العريقة. لكن طبقا لما يقوله هؤلاء الفنانون «فإن المصريين يعشقون الفنان ويبغضون الفنانين» (أحمد, الدرب الأحمر, 2000). وتُذكرنا هذه الكلمات بتعليق دوايت رينولدز عن الأغانى الملحمية الطويلة لدلتا نهر النيل المصرية: «شكل فنى محترم يتم تقديمه عن طريق فنانين غير محترمين» (1989). وعلى الرغم من ذلك، ربما اندمجت تقاليد الملاحم الغنائية الطويلة مع الثقافة الرسمية بطريقة أفضل بكثير نتيجة لتحول الغناء الريفى إلى الفلكلور أكثر من الغناء الحضرى الشعبي. وربما تتغير فى حقيقة الأمر العلاقة ما بين عالم الفن والمجال العام للثقافة فى مصر باستمرار.

المجال العام للثقافة والغناء الشعبى غير الشرعي

تعتمد أوضاع الفنانين فى عالم الفن على نوع الغناء أو الفن الذى يقومون بتقديمه. ويؤجج الإحساس العام، بالإضافة إلى القبول والتسامح إزاء هذه الأنواع من وسائل الإعلام وأجهزة الدولة الثقافية، النقاش داخل المجتمع الحضرى المعاصر. ويمكن إدراك ذلك للوهلة الأولى من الانقسام والتشرذم الموجود بين الفئات والفصائل الاجتماعية المختلفة داخل عالم الفن المصري. وكان هناك تنوع نسبى فى المجال الفنى للغناء فى مصر الحديثة فى الثلاثين عاما الأخيرة. ويهيمن على الإنتاج الغنائى فى عالم اليوم تياران أساسيان: أغنيات مُبتذلة، وعاطفية، وهى تشمل أغان شعبية مُنتجة فى الاستوديو، وأغانى حضرية للطبقات الشعبية «المواويل الجديدة». ويضم التيار الأول مجموعة واسعة من الأغانى الشعبية، وأغانى الرقص الرائجة إلى القصص الغنائية، والتى يتم سماعها فى الإذاعة المصرية ويتغنى بها نجوم من أمثال عمرو دياب، ومصطفى قمر، وإيهاب توفيق، وهانى شاكر. وحظرت أغانى المواويل الجديدة من البث بدعوى سوقيتها، وتجد شهرة طاغية فى هذه الأيام من خلال نجمها الصاعد، والذائع الصيت شعبان عبد الرحيم. وتُقْدِم الأغانى العاطفية الشعبية المصرية الموجهة خصيصا لجمهور عريض فى العالم العربي، على القليل من المجازفة فيما يخص أصالتها، وكلمات أغانيها، أو موسيقاها. ويعمد الملحنون إلى المزج بين النغمات الشرقية الأساسية والإيقاعات الخفيفة المستقاة من العديد من المصادر مثل أنماط الألحان الشرقية المبسطة، والاسبانية أو اللاتينية التى تستند إلى السلم الخماسي، والتراث النوبي، ضمن اقتباسات أخرى (Frishkopf 2002) . ويتجه تسويق الأغانى الشعبية المصرية بصفة أساسية إلى دول الخليج والشرق، وعلى العكس تماما من مطربى شمال إفريقيا مثل الشاب ميمي، والشاب خالد، اللذين يتم تسويق أعمالهما فى أوروبا.

