نظرة فى المقومات الثقافية للتجربة اليابانية د. السيد أمين شلبى   فى عام 1945، وبعد هزيمتها النهائية فى الحرب العالمية الثانية، كانت اليابان تقف وسط الحطام: فقد محيت إمبراطوريتها القوية

92

http://www.albawabhnews.com/upload/photo/parags/57/3/300x169o/782.jpg?q=1

نظرة فى المقومات الثقافية للتجربة اليابانية

د. السيد أمين شلبى

 

فى عام 1945، وبعد هزيمتها النهائية فى الحرب العالمية الثانية، كانت اليابان تقف وسط الحطام: فقد محيت إمبراطوريتها القوية من الخريطة وتقلصت إلى ما كانت عليه عام 1868 حين بدأت خطواتها الثابتة نحو التحديث والمكانة، ودمرت مدنها ومراكزها الصناعية، وبدا شعبها الذى انهارت معنوياته مشرفا على المجاعة، وباختصار ظن العالم أن اليابان قد انتهت.

إلا أنه فى عام 1950، أى بعد خمسة أعوام من الانهيار بدأت اليابان تستعيد استقرارها المالى، وتعيد بناء الجزء الأكبر من مدنها ومؤسساتها الصناعية، وتوفر الطعام لشعبها، وتوسع من تجارتها وتزيد من إنتاجها الصناعى مرتين عما كانت عليه فى الثلاثينات.. وترفع من دخل الفرد فيها إلى مستوى ما قبل الحرب. ومع عام 1955، وكانت اليابان قد حققت هدفها الأول فى أن تستعيد تماما قوتها الاقتصادية، توجهت جهود اليابان كلية إلى تحقيق الهدف الثانى والذى تاقت له منذ زمن طويل وهو اللحاق بالغرب، وفى الحقبة ما بين 1950-1960 بلغ معدل النمو السنوى للدخل القومى 9. 5م وكان بذلك أعلى معدل نمو فى العالم، وبلغ فى الستينات 10/ ومع عام 1968 وصلت اليابان إلى العملاق الثالث فى العالم من حيث القدرات الاقتصادية والصناعية بعد الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتى، وتشير التوقعات إلى أنه مع نهاية هذا القرن سوف تتجاوز اليابان الولايات المتحدة فيما يتعلق بالإنتاج الصناعى ودخل الفرد.

وقد أثار هذا الانجاز الذى حققته اليابان عددا من الأسئلة المتصلة بالمقومات التاريخية والحضارية.. ويدور السؤال الأول عما إذا كان هذا التقدم متصلا أو مقطوع الصلة بالتاريخ والتطور اليابانى، ويتساءل السؤال الثانى عن كيف حقق اليابانيون هذا الانجاز وبعبارة أخرى، ماذا لديهم من مقومات وخصائص روحية وثقافية وحضارية، جعلت هذا الذى حققوه ممكنا؟؟

أما السؤال أو القضية الثالثة التى أثارتها الظاهرة اليابانية فتدور حول أزمة الشخصية اليابانية والتى نشأت عن الصراع بين ما تبنته اليابان من أساليب وأسس الحضارة الغربية وبين المقومات والخصائص الذاتية للشخصية اليابانية.

