فى كتاب سمير فؤاد لفاطمة على لقاء الحداثة بين الإبداع النقدى والإبداع التشكيلى صلاح بيصار   جاء كتاب الفنان التشكيلى “ سمير فؤاد “ بقلم الناقدة الكبيرة فاطمة على بمثابة

71

فى كتاب سمير فؤاد لفاطمة على

لقاء الحداثة بين الإبداع النقدى والإبداع التشكيلى

صلاح بيصار

 

جاء كتاب الفنان التشكيلى “ سمير فؤاد “ بقلم الناقدة الكبيرة فاطمة على بمثابة اللقاء الاكثر اهمية بين سحر الكلمة وتالق الصورة..وهو كتاب يمثل اضافة كبيرة فى الابداع النقدى.. ومع قيمته الكبيرة نؤكد ان لقاء عالم الفنان فؤاد مع دنيا الكلمة عند فاطمة على يعد بمثابة لقاء الجدية والتفرد.. ذلك لان سمير فؤاد فنان من نوع خاص، فنان يتجاوز باعماله معنى الفن الى مفهوم الفن او الفن المفاهيمى الذى يمثل عمق الحداثة..ولعلنا ندرك ذلك من البداية حين تتحدث الكاتبة الناقدة حول الاسطورة الذاتية للفنان بقولها: فى رائعته “ ساحر الصحراء” يقول باولو كويللو: ان كلا منا يعرف فى شرخ شبابه ماهى اسطورته الذاتية التى ينبغى ان يحققها..ولكن قوى غامضة تحاول ان تصرفك عن تلك الاسطورة..تضع امامك كل انواع العقبات..غير انك عندما تريد شيئا بحق فان رغبتك الحقيقية تصبح جزءا من روح العالم…وهنا تكمن اسطورة سمير فؤاد .

وفاطمة على بتاريخها المتالق فى النقد التشكيلى ومع كتاباتها الانية المواكبة لحركة الفن التشكيلى المعاصر قدمت العديد من الكتب من بينها: حامد ندا -فان جوخ- بيكاسو- رمبرانت- سلفادور دالى- فلاسكيز- وكتاب لوحات مذابح الابرياء- 50 فنانا يؤرخون لمذابح ارتكاب اليهود ضد اطفال بيت لحم.. كما قدمت مجموعة من الدراسات النقدية فى فنون الميديا “ مابعد الحداثة “ نالت عنها جائزة الدولة التشجيعية..وهى من بين قلة قليلة من نقادنا المصريين ممن يتابعون بشكل لحظى ما يحدث بمصر والعالم من اتجاهات الفن المعاصر.

75

وسمير فؤاد فنان من طراز فريد من حيث علاقتة بالفن.. فهو يجور على نفسه ويتعامل مع الابداع بصرامة وجدية فتجده فى مرسمه من الثامنة صباحا..ويظل امام التوال حتى الرابعة ظهرا.. ولو لم يفعل شيئا.. فالفن فى مفهومه خبرة بتعبير جون ديوى..على اعتبار ان الابداع يجعلنا امام معضل كبير لايجابهه الا الاصرار مع الطاقة التعبيرية وعمق الموهبة تحقيقا لمعنى “ ان نكون او لا نكون “.

وفى نهج غير تقليدى وعلى غير عادة معظم كتب اعلام الفن التى تبدا بالسيرة الذاتية..تنشغل بعالم الفنان سمير فؤاد وتقرا ماوراء الصورة ومراحله الفنية ثم ترجئ السيرة الذاتية الى نهاية الكتاب وهى سيرة غنية بتحولات الفن والحياة معا حتى يكون القارئ المتذوق فى النهاية شغوفا بمعنى اسطورته الذاتية .