وتقوم صناعة الفن للمنطقة العربية والتى تتركز فى القاهرة، ببث الأغانى الشعبية من خلال القنوات الفضائية المملوكة للدولة والخاصة وتدور حول طرح منتجاتها فى الأسواق وإعادة بث كل أغانى الفيديو المهمة والحديثة (برجاء الرجوع للجزء الخاص بصادق فى هذا الكتاب من أجل مناقشة أوسع عن العلاقة بين صناعة الفن فى القاهرة والمنطقة الجغرافية الأكبر فى الشرق الأوسط المحيطة بها) وقد طورت فى نفس الوقت أغانى الشارع وأشكال المواويل الجديدة للطبقات الشعبية شبكاتها ووسائل توزيعها الخاصة. ووجد نمط الموال الجديد ضالته فى السوق الرائجة لشرائط الكاسيت الزهيد الثمن ليصل إلى جمهوره، ويتم الاستماع إليه فى الأماكن العامة غير المؤسسية مثل سيارات الميكروباص، والأكشاك، وفى مجموعة كبيرة من حفلات الشوارع، وذلك بعد أن اُعتبرت غير شرعية من قِبل الأوصياء على الثقافة النمطية. وعلى الرغم من أن هذا النمط من الغناء لا ينال أى دعم رسمي، فإن ذلك لا يعنى أنه يفتقر إلى اهتمام وسائل الإعلام – وعلى الرغم من أن هذا الاهتمام يميل إلى الرفض بدرجة كبيرة حيث ان الكثير من وسائل الأعلام تتبنى مواقف عدائية إزاء هذه الأنواع الغنائية وتشن أعنف الهجمات ضدها، وبصفة خاصة لاعتبارات ثقافية. وتركيزا على الشرعية الاجتماعية للغناء الشعبي، وعكست هذه المجادلات الهجومية التوترات السائدة بين طبقات هياكل المجتمع الحضرى القوية. وربما كان شعبان عبد الرحيم والذى حقق نجاحا مذهلا فى سنوات قليلة هو الأكثر تمثيلا من المطربين لهذا التيار الغنائي. وقد باع مليونا ونصف المليون من شرائط الكاسيت فى عام 2000، وبما يساوى مبيعات المطرب عمرو دياب وهو من أكبر النجوم المصريين قبولا فى مجال الغناء الشعبي.

أحمد عدوية مطرب المواويل الجديدة والذى بدأ مسيرة حياته فى شارع محمد علي

(تصوير نيكولاس بيوج من غطاء شريط كاسيت)

slide_278655_2060398_free

أحمد عدوية وشعبان عبد الرحيم

وينتمى شعبان عبد الرحيم إلى صميم مطربى الفن الشعبى فى الحضر، مثل أحمد عدوية، على سبيل المثال، والذى كان أول مطرب يحقق نجاحا فى مثل هذا النوع من الغناء. وقد تمرس كلاهما الغناء قبل ما يقرب من عشرين أو ثلاثين عاما قبلها فى حفلات الزفاف التى تقام فى الشوارع واحتفالات الموالد. وقد جاء معظمهم من شارع محمد على ومثّل بذلك نموذجا ناجحا للآخرين ليقتدوا به. ولم يقم أى منهما بدراسة الموسيقى أو فن الغناء دراسة علمية كما ذكر احمد عدوية فى معرض حديث له مع جريدة الأهرام ويكلى الأسبوعية، «لقد كانت خبرة الغناء فى احتفالات الموالد والسرادقات هى التى قامت بتشكيل حياتى المهنية بأسرها فى مجال الفن. وقد أهلتنى موهبتى الخاصة، بالإضافة إلى أسلوب حياتى على ذلك النمط إلى ما يعادل دكتوراة الفلسفة فى مجال الغناء. لم أدرس الغناء أو الموسيقى على الإطلاق، إلا من خلال المشاعر، والاستماع إليها، والحياة الشاقة التى عشتها» (الكاشف 2001). وتعد الحياة الشاقة مصدر قوة للمطربين الشعبيين. وقد اعتاد شعبان عبد الرحيم العمل فى كى الملابس فى محل للتنظيف. وأخبرنى أحد المعجبين به فى مقهى حلاوتهم بشارع محمد علي: «بأنه يجسد مصدر فخر للمكوجي». ويمكن أن تتطابق هوية العمال غير المهرة، والحرفيين، والعاطلين من الشباب والفتيات مع كلمات أغانيه. ويسرد فى أغانيه صورا نابضة بالحياة للحياة اليومية فى الأحياء الشعبية، أو الكارثة الجديدة لتحطم طائرة مصرية، أو مشكلة الإسكان، أو لمأساة الحرب فى العراق. وتعد أغانيه توجها صريحا لمدارك الطبقات الدنيا، فضلا عن الإحساس بالمكان، والمتأًًصل جذورها فى أعماق الوعى لدى السكان. ويذكر دائما فى حقيقة الأمر، وكما هو الحال بالنسبة للمطربين فى هذا المجال، أماكن رائدة فى أحياء القاهرة الشعبية. وعلى الرغم من أنه يعكس معانى مشتركة يقوم بتقديمها فى بعض المجالات، فإن شعبان عبد الرحيم لا يلقى قبولا لدى النخبة المثقفة. وتعتبر أغانيه بالنسبة للمتخصصين، أو للمنتقصين من قدره، بلا معنى، طبقا لما يقوله الصحفى محمد الأسيوطي: «إن شعبان عبد الرحيم بالنسبة للثقافة الشعبية المصرية …. هى تجربة لذوق هابط» (2001). ولا يكترث النقاد فى وسائل الأعلام على الإطلاق لسكان الأحياء الفقيرة كما انهم غير واعين للسخرية الاجتماعية الكامنة فى كلمات أغانيه. وقد تساءلت سكينة فؤاد، وهى صحفية بجريدة الأهرام قائلة: «كيف يمكن أن نقوم ببناء ثقافة فى مصر فى ظل وجود أمثال شعبان عبد الرحيم؟!»، وطالبت بالتدخل الرسمى للمسئولين «لوضع حد لهذا الهراء» (مرسى 2001)

