بقلم: د. وفاء كمالو   اعترف ضمير الشتاء، أن الفارس البركانى الشاعر، طارق الدويري، هو غنيمة مثقلة، إذا أجهشت بالبكاء، أرسلت الصواعق فى دمعها، فقد عرف معه جمهور المسرح معنى

الزومبي والخطايا العشر

بقلم: د. وفاء كمالو

 

اعترف ضمير الشتاء، أن الفارس البركانى الشاعر، طارق الدويري، هو غنيمة مثقلة، إذا أجهشت بالبكاء، أرسلت الصواعق فى دمعها، فقد عرف معه جمهور المسرح معنى الانبهار فى نشوة، والانتصار فى رعشة، وتسلقوا معه جبال الشوق واللهفة، حيث تأتى تجربته الفريدة «الزومبى والخطايا العشر» كالوشم النارى على ذاكرة الروح والجسد، تختصر الزمن لتبوح وتروى عن الإنسان والحب والحرية، عن القهر والتسلط والاستبداد والغياب، وعن الثورة والليل والهمس والاكتمال، تلك الحالة الاستثناء، التى يفتح بها مسارات للدهشة والحياة، لنواجه قسوة الوجود ودعارة الفكر، ومراوغات التاريخ، ونصبح أمام اختيار مخيف بين الموت قهرا أو البحث عن ميلاد جديد.

هذه المسرحية من إنتاج مركز الهناجر للفنون، وهى الابنة الشرعية للمخرج طارق الدويرى الذى تعاون مع د. نشوى محرم فى ورشة للكتابة عن رواية «1948» لمؤلفها الفرنسى جورج أورريل، ورواية «فهرنهايت 451» لمؤلفها الأمريكى راى برادبري، وكذلك كتابات الشاعر اللبنانى وديع سعادة، وصولا لتحديد ملامح «الزومبى والخطايا العشر»، التى اتخذت مسارها الجمالى عبر رؤى «أنتونان آرتو» فى مسرح القسوة، وكما يشير المدير الفنان محمد دسوقى فى كتيب المعرض، فإن هذه التجربة أخذت الكثير من الوقت فى البروفات والتدريبات على استخدام تقنيات العرض، الذى ينتمى إلى مسرح ما بعد الحداثة، مسرح الصورة المفككة والمعروضة بشكل غير منطقى فى محاولة لدخول عالم آرتو السحرى لاقتناص لحظات القسوة.

كان اللقاء بين أنتونان آرتو وطارق الدويرى صاخبا وثائرا ومثيرا يهديه المخرج إلى المختلفين المنحرفين، ملح الأرض، ساكنى الطرق والأرصفة عبر التاريخ الإنساني، مؤكدا أن المنحرفين الذين ماتوا فى المصحات أو فى السجون، هم آباؤنا الحقيقيون وأن الخطيئة الأصلية هى تلك التى شملت كل الجرائم بذاتها، للماضى أو للمستقبل البعيد، من إنسان هالك لا محالة، وأخيرا يهديها إلى ثوار يناير فى السماء، أو فى الغرف المغلقة، الذين منحونا الفرح والنضال والنشوى.

تمثل رؤى المخرج العالمى «أنتونان آرتو» لحظة فارقة فى تاريخ المسرح وفلسفة جمالياته، فقد أعلن العصيان على هيمنة النص المسرحى وعلى الحوار المكتوب، مؤكدا أنهما يقيدان حركة الفكر، واتجه إلى البحث عن لغة جديدة غير لغة الكلمات، باعتبار أن المسرح يجب أن يمنح المتلقى فكرة محسوسة تحتوى على كل أبعاد الحركة والحدث بعيدا عن قيود النص المكتوب، الذى يحدد المساحة الدرامية بمقياس الكلمات، وفى هذا السياق تصبح الحركة ولغة الجسد وتيار المشاعر والصوت، وتفاصيل صورة المشهد، هى اللغة الجديدة، التى تملأ فضاء المسرح كأساس للتجربة الدرامية، التى ترتكز على تضافر الوسائل البصرية والسمعية فى آن واحد، لتنتنج لغة فنية مركبة، تحتوى على كل ما يريد العرض أن يقوله، بعيدا عن سلطة النص المكتوب.

اتجه الفنان المتميز طارق الدويرى إلى عالم آرتو، وجاءت تجربة «الزومبى والخطايا العشر» لتكشف عن روح الدويرى وبصماته وتمرده وعصيانه، وكانت الحالة المسرحية ترتكز بشكل أساسى على منظومة الإخراج التى تحدد اللغة وحركة الفكر واتجاه موجات الوعي، أما الأداء التمثيلى فقد تجاوز مفهومه التقليدي، ليصبح الجسد والكوريوجرافيا هما المسار إلى حالة تعبيرية عارمة مسكونة بوهج الفن وبريق العذاب، الذى امتد إلى الجمهور ليحوله إلى طاقة حيوية فعالة تشكل جزءا شديد الأهمية من العرض.

هكذا نصبح أمام نص ضمنى وظفه المخرج برشاقة خلابة، ترسم حدود وأشكال الفضاء المسرحى وتدفعنا إلى قلب مسرح القسوة الذى يهدف إلى تحرير القوى الكامنة داخل المتلقي، بحثا عن الإنسان الحقيقى داخل المشاهد المسكون بالقيود الاجتماعية والسياسية والنفسية، ويذكر أن الفعل القاسى هو وسيلة لتحرير الذهن، ليصبح أكثر هدوءا وصفاء وكفاءة فى تلقى المفاهيم الحارة الباحثة عن الذات والكيان والثورة والحرية، وكما يقول آرتو فإنه دون الفعل القاسى فى بداية أى عرض، لا يمكن أن يكون هناك مسرح، وفى حالة الانحطاط التى نعيشها نصبح بحاجة إلى مسرح يثير الادراك، يعزف على أوتار الوعى، يهز المشاعر والأحاسيس، لتحطيم الهياكل والقوالب الجامدة التى تكرس للقهر والتسلط والاستبداد وتستلب روح الإنسان