وكما اوردتها فاطمة على باختصار تقول:ولد سمير فؤاد عام 1944 فى ضاحية مصر الجديدة وكان والده محمد فؤاد ابراهيم مفتشا عاما بوزارة المعارف العمومية التى اصبحت بعد ثورة عام 1952 وزارة التربية والتعليم وكان من خريجى مدرسة الفنون والصنايع قسم الزخرفة ودرس التصوير فى مدرسة ليوناردو دافنشى على يد المصور الايطالى فورتشيلا وكان صديقا للفنان يوسف كامل..وعندما التحق بمدرسة البارون للحضانة فى عام 1949 يذكر كيف كانت مدرسته توليه اهتماما وتشجعه على موهبته فى الرسم وعندما كان عمره ثمانى سنوات اعطاه اخوه مجموعة من الالوان المائية وعلمه كيف يرسم بها ومنذ ذلك الحين لم يفارقه شغفه بهذه الخامة الساحرة..وبعد انتقاله الى مدرسة الخلفاء الراشدين فى شارع الخليفة المامون بروكسى وكان فى ذلك الوقت يقرا بانتظام مجلات الاطفال التى كانت تصدر فى هذا الوقت “على بابا” والتى كان يرسم فيها الحسين فوزى والتى توقفت وجاءت بعدها مجلة “سندباد “ التى بدا صدورها عام 1952 وكان يرسم فيها بيكار وزهدى وساهمت هذه المجلة فى تكوين ثقافته البصرية..وفى عام 1958 انتقل الى مدرسة مصر الجديدة الثانوية وبدأ يزور متحف الفن المصرى الحديث بشارع قصر النيل وفى هذه الفترة صقل مهاراته بالرسم بالحبر الشينى وكان من اكثر ما ساعده على شحذ قدراته مجلدان ضخمان لاعمال الفنان البرخت دورر فى مكتبة الكتب الفنية بمتحف الفن الحديث قضى معهما فترة ينسخ دراسات هذا الفنان العظيم باستعمال الحبر الشينى..واستمر فى ممارسة الرسم وسماع الموسيقى الكلاسيكية وشغف فى هذه الفترة وبصفة خاصة بكتابات العقاد وفى السنة الثانية من المرحلة الثانوية كان احد اساتذته من مريدى العقاد قد اصطحبه لصالون العقاد الاسبوعى ومنذ ذلك الحين اصبح من مرتادى الصالون وكان اصغر الحاضرين سنا وعرض بعض لوحاته على العقاد ليبدى رايه فيها وبالتالى كان العقاد هو اول ناقد على مستوى معرفى ينقد اعماله فقد كان يمارس النقد الفنى احيانا فى بعض كتاباته .

72

وعندما حصل على الثانوية العامة بتفوق عام 1961 وبالر غم من انه كان يرغب فى الالتحاق بكلية الفنون الجميلة الا ان الوالد عارض هذا بشدة كما حدث مع اخيه الاكبر من قبل فكان ان التحق بكلية الهندسة جامعة القاهرة واستمر اثناء سنوات الدراسة فى ممارسة الرسم.

فى عام 1964 يرسم عباس العقاد فى بورتريه ”صورة شخصية “ وكان ما زال طالبا بالهندسة معلنا احترامه واجلاله لشخصية العقاد بعصاميته ودابه وطاقته الكبيرة.. وكانه يعكس فيه شخصيته من خلال هذا البورتريه وعندما حصل على بكالوريوس هندسة الاتصالات عام 1966 عين فى وظيفة مهندس صيانة حاسبات فى شركة انترناشيونال كمبيوتر ليميتد البريطانية ورغم هذا لم يتوقف عن الرسم والتصوير.. وفى انجلترا عام 1971 اقام اول معرض فردى له للرسوم التى انتجها فى قاعة عرض ملحقة بالمكتبة العامة لبلدة استيفندج التى كان يقيم فيها فى ذلك الوقت وبعد عودته تعرف على الفنان صبرى راغب وقد افادته هذه العلاقة فى تطوير اسلوبه بالرغم من انه لم يتلق دروسا بالمعنى المفهوم وانما كانت فى صورة ارشادات وتوجيهات ومعايشة للفنان صبرى وبتشجيع منه عرض لوحة فى معرض الربيع عام 1979 وكان هذا اول معرض عام يشترك فيه فى مصر ..وفى عام 1980 تملكته الرغبة فى ان يصبح فنانا محترفا وكان يؤمن بانه لكى يقف على ارضية صلبة لابد ان يضيف بعدا اخر لثقافته الفنية وكان اعجابه باعمال الفنان حسن سليمان وما يسمع عن ثقافته الواسعة واسلوب حياته السبب فى انه سعى للتعرف عليه وقد تم هذا وبدا يرتاد مرسمه ليعمل معه فى الاوقات التى كانت متاحة له وكانت هذه الفترة من اكثر حياته الفنية خصوبة».