ويملأ شعبان مواويله بالكثير من المضامين الاجتماعية والسياسية. ويغلف كلمات أغانيه بطبقات من النغمات المتآلفة والألحان على البيانو الكهربائى – وهو الآلة المتميزة لموسيقى حفلات الزفاف، والذى حل شيئا فشيئا محل الأوكرديون فى سنوات السبعينات. ويشبه محتوى أغانيه شكل نوعية أغنيات احتجاج وطنية ظهرت فى سنوات السبعينات. ومع ذلك، فإن ذلك المحتوى لا يتعرض بأى انتقاد للدول العربية، لأنها تحوى فقط شجبا لإسرائيل، ودعما للقادة العرب (على سبيل المثال كلماته التى تقول: «بكره إسرائيل وشيمون وأريل شارون وبأحب عمرو موسى، وشيمون هو شيمون بيريز، وعمرو موسى هو وزير الخارجية الأسبق لمصر والأمين العام لجامعة الدول العربية) وتحتفظ أغانيه بروح الاحتجاج العربية حية فى النفوس ولكنها لا تتحدى الدولة المصرية بطريقة مباشرة، لكن ربما بالتهكم الضمني. وحتى ذلك الحد لم يكن هناك أى حظر على شرائط شعبان عبد الرحيم، وعلى الرغم من حظر أغان أخرى له فى أوائل سنوات التسعينات. وفى أغنيته «كذاب يا جريشة»! فقد امتدح وتهكم بازدراء على عالم التضامن الاجتماعى بين الفنانين، المليء بالعمال اليدويين (عمال دهان السيارات ، والحلاقين، والنقاشين). وقيل على لسان مطرب فى هذه الأغنية (والذى أُشير إليه كعامل يدوي) انه اشتكى للرقيب حمدى سرور، والذى قام بحظر أغانى شعبان (الأسيوطى 2001). ولم يكن من المستغرب أن تقوم الحكومة بحظر أغانيه. فعلى سبيل المثال، فإن أشعار أحمد فؤاد نجم انتقدت موضوعات سياسية، واجتماعية، وثقافية مثيرة للجدل فى سنوات السبعينات والثمانينات، ووصلت آراءه إلى قطاع عريض من الجماهير عندما تغنى بها الشيخ إمام ذو الشعبية الطاغية والذى كان ينظر إليه بإجلال كبير، وقام بتسجيل هذه الأشعار بصوته على الرغم من الحظر الرسمى الذى كان مفروضا على هذه الأشعار.