الأصول التاريخية للتجربة اليابانية

ولمناقشة السؤال الأول سوف نجد أن الانطباع الخاطئ عن هذا الإنجاز اليابانى أنه نتيجة عمل وأداء الفترة التى تحقق فيها، والحقيقة هى أن هذا التقدم الاقتصادى والصناعى والعلمى الذى بلغته اليابان أخيرا هو النتيجة الطبيعية لعملية تحديث تذهب بعيدا فى التاريخ اليابانى.. ورغم حقيقة أنه حتى وقت حديث جدا تطور المجتمع اليابانى والثقافة اليابانية فى عزلة نسبية، فإن هذا لا يعنى بأية حال أن الأمة اليابانية قد بزغت من فراغ غير متأثرة بقوى أجنبية.. فمع بداية القرن السادس كان أحد ساسة اليابان المرموقين (شوتكو) يرسل البعثات للصين لدراسة أمجاد الثقافة الصينية ويستورد التكنولوجيا والمؤسسات الاجتماعية والسياسية الصينية المتقدمة، ورغم الموقف الصارم الذى وقفه الحكم اليابانى من بعثات التبشير الغربية، وممن نجحت فى تحويلهم إلى المسيحية ومنع أى يابانى من السفر إلى الخارج، وعدم السماح لأى من الأوروبيين بالعيش فى اليابان اللهم إلا حفنة من الهولنديين، انحصروا فى جزيرة صغيرة فى ميناء نجازاكى، رغم هذه العزلة المفروضة على النفس فانها لم تعن أن اليابان بقيت على جهل تام بالتطورات فى الخارج.. فقد قدم هذا المركز الهولندى نافذة على العالم، وأصبحت الهولندية لغة التعلم الغربية فى اليابان، ومن خلال كتب أحضرت من هولندا تمكن الدارسون اليابانيون من أن يبقوا جزئيا، على الأقل مسايرين للتقدمين العلمى والثقافى الغربى، ونتيجة لذلك، وحين التحقت اليابان بالعالم وتعرضت لعناصر التحديث كانت تمتلك مجموعات صغيرة من الرجال قادرين على تناول التكنولوجيا الغربية ومفاهيمها، غير أن عملية الاندماج نحو بناء أمة حديثة بدأت بشكل جاد مع عهد الإمبراطور مايجى (1852-1912) ومن خلال عهده الذى بدأ عام 1868. وتؤرخ به نهضة اليابان الحديثة، واستمر أربعا وأربعين سنة، بدأت اليابان فى الانفتاح أكثر فأكثر على العالم الغربى وسافرت بعثات يابانية إلى الخارجن والتحقت بالجامعات وعملت فى المعامل والمعاهد وقدم البناء الصناعى المتقدم لفرنسا وبريطانيا نموذجا للمصنع اليابانى، وأصبح جيش اليابان الحديث تكرارا للجيش الألمانى، والأسطول البريطانى أقوى الأساطيل البحرية فى العالم.. وهكذا يمكن أن نستخلص أن الظاهرة اليابانية ليست شيئا مستجدا أو عارضا وإنما هى شىء مستمر ومتصل ولها جذورها فى التاريخ اليابانى.

91

الخصائص الثقافية للفرد والمجتمع اليابانى

والقضية الثانية التى تثيرها التجربة اليابانية تتصل مباشرة بالفرد اليابانى: بخصائصه الذاتية، وقيمه الروحية والثقافية، بعلاقاته بذاته وبيئته، بمؤسسته التى يعمل فيها وبمجتمعه، كما تتصل بالمجتمع والأمة اليابانية ومقوماتها العرقية والثقافية، وجميع هذه الخصائص سواء المتصلة بالفرد أو المجتمع، إنما تقدم مفاتيح نلج بها إلى الفهم والإجابة عن التساؤل عما مكن اليابانيين من تحقيق ما حققوه.. فى هذا يتفق رجال التاريخ، والاجتماع ودارسو الحضارة اليابانية على عدد من الخصائص المميزة للشخصية والكيان اليابانى:

أ- الاهتمام بالجوانب الروحية

رغم كل مظاهر التغير فى الحياة اليابانية ثمة شىء يبدو مستمرا وصامدا فى حياة الشخصية اليابانية، هو الاهتمام بالأمور المتصلة بما يسمى باليابانية Seishien وهو ما يترجم تقريبا باروح Spirit ويرتبط هذا العامل بالقدرة على تحمل المعاناة، والألم، والثبات والجلد، كما يشير إلى حالة عقلية لا تحتوى على تناقضات أو مؤثرات داخلية. والاهتمام بأمور الروح إنما يستهدف أهدافا عملية، فالتأمل لساعات طوال وتحمل المشاق الجسدية، واتباع نظم روحية أخرى، إنما يقصد لأهداف دنيوية من تحسين الأداء فى العمل أو الدراسة، ويحكم هذا الاتجاه الاعتقاد أن الإنسان يستطيع أن يحقق غير المتوقع وما هو فرق طاقة البشر حين يعمل قواه الروحية. ووفقا لهذا الاتجاه فإن الصعاب لا تحتمل بشكل سلبى أو من أجل ذاتها. وإنما من أجل تهذيب النفس وتدريبها على التعامل مع مشاق الحياة، ويصور مثل يابانى قيمة أجمل فى الشخصية الإنسانية من الملامح التى تعكس المعاناة العظيمة، غير أن تأكيد المعاناة ومعانيها لا يعنى استبعاد المسرات الجسدية فهى شىء مقبول لكن يجب أن تكون فى موضعها، والشخص الجاد الناجح هو الذى يوائم بينها وبين مطالب الروح أو يخضعها لها، فلكى يسيطر أولا على نفسه ويتجه مفهوم الروح إلى تأكيد فكرة السلطة والتدرج الرئاسى فالشخص الذى يقبل هذه الفكرة هو الذى يتصرف فى عمله بولاء وهو نفس الشخص الذى يصبح فى الوقت المناسب، قائدا صالحا..

