ترجمة: طه زيادة قبل أن نبدأ الحديث استلقى على أريكة وأخرج صندوق السيجار الكوبي، من نوع مونت كريستو الشهير بكل تأكيد، سحب واحدا وعلقه بين شفتيه، ولكن بدلا من أن

أمبرتو إيكو.

ترجمة: طه زيادة

قبل أن نبدأ الحديث استلقى على أريكة وأخرج صندوق السيجار الكوبي، من نوع مونت كريستو الشهير بكل تأكيد، سحب واحدا وعلقه بين شفتيه، ولكن بدلا من أن يشعله، تركه على هذا الوضع طوال مدة الحوار، مكتفيا بمضغ أطرافه من حين لآخر، فيما يبدو أن هذه الحركة تذكره بعادة سيئة قديمة أقلع عنها. كان قد انتهى من كتاب دخن فيه بشراهة. لم يكن أى كتاب، كان عملا يتناول قصة جريدة فاشلة فى بداية التسعينات، حتى قبل انتشار الإعلام الرقمى فى عصر الانترنت والذى لم يكن متوقعا على الإطلاق، وكانت جلسات إعادة الصياغة عبارة عن مراكز تدخين حقيقية. وهكذا تضمنت الرواية «العدد صفر» تلك النوستالجيا لما كنا عليه ولم يعد على حاله، كانت عملا مسليا، بمثابة آخر سيمفونية عبر فيها إيكو عن همومه فى الوقت الراهن: الرمزية، الخداع، الحبكة وإدراك الواقع، مأزق الصراع بين الأبوكاليبس والاندماج فى نهاية حقبة وبداية أخرى جديدة. من صالون منزله فى ميلانو يمكن مشاهدة بانوراما أبراج قلعة سفورزا، ومن هنا يتذكر إيكو قصة المدينة التى احتضنته، والتى كانت بشكل ما أو بآخر إحدى شخصيات «العدد صفر». اختار إيكو حارات حى فيا بانيرا، الضيقة والغامضة، لتكون أحد الأماكن التى تتصاعد بها الأحداث فى وسط ملىء بالخسة والانحطاط، ليعبر بذلك عن ميلانو الخفية، قاع المدينة الذى لطالما شغف به، أكثر بكثير من المظاهر التقليدية التى تعكس ازدهار وثراء المدينة الإيطالية العريقة.

يعتبر إيكو نفسه حكواتى ثرثار وعلى الرغم من شهرته ككاتب وناقد أكثر من صيته كروائي، بالإضافة إلى أنشطته الأخرى كأستاذ جامعى وعالم لغة، كان يرى أن أى مقابلة صحفية معه مجرد مضيعة للوقت. لكن هذا لم يكن ليردعه عن التطرق لأى موضوع خلال حديثه: من السياسة للأمور الشخصية، من الانترنت لعلم التاريخ، من الدقة العلمية للشيخوخة وأعراضها وتداعى البدن. كان يسخر من الميل لاستعراض الفضائح الذى اتسمت به الحقبة التى نعيشها، وقارنها بشخص اكتشفه على الانترنت كان يقوم بتحميل فيديوهات عمليات مناظير القولون التى أجريت له. على الرغم من تجاوزه العقد الثامن، وشكوكه حيال قدرة الانترنت كأداة قوية لنشر المعرفة، لا تزال عيون إيكو تحتفظ بلمعان بريق الدهشة والفضول، ولم يقع فى مصيدة التراجيديا المأسوية، التى وقع فيها الكثيرون من أمثاله من المفكرين والمثقفين الذين تنبئوا بنهاية العالم بسبب ثورة المعلومات. كما لم يتخل عن شغفه بأرسطو ولا مبالاته التى تصل حد الاحتقار إلى أفلاطون، وهو السبب نفسه الذى دفعه قبل 35 عاما لكتابة روايته الشهيرة «اسم الوردة». وقتها كان يقول «لم ندرك أن الصيغة الأساسية لرؤية العالم وفهم الأشياء تكمن فى حكى الحكايات. هكذا يمكننا أن نفهم ما يحدث فى سوريا والعراق. لأن المتعصبين لا يحكون الحكايات: لديهم يقين فى رأسهم ويسعون لتكراره».

نقلا عن جريدة الموند الإسبانية