من الأغنية الحضرية إلى المجتمع الشعبي

وتطورت الأغنية الحضرية المعاصرة مع النمو الذى طرأ على المدينة. وقد واكبت التحول الحضرى كما هو الحال أيضا فى المدن الأخرى فى العالم: «وهكذا فإن ظهور الأغنية الشعبية يعتبر انعكاسا ونتاجا لظهور مجتمعات حضرية جديدة مترامية الأطراف والتى كانت بالكاد متواجدة منذ قرن مضى» (Manuel 1988, 16). وقد ارتبطت هذه الأغنيات بشدة بهذه الأحياء كما رأينا فى استعادتنا لتاريخ تمركز الفن مثل شارع محمد على على إعدادات الشوارع الحضرية لحفلات زفاف الطبقات الشعبية. وكان الأمر كذلك فى القاهرة، كما هو الحال فى الهند وفى العديد من الثقافات حول أرجاء العالم:

واحدة من السمات البارزة لظهور وتطور الأغنية الشعبية هى ارتباطه ….. بطبقة معزولة، ومحرومة من حقوق المواطنين المعتادة، ومُهمشة …. وهم يتقاسمون وضعا مشتركا فى أو خارج محيط مستقر، ومجتمع «محترم» – للطبقات العاملة والمتوسطة المندمجة اقتصاديا واجتماعيا. Manuel 1988, 18.

وقد عمقت النُخب الثقافية والآخرين الذين كان ينتقدون ويرثون لنوع الأغنية الشعبية الحضرية، بناء على ذلك، وفى الكثير من الجوانب، الوصمة التى لحقت بهؤلاء الذين يستمتعون ويدعمون هذا النوع من الغناء: وهم سكان أحياء الطبقات الدنيا المترامية الأطراف، وعلى وجه الخصوص، تلك العشوائيات. وبعبارة أخرى، فإنه لا الأغانى المفضلة لسكان تلك المناطق، ولا حتى السكان أنفسهم – يعتبرون شرعيين فى عيون الطبقة المتوسطة والطبقة العليا من سكان القاهرة. وقد ذكر والتر أرمبريست أن أصدقاءه المصريين «دائما ما كانوا يستحسنون «العتبة» كمكان لشراء المستلزمات بأسعار زهيدة (وهى تقع بالقرب من شارع محمد علي) ولكن وسائل الإعلام غالبا ما تشير إلى هذا المكان كبقعة شاذة تُعرض فيه البضائع المسروقة وتتفشى فيه الأذواق الرديئة» (2001, 2). وعلى نفس المنوال، يتكلم شعبان عبد الرحيم فى إحدى أغانيه وهى بعنوان «حبطل السجاير»، عن وكالة البلح، وهى منطقة سوق شعبية للملابس تقع بعد منطقة العتبة، وغالبا ما تذكر فى وسائل الأعلام مقرونة بالأذواق الرديئة.

