الزومبى والخطايا العشر : المتلقى .. صانع الحكايات أحمد خميس   احدث العرض المسرحى المقدم الآن على خشبة مسرح الهناجر لغطا كبيرا بين المهتمين بالمسرح المصرى كونه عرضا مغايرا يتخذ

الزومبي والخطايا العشر.

الزومبى والخطايا العشر : المتلقى .. صانع الحكايات

أحمد خميس

 

احدث العرض المسرحى المقدم الآن على خشبة مسرح الهناجر لغطا كبيرا بين المهتمين بالمسرح المصرى كونه عرضا مغايرا يتخذ من فنون ما بعد الحداثة طريقا له فمن دخل للمسرح يبحث عن تيمة مترابطة الأوصال أو من تصور أن هناك حكاية واحدة من الممكن تتبع قضاياها سيخرج من العرض خالى الوفاض، وحتما سيلعن صناع العرض والمسئولين الذين اعطوا لهؤلاء الفرصة كى يخرجوا علينا بجنونهم غير المعتاد، فالفعل المسرحى هنا قريب من عوالم السريالية والتعبيرية حيث يسود منطق الحلم ويبدأ الحدث فى تصدير صور وافكار غير مترابطة وعلى المتلقى أن يبحث عن مأساته الخاصة ويصنع حكايته المقبولة مع العرض المسرحى وقتها من الممكن أن يتماس مع الالعاب والصور المتبدلة بسرعة فائقة ويدرك حقيقة العمل ودورة فى تقديم رؤى جمالية تنحت لذاتها طريق صعب غير ممهد.

بداية يقوم العرض على مجموعة من الأعمال تتصدرها رواية جورج اورويل 1984 وفهرنهايت451 لراى برادبرى وكتابات الشاعر اللبنانى وديع سعادة وقد تكونت ورشة كتابه من المخرج طارق الدويرى ونشوى محرم لدمج تلك الأعمال وصناعة عرض مسرحى يتخذ من شخصية (الزومبى) دليلا لتسيير التيمات والافكار المرتبطة بالصورة أكثر من كونها مرتبطة بالكلمة، والزومبى حسب المصادر هو شخص مات ثم تمت اعادته للحياة مرة اخرى أو هو شخص تمت سرقة روحه بواسطة قوى خارقة ووصفات طبية (عشبية) وتم اجباره على طاعة سيدة طاعة عمياء أو هو شخص فوضوى يميل للقتل والعنف والعشوائية يتحرك بآلية وكأن الروح منزوعة منه وحتى تلك اللحظات التى يروى فيها حكايات عادية يبدو الأمر وكأنه غير منطقى أو غير معقول وكأنه حلم تسيح فيه اللحظات بين الممكن والمستحيل، ومن ثم تتداعى الافكار والروايات التى تتلوها علينا الشخصيات لتبدو كأحلام غريبة متجاورة، والحقيقة الملفتة التى تواجه المتلقى أن كل شخص على خشبة المسرح إنما هو زومبى يتحرك دون منطق أو وعى كى يثبت وجودة وفعاليته واشتباكه مع اللحظة الراهنة ويتخذ المخرج من الواقع السياسى والاجتماعى غير المعقول دليلا للدخول لعالم اللامعنى واللاهدف فبعض الاحداث الراهنة وبعض المواقف السياسية والاجتماعية هى بشكل ما حكايات أسطورية لا يمكن تصديقها او اعتبارها معقولة الحدوث وتجاور اللحظات والحكايات والألعاب والمواقف كان هدفا فى حد ذاته فى ذلك العرض، فقط يقف المشهد الختامى والذى تتراص فيه الشخصيات فى طابور طويل كى تعود للعالم الآخر مرة أخرى كدليل على النهاية التى ستجىء حتما والتى صنعت خصيصا بإشارات سينوغرافية دالة على العالم الآخر الملىء بالألوان الضبابية الحمراء والتى تنفصل عن العالم الحقيقى من خلال بوابة الموت التى تحجز تلك الذوات وتحاكم افعالها وتعيدها مرة اخرى لعالم الموتى أو عالم التوهة والمستحيل، وحتى الاخيلة التى تتصارع وتقدم فى صور متكسرة أو حية مصورة بأكثر من طريقة ويمكن متابعتها من خلال اكثر من منصة أو كاميرا فاللحظات هنا يمكن مراقبتها وتدوير زوايا رؤيتها كى تشدك لعالم الصورة وتبتعد رويدا رويدا عن المعنى الحرفى والسببى والمنطقى للكلمات المنطوقة أو تعتبرها هامشا يمكن الاستعاضة عنه بالمتاهات التشكيلية الجسدية التى تسودها الفوضى، وعلى هؤلاء المهمشين الذين يشغلون الفراغ أن يصدروا افعال وتشكيلات حركية غير منتظمة فالتصميم مرهون بتفعيل الذوات فى اطر منعزلة غير متشابهة.