وفى سياق هذا النظام يتعلم الفرد التغلب على الرغبات الشخصية التى تعوق إنجاز الجماعة، وفى موقف احترام السلطة فإنه لا يطلب من الفرد أن يتخلى عن حياته كما كان الحال فى نموذج الساموراى وإنما يطلب منه أن تتخلى فى موقف ما عن مسراته الشخصية وارائه الفردية وامتيازاته إذا ما تناقضت مع إنجاز أهداف وواجبات أعظم هذا العنصر إنما يقف على النقيض من المادية الفريدة الغربية، وأصبح من العوامل الفريدة التى تمتلكها الشخصية اليابانية، وأصبح التقدم اليابانى الحديث شهادة على روح اليابان الخاصة وطابعها القومى بحيث أنه إذا ما تراجعت هذه الروح وهذا الطابع القومى، وهو ما يخشاه اليوم كثير من اليابانيين فربما تهدد ما حققته اليابان.

ب- تجانس المجتمع اليابانى

رغم أن اليابانيين نادرا ما يعترفون بذلك، فإن مجتمعهم مغلق مقصور عليهم. والطريقة الوحيدة لاكتساب القبول الكامل من اليابانيين هى أن تولد فى قبيلتهم، فهى إذن عملية طويلة من الانصهار الثقافى والعرقى التى جعلت اليابان من أكثر الأمم تجانسا فى العالم، وهو السبب الرئيسى وراء قدرة اليابانيين على الأخذ بالأساليب والقيم الغربية ومع هذا ما زالوا محتفظين بإحساس حاد بشخصيتهم الخاصة، كما أن هذا الاشتراك فى خلفية عريضة مشتركة يفسر قدرة اليابانيين على قراءة عقول ووجوه بعضهم البعض. ولهذا فإنه ليس من الممكن لمهاجر أو الأبناء المهاجرين أن يصبحوا يابانيين بالطريقة التى يصبحون بها أمريكيين.. فالطريقة التى تصبح بها يابانيا هى نفس الطريقة التى تكون فيها من قبيلة الزوكو أو الشونا فى إفريقيا: أن تولد فى القبلية لذلك. فإن شعب اليابان أو على الأقل 97/ منه، هم حقا أعضاء قبيلة عظمى واحدة متوحدون ليس فقط بالمواطنة المشتركة أو اللغة المشتركة إنما برابطة الدم الواحد والذاكرة المشتركة والقواعد القبلية المشتركة والتى يرجع بعضها إلى ما قبل التاريخ، وعلى هذا فحين يقول أحد اليابانيين «إننا نحن اليابانيين 100 مليون من الأشقاء» فإن هذا ليس من قبيل المبالغة أو الخيلاء إنه فقط يحاول أن يفسر ماذا يعنى أن يكون المرء يابانيا..

ج- الإحساس بالمسئولية إحساس الجماعة

يسيطر على اليابانى إحساس بالمسئولية تجاه المجموعات المختلفة التى ينتمى إليها، شركته، مؤسسته، مجتمعه، وهكذا ومع هذا الاحساس المسيطر بالانتماء لدى اليابانى ثمة إدراك حاد بتعريضه وتعرض مجتمعه للخطر. واليابان التى تبدو الآن قوية بشكل يدعو لحسد العالم الخارجى وتمتلك أكثر اقتصاديات العالم تقدما وكفاءة تبدو بالنسبة لليابانيين معرضة للخطر بشكل مستمر، فثمة اعتقاد دائم بالخطر الكامن، ربما كان مدفوعا بالزلازل والأعاصير التى تخرب الجزر اليابانية عبر كل تاريخها المعروف، وهو الاعتقاد الذى تدعم بحقيقة أن اليابانيين عام 1945 كانوا هم وحتى الآن الأمة الوحيدة التى تعرضت لهجوم ذرى.

وقد يجادل البعض بأنه رغم أن المخاوف التى يخشاها اليابانيون قائمة، فإن أحدها لن يتفق أو على الأقل فى صورة كارثة. ومع هذا فثمة اقتناع بأن الضغوط التى تفرضها هذه المخاوف على اليابانيين هى ضغوط حقيقية وهى تساعد على دعم مظاهر أخرى فى الشخصية اليابانية: القيم القبلية، الأخلاق الكونفوشيوسية، التركيز القوى على تدرج السلطة والولاء.. كل هذه العوامل أنتجت مجتمعا تأخذ فيه مسئولية الفرد نحو الجماعة أولوية لا تتقهقر فى أية أمة شرقية أو حتى فى التى تأخذ بالنظم الجماعية مثل الاتحاد السوفييتى.