وقد استتبع استهجان هذه الموسيقى إلى زيادة هائلة فى شرائط الكاسيت الزهيدة الثمن فى سنوات السبعينات. ويذكر أرمبريست أن أحمد عدوية «غالبا ما يقابل بالاستهزاء من قِبل وسائل الأعلام الرسمية وتوصف أغانيه بأنها مبتذلة ولا طائل من وراءها» (2001، 2). وبالإضافة إلى ذلك، فعندما كانت تتم دعوة شعبان عبد الرحيم للتليفزيون فى شهر رمضان عام 2001، فإن المفكرين والسياسيين قد اجتمعوا فى لجنة الإعلام فى مجلس الشعب وقرروا بالإجماع إدانة ظهوره المتكرر فى البرامج ذات الشعبية والرائجة خلال شهر رمضان، وأوضحوا أنه سيكون ذا تأثير سيء على شباب مصر. وقد ذكر عبد السلام عبد الغفار، رئيس لجنة الإعلام، فى معرض حديثه للصحفى محمد مرسي، أن شعبان عبد الرحيم لا يمثل أى قيمة فنية أو ثقافية (مرسى 2001). وفى نفس المقالة، قال نجيب سرور رقيب وسائل الإعلام المرئية فى معرض تبريره لحظر أغانى شعبان عبد الرحيم «من أجل الحفاظ على الذوق العام والفن الراقي»، ولكنه أضاف قائلا انه على الجانب الآخر لا يملك أى سلطة على برامج التليفزيون التى يتم عرضها من أجل حظر ظهوره فى هذه البرامج.

ووجدنا فى مناقشة بشأن الشرعية الثقافية للأغنية الشعبية أن بعض النجوم المشاهير من أمثال عادل إمام يدعمون شعبان عبد الرحيم. وتعتبر السينما المصرية فى الأساس صناعة رائجة ويُعد عادل إمام أحد رموزها البارزة. وبالإضافة إلى ذلك، فإن شعبان عبد الرحيم قد ظهر فى بعض الأدوار على شاشات السينما، مثل الفيلم الاجتماعى الساخر «مواطن ومخبر وحرامي»، والذى لعب فيه دور اللص الذى يجمع بين عملين، ويعمل أيضا كمطرب فى حفلات الزفاف فى أحياء القاهرة الشعبية.

ومع ذلك، فإن الثقافة السائدة، هى أن المطربين الشعبيين يعتبرون متخلفين عن رَكب الحضارة أو تقليديين، أو فى حقيقة الأمر كنقيض للحداثة. كما توجه سهام النقد ومن نفس هذه النوعية من الانتقادات، إلى أولئك الناس الذين يحبون أغانيهم: وهم الطبقات الشعبية، أو الشعب. ويمثل ملصق كاريكاتيرى كبير لوزارة الثقافة عليه عبارة «مائة عام من التنوير»، وصورة كاريكاتيرية لثلاثة وعشرين فنانا ومفكرا متنوعين، ومعهم القليل ممن يرمزون إلى الناس: وهؤلاء هم الرموز المعترف بهم للحداثة المصرية الجديرين بالثقة، والقائمة القصيرة للأبطال المصريين والذين يجب أن يكونوا مألوفين لكل المصريين من خلال نظامهم التعليمي (Armbrust, 2001, 192)

 