ومن هنا تبدا اسطورة سمير فؤاد تتحقق وكانه يعيد سيرة الرائد محمود سعيد الذى عانى صراع مرير فرضته عليه ظروفه الطبقية بين ما كان يخططه اهله من منهج حياة..” وقد التحق بناء على رغبتهم بمدرسة الحقوق الفرنسية وحصل منها على الليسانس 1919 “وبين ما يشعر به فى قرارة نفسه من حبه للخلق والابداع بتردده على مرسم ارتورو زانيرى يتلقى عليه مبادئ الفن.. وهى ايضا نفس اسطورة الاخوين سيف وادهم وانلى حين التحقا بمرسم الايطالى “ بيكى “ .

ولان الصورة عند سمير فؤاد ليست مجرد لوحة تتابع فى حياته الفنية لكن تنساب فى مراحل كل مرحلة مفهوم وكل مفهوم يعكس ايقاع الابداع فى الزمن وفاطمة على بوعيها الشديد تقبض على فلسفة الفن فى عالمه:” لذلك ليس غريبا ان تاتى لوحاته لاسردية ولاحكائية بل هى مشهد اللحظة فهو يستشعر انه ضاع منه الكثير من الوقت ولا مجال للحكى بل لاستخلاص دلالات الحياة فى مشهد لحظى محمل بثقل عاطفى شديد واصبحت فى كثير من لوحاته مداخل لرؤية مفاهيمية او فلسفية او على الاقل تاملية فبدا بزهور ميتة والى اللحوم الذبيحة وما يليهما من مراحل من معاناة الجسد الانسانى كوسيلة لكشف ما وراء الرقص الجسدى الدائرى حول الذات الى حد الدوار والوجوه المموهة والصارخة والموسيقى المعزوفة فى وحشية لا تقل عن وحشية الايرلندى البريطانى فرانسيس بيكون والذى يدمر الوجود البشرى من الخارج الى الداخل بينما يدمره هو مسبقا لينسحب على مادية الخارج “..و هو المولع بالموسيقى باحساسه اليقظ ومعنى الايقاع وعلاقة اللحن المرئى بالمسموع..مثل ولعه ببيكون وتمثله لجديته وعذاباته مع اللوحة التى تجسد وطاة القرن العشرين وماساة الانسان المعاصر .

وتتناول فاطمة على المفاهيم عند سمير فؤاد وفى عالمه من مفهوم الزمن الذى يطوعه فى خبرتين مختلفتين الاولى خبرة تقنية تماما والثانية ذهنية حسابية ومفهوم الجسد والتحرر من قيوده ومفهوم التحولات..التحولات البصرية من الوجه المتماسك الى الوجه المفكك والتحولات الفلسفية من اللحم الانسانى الحى الى اللحم الحيوانى الذبيح والتحولات النفسية من الصراخ الى هستيريا الحركة واخيرا مفهوم العبث فى لوحاته حين يلتقى مع العقل كما فى لوحات المراجيح القادمة من الماضى بحركاتها العبثية بلا طائل وحركات جسد الراقصات الدوارة فى عبثية دون بهجة. وزهور ذابلة فى عبثية واضحة وعازفين ينفخون بمعاناة فى الاتهم داخل لوحات غير مسموعة .

وتعكف الناقدة فاطمة على لوحات الفنان سمير فؤاد فتشرق الكلمة مع الصورة من خلال المراحل الفنية والتى تحمل كل مرحلة حالة بصرية ونفسية وفلسفية تتحاور وتتنافر وتنسجم وتنتظم فى عالمه من: الطبيعة الصامتة إلى الراقصات والمراجيح والشخوص والوجه الانسانى والصرخة وابو غريب واللحم والموسيقى والاسهم والدائرة .