وبينما يميل الأمريكيون مثلا إلى النظر إلى العمل والتفكير الجماعى كشىء يعوق المبادرة ويؤخر التقدم، فإن اليابان تقدم نموذجا حتميا على أن هذا ليس بالضرورة كذلك، فثمة فارق مهم بين الأمر اليومى للأدميرال البريطانى نلسون إلى جنوده ان انجلترا تتوقع أن يؤدى كل رجل واجبه وبين أمر الأدميرال اليابانى توجو لجنوده خلال الحرب الروسية اليابانية ان مستقبل أمتنا وامبراطوريتنا يعتمد على أداء كل فرد منكم، فهنا نجد أن الادميرال من جنوده مجسدا لمبدأ أن لا حدود لما يدين به الفرد اليابانى لمجتمعه.

د- العمل وفقا لتوافق الآراء

يبغض اليابانيون أسلوب المواجهة المباشرة، ولتفادى ذلك فإنهم غالبا ما يعملون على أساس من توافق الآراء ورغم ما قد يسببه هذا من عوائق فإنه فى النهاية يمثل مصدر قوة ويترتب على هذا الأسلوب فى العمل أن الفرد الذى ينشد تحقيق مصلحته الشخصية على حساب الرفاهية الجماعية إنما ينظر إليه كشىء مكروه لا يلقى أى تشجيع.. ووفقا للسلوك اليابانى العادى فإنه كل أعضائها أو على الأقل هؤلاء الذين لهم اختصاص بالموضوع يجب أن يدرسوه ويوافقوا عليه.. وهذا المبدأ والأسلوب اللذان يتمان إنما ينظر إليهما كشىء مفيد فى تجنب الصراعات الشخصية.

أزمة الهوية اليابانية

أما القضية الثالثة التى أثارها التطور اليابانى، والتى بدأت تظهر بحدة فى أوائل السبعينات، فهى اتجاه اليابانيين إلى البحث فى ذواتهم وعن هويتهم، حدث هذا أولا بفعل وطأة الاحساس بأن اندفاعهم وراء أساليب وقيم الحياة الغربية قد يؤدى إلى طمس شخصيتهم القومية ومقوماتها والتى كانت فى نهاية الأمر أساس ما حققته اليابان، كذلك شهدت بداية السبعينات ظهور آلاف الكتب التى تحاول أن تجيب عن سؤال من اليابانى كما تسود اليابان اليوم موجة من التطلع إلى الماضى وتأخذ مظاهر عدة فى الحياة اليابانية. وقد عبر أحد الكتاب اليابانيين أخيرا عن هذا الاتجاه بقوله إن اليابانيين يريدون أن يعودوا إلى زمن كانت فيه اليابان أكثر يابانية.

وفى بحث علماء الاجتماع اليابانيين عن تفسير لظهور هذه الموجة من البحث عن الذات والإحساس بأزمة الهوية اليابانية يعتبرون أن أكثر التفسيرات شيوعا هو أن اليابان عبر تاريخها الحديث قد احتاجت واتبعت عمليا.. نموذجا لسياستها الداخلية والخارجية وفى هذا قد قدمت غرب أوروبا وبدرجة أقل الولايات المتحدة هذا النموذج بل تتجاوزه. وبعد الحرب كانت الولايات المتحدة هى البلد الوحيد الذى قدم النموذج لليابان، خاصة فى مجالات الدفاع والعلاقات الخارجية حيث اتبعت الحكومة اليابانية بشكل متماسك قيادة الولايات المتحدة للعالم الغربى، غير أنه فى نهاية الستينات تجاوزت اليابان الغرب المتقدم فى التكنولوجيا والانتاج القومى، ونتج عن هذا أن الغرب لم يعد يقدم نموذجا صالحا لتقليده.. وجاءت الهزيمة المعنوية للولايات المتحدة فى الهند الصينية، وتراجع الديمقراطية الأمريكية لكى تجرد اليابان من نموذجها الأخير. وهكذا بقيت اليابان دون نموذج خارجى لتقليده وأصبح على اليابان أن تخلق رؤيتها الخاصة لماهيتها وإلى أين تتجه.