maxresdefault

وطبقا لما يذكره نفس المؤلف، فإنه تم تصوير الحداثة فى ملصق «يحمل معنى مثاليا للوطنيين المصريين الذين يحاولون وضع الدعامة الأيديولوجية لدولة يمكنها أن تنافس أوروبا ودون أن يكونوا أوروبيين» (2001، 194) وفى هذا المشروع القومى والمرتبط بالترويج لتقدم منظم وعقلاني، فإن الثقافة الحضرية الشعبية تحط من قيمتها ويساء إليها. ورسالاتها يتم فصلها بعيدا جدا عن « تطور الرؤية الحداثية المتواصلة» (Armbrust, 2001, 194) ويوجه نفس الانتقاد للطبقات الدنيا والتى تدان بأنها لا تخضع إلى الانتقال السلس، والمتناغم، والنموذج المثالى المُقَنع لنظام الحداثة للمناطق الحضرية. وتبدو هذه الرؤية الحديثة لنظام المناطق الحضرية وكأنها لم تُطبق على أرض الواقع. وعلى النقيض من ذلك، فإن الارتياد الاحتفالى المنتظم للطبقات الشعبية لشوارع وسط مدينة القاهرة فى أمسيات شهر رمضان لا تتوافق مع النظام الحضرى الحديث والذى ينشد محافظ القاهرة تدعيمه فى قلب المدينة. ويعود هذا النظام إلى مفهوم المدينة الرأسمالية كنظام للانتشار الحر، والسلس، يماثل مدينة باريس فى القرن التاسع عشر. ويبذل المسئولون فى مدينة القاهرة جهودا حثيثة من أجل أن تصبح مدينة حديثة، وتنظيم حركة المرور الفوضوية، وحظر إقامة أكشاك بيع السلع والتى تتعدى على الطرق العامة، والتجمعات العامة، والمساومات التى لا تنتهى فى الأسواق. وهناك قصيدة «حاتجن» المعروفة لشاعر العامية الشهير بيرم التونسى فى القرن العشرين، ويصف فيها بطريقة ساخرة ولكنها مؤثرة «السلوكيات المعيبة» فى القاهرة مقارنة «السلوكيات المتحضرة فى لندن وباريس.ولا يزال المسئولون فى القاهرة يلقون باللائمة على سكان القاهرة على نهجهم الفوضوى فى استخدام الأماكن العامة. وبالعكس، فإن الأغانى الشعبية التى على غرار أغانى شعبان عبد الرحيم تطالب بتواجد من أجل مجتمع شعبى حضرى ليس فقط فى الأماكن العامة للتواصل لكن أيضا فى المجالات العامة لحركة المرور، حيث يتم تشغيل أغانيه بأصوات عالية فى سيارات الميكروباص والأكشاك المقامة على جوانب الطرق.وتكتظ شوارع وسط المدينة فى المعتاد بالطبقات الشعبية من سكان القاهرة، وبصفة خاصة عندما يتجولون متمهلين فى شوارعها للتسوق عندما تظل أبواب المحلات مفتوحة حتى ساعات متأخرة من الليل فى شهر رمضان. لكن، تعتبر الطبقات المتوسطة والعالية هذه الحشود سوقية، مثلها مثل أغانيها، بل تمثل لها إلى حد ما نوعا من التهديد، ولذا فقد تراجعوا إلى أماكن أخرى يرونها أكثر أمانا وحماية مثل المراكز التجارية للتسوق، والنوادي، والتجمعات العمرانية ذات الأسوار المغلقة والتى تحتوى على وسائل الترفيه لهم ولعائلاتهم. (انظر الجزء الخاص بأباظة، وديكونينج، والششتاوي، ودينيس فى هذا الكتاب للمزيد عن هذه المنشآت الجديدة والتى تمثل النزعات الاستهلاكية لهذه الطبقة العليا – والمتوسطة) وتعكس هذه المبارزة فى المجال العام حول الأغاني، بالإضافة إلى استخدام الأماكن العامة، التوتر القائم بين الصيغة الرسمية، والذاتية المنشأ للثقافة المصرية.

خاتمة

وكشف لى مدحت أثناء مقابلة لى معه، وهو عازف على الأرغن الكهربائى فى حفلات زفاف الشوارع، أنه يقوم بأداء وتقديم «موسيقى الشعب» مثلما فعل أحمد عدوية. ويقول ان هذا النوع من الغناء هو نوع مختلف من الأغانى التى تُقدم فى هذه الأيام. «حيث تتضمن الأغانى الشعبية الجديدة التى تقدم فى هذه الأيام كلمات لا معنى لها وفقيرة فى موسيقاها». وعلى نفس المنوال، يميز حسن أبو السعود، وهو ملحن للعديد من أغانى أحمد عدوية الناجحة فى سنوات السبعينات وهو الآن رئيس نقابة الموسيقيين، النمط الموسيقى الخاص به، والذى يطلق عليه الأغنية الشعبية المصرية عن الموال، أو الأغنية الشعبية الحقيقية، بينما لا تبالى وسائل الاعلام المحلية الجماهيرية بمثل هذه الفروق الدقيقة (فى مقابلة معه فى نقابة الموسيقيين، 2004). ويمضى مطربو حفلات الزفاف فى سعيهم الدءوب بحثا عن الشرعية الاجتماعية والتوقير، وبين التيارات الغنائية، ويفصلون ما بين النوع القديم من الأغنية الشعبية عن نوعية الأغانى الجديدة لشعبان عبد الرحيم، وبالتالي، يعيدون تحديد الأنماط الغنائية وحدود كل منها من أجل بناء إستراتيجيات من الشرعية فى عالم الغناء الذى يرزح تحت ضغوط محاولة الحصول على صكوك الشرعية من الجهات الرسمية. ويظل الموضوع الذى على المحك بالنسبة لهؤلاء المطربين هو كيفية تحويل المهارات المكتسبة فى عالم اجتماعى خارج عن المألوف (حفلات زفاف الشوارع، والموالد، أو سوق شرائط الكاسيت الشعبية) من أجل الوصول إلى الموارد وجماهير العامة من «العوالم» الأخرى للقاهرة. ويبحث المطربون فى الثقافة الشعبية والذين لديهم أهداف وإستراتيجيات مختلفة، عن الاعتراف عن طريق التكامل والاندماج بمشاركاتهم ومداركهم مع الأنماط الرسمية والشرعية.