ولان سمير فؤاد يمتلك مع اخلاصه للابداع ثقافة بصرية تمتد من اعماق التاريخ إلى افاق الحداثة فى مقابل الوعى النقدى لفاطمة على وفصاحتها التعبيرية وبحثها الدؤوب فلعل من اجمل ما يشتمل عليه الكتاب مع قيمته تلك المقارنات بين اعمال الفنان والاعمال العالمية وفلسفة الصورة هنا وهناك بما يمثل فى النهاية وحدة المعرفة ووحدة الوجود.. فى عصر الانتقال الحظى.. عصر الصورة .

كما نرى فى حركة الجسد فى الفراغ كما فى لوحة مارسيل دوشامب“1887-1968 “ امرأة عارية تهبط الدرج “وفيها تصوير لحركة الجسد متتاليا فى حركته عبر الزمن بينما نجد حركة الجسد فى لوحة سمير فؤاد“ حركة لا تتال بل هى حركة متواصلة تتمدد افقيا وترتد إلى وضعها الاول فى مرونة الجسد .

وهناك ثلاث لوحات للصرخة بثلاث لغات تعبيرية صرخة “مونش “ 1863 – 1944 تراها الناقدة صرخة كونية وصرخة البابا اينوسنت العاشر عن فلاسكيز لفرانسيس بيكون صرخة تكشف عن فقد الايمان بينما تبدوالصرخة فى لوحة سمير فؤاد رمزا تاما للعذاب الوجودى للانسان .

وفى سجن “ ابو غريب “ والذى يمثل معاناة التعذيب القهرى الواقع على جسد الإنسان فى سادية مفرطة تتقابل لوحة فرناندو بوتيرو وسمير فؤاد..رسم بوتيرو العديد من اللوحات المصورة للعذابات الواقعة على الجسد الإنسانى مجسدا كل جسد بمعزل عن الآخر رغم وحدة المكان بينهما وصور سمير فؤاد لوحاته على النقيض تماما فهنا العذاب إنسانى مشترك ذابت بفعله الاجساد معا متشاركة عذاباتها كرمز إنسانى .

وفى لوحات اللحم المذبوح نلتقى مع ثلاث لوحات من الفن العالمى مع لوحة سمير فؤاد: دموية الجسد المذبوح كما عند الفنان الالمانى” هيرمان نيتش” كما قدم “رمبرانت” الذبيحة المعلقة فى خطافها كمعالجة لطبيعة صامتة كاشفة بينما قدم فرانسيس بيكون ارتباط الجسد الحيوانى والإنسانى فى مشهد واحد وقدم سمير فؤاد الجسدين الحيوانى والبشرى فى ارتباط بين الذبيحة المعلقة دون دموية بينما الجسد البشرى لإنسان على كفى يديه اثار دماء من اثر دق مسامير الصلب ليختلط الامر فى مفاهيمية لا يمكن الفصل بين ايهما المضحى به والمصلوب فداء للآخر .

هكذا تضيف فاطمة على الى عالم سمير فؤاد دنيا جديدة مفتوحة على كل الافاق الى ان تصل الى مرحلة الاسهم والدائرة التى تقول عنها انها: لم تكتمل لدى الفنان حتى صدور الكتاب لكن بدت لها علامات فى بعض اعماله الاخيرة وقد اخذت فى اللوحة من علامات السماح بالسير والمرور كعلامات مرور مباشرة الى دلالة مفاهيمية ودلالة نفسية تحذيرية بين السماح والمنع وتقييد الحركة..وهى تعقد مقارنة بين الدائرة فى لوحة الهدف لدوائر داخل دوائر للأمريكى جاسبر جونز ولوحة “تقاطع” لـ«سمير فؤاد» التى يتجمد عندها الزمان والمكان .

وفى النهاية تقول: «ان سمير فؤاد وهو يستكمل عامه السبعين ما زال يعمل بنفس الحماس والحيوية التى عهدناهما فى اعماله وما زال فى مخيلته الكثير من الافكار والرؤى وهو يقول ان اعظم مشروعاته الفنية ما زالت لم تر النور بعد”.

ونحن معها ومعه وفى انتظار معرضه فى مارس القادم إن شاء الله مع اعمال جديدة تضيف الكثير والكثير إلى عالمه .

تحية الى الكلمة والصورة بعمق تأملات فاطمة على فى لوحات سمير فؤاد المفاهيمية .