من هنا ومن هذا التراكم وتلك الالعاب حتما ستجد هناك إشارات دالة وضعت كإطار خارجى يمكن منه تتبع حركة الواقع السياسى والاجتماعى الراهن فمثلا اختبار سرعة البديهة أو المعرفة الذى تمت إعادة تقديمه أكثر من مرة داخل نسيج العرض والذى كان يتساءل عن عدد الاصابع فى الصورة المتحولة كان دالا على علاقة السلطة بالمواطن الآن وهنا فاى عدد من الاصابع تشاهده فى الصورة التى امامك؟ كما جاءت الاصوات الخارجية لكل من احمد مختار وحمادة شوشة مختارة بعناية ووعى كى تصيغ ذلك العالم الغريب الذى يحوطنا بينما وقفت ممثلة شابة فى وسط المسرح كى تلعب لعبة مغايرة قوامها الاشباح والاخيلة الانسانية التى فقدت التواصل مع ذلك العالم الغريب وبدأت فى تصدير غرابة الموقف وانعزال الذوات وشرنقتها متخذة من كتابات وديع سعادة دليلا لها حيث تم انتقاء مجموعة من أشعاره ووزعت على لحظات كثيرة من العرض بذوق جمالى يدرك اين يقف وكيف يمكن ان يطور وجوده.

وقد جاء ديكور محمد ابو السعود ليلعب مع تلك التيمات والافكار بمنطق ينقلك مباشرة لعالم الصورة ودورة الخلاب فى الهيمنة على قلب المتلقى وبدت تلك الفعالية من خلال عدة عناصر جمالية غير معتادة فهناك بانوه من الصاج تم استخدامه فى لحظات قليلة كى يعطى احساس العنف المر والتناطح المرير مع القضايا التى تحوط بهؤلاء المهمشين وهناك بانوهات متحركة على عجل لعبت عدة ادوار تشكيلية شيقة ساعدت العرض كثيرا كى يبدل من دواله وصورة الكثيرة كما كانت هناك منصة كتلك التى تستخدم فى كباريهات التعرى قطعة قطعة لعبت مع التيمات والذوات بطريقة افادت كثيرا اللحظات المعروضة، كما بدت موسيقى (كاميليو) متوترة كصيغة العرض تماما معنونة بآلات النحاسية ومتمسكة بآلات غير تقليدية كانت معظم لحظاتها مصنوعة خصيصا للعرض كى تساعد تلك التشنجات البصرية المأخوذة عن ارتونان ارتو وكانت إضاءة ابو بكر الشريف حادة وواعية للغاية لتلك اللحظات الخاصة التى يرجى ظهورها والاهتمام الضوئى بها حتى انك تشعر كمتلق ان هناك كشافات قد وضعت خصيصا كى تضىء لحظة جمالية واحدة قد لا تبقى على المسرح الا ثوانى معدودة.

يبدأ العرض قبل دخول المتلقى بكشاف كبير تحوطه شبورة ضبابية كثيفة وضع فى البانوراما الخلفية بقصد التلصص واستنفار المتلقى بينما صوت الارم يدوى فى المسرح وقد عمد مصمم الاضاءة ابو بكر الشريف وضع كشاف اخر مصوب على كراسى المشاهدين ذى لون احمر زاعق كى يزيد من حدة توتر لحظة البداية بينما هناك صوت يردد أشعار وديع سعادة.

أودعونا حضارة سرية جميلة

فى مقابل حضارة يستحال إحصاء جثثها

المنحرفون الذين ماتوا فى المصحات أو فى السجون

هم أباؤنا الحقيقيون

وهى لحظة تتماس مع ما يحدث من اعتقال وسجن عشوائى لشباب الأمة، من هنا تبدأ الالعاب والفورات الجسدية فى الظهور رويدا رويدا على إيقاعات غير متناغمة ولما لم تكن هناك حكاية إطار فإن تجاور تلك الانماط وتشابكها يعطيها زخما بصريا ومن هنا يمكنك كمتلق أن تتماس مع تلك اللحظات وتربط الافعال والتشكيلات بخيال يتجاوز التلقى البديهى للحظة الجمالية المقدمة فرفض البناء المنطقى والقيم الجمالية التقليدية فى تلقى العرض المسرحى سيقودانك حتما للاستمتاع بتلك الاخيلة المتراكمة التى تحتفى بحقائقها الخاصة ومأساتها الخاصة وحتى اولئك الذين سيتوقفون ويضعون علامات استفهام على ما يقدم امامهم من افعال حتما سيدركون ان هناك جهدا إبداعيا ملفتا يقدم لهم.

إنه المسرح الجديد الذى يطمح للخروج من شرنقة الحكاية التقليدية لعالم الصورة المشبعة بأخيل الواقع الرخو.

 

نقلا عن العدد الورقي رقم 817 بتاريخ الثلاثاء 1 مارس 2016