1434973909_92_3

كتب عالم الاجتماع الفرنسى آلان باتجي، متتبعا تحليل هارنيز عن الثقافة، عن بما أسماه «الثقافات الصغرى» أو الثقافات الخاصة بإقليم معين، والذى يقترب من مفهومى عن الثقافات الذاتية: «وعلى العكس من الثقافات الرسمية، فإنه يتم دائما تشييدها وتدميرها، وحتى إذا ما قُدر لبعضها أن تستمر لفترة طويلة نسبيا، فإنها تكون دائما مُعرضة لخطر التبدد والتلاشي» (2000, 246). وتتعرض الطبقات الشعبية، والأغنية المصرية لعامية الشارع، لمثل هذا الخطر من التبدد والتلاشي، وبصفة خاصة لأنها تعتمد بصفة أساسية على شرائط الكاسيت وخشبة منصات حفلات الأفراح كوسيلة بث لها. ويتبرأ المثقفون كما تتبرأ مؤسسات الدولة الثقافية من هذه الأغاني، وتعكس هذه الوصمة عملية تشويه السمعة بما تصفه بالسلوكيات «المتخلفة» للطبقات الشعبية المصرية وللأحياء الشعبية نفسها. ولا تثق الدولة الرسمية ولا المؤسسات الثقافية للدولة بهذه الطبقات ولا ترغب فى مشاركة المجال العام معها. فهى تخشى التأثيرات السياسية المحتملة لهذه الأغاني، على الرغم من الولاء السياسى المفترض لهؤلاء المطربين مثل شعبان عبد الرحيم. وهم لا يعيرون انتباها فى حقيقة الأمر لكلمات الأغنية لكن للطريقة التى تدعم شعبيته الوجود الثقافى للجماهير الحضرية فى المجال العام. وتعمل الثقافة من هذا المنظور «لاستثمار النواحى الجمالية مع الأخلاقيات» (Constant-Martin 2000, 179). وبعبارة أخرى، يمكن أن تعبر الأغنية بالرموز عن الطموحات الكامنة للرغبة فى الاعتراف الاجتماعى من خلال التعبير الثقافي. ويمكن أن نستمع إلى نفس هذه الآمال الطموحة فى الكثير من المناطق السكنية الفقيرة أو العشوائية، حيث يقول الناس عادة فى نقد لسياسة الحكومة والنموذج الاقتصادى السائد والمفهوم ضمنا: «عايزين نعيش بكرامة». وفى رحلة البحث عن الكرامة، والمتعة والمهرجانات الاحتفالية، فإن «عوالم» القاهرة سيواصلن رحلات العبور بين «عوالم» القاهرة المتباينة والاشتراك فى التعبير عنها جميعا.

 

_______________________________________

** لوحات الراقصات المرفقة للفنان “عاطف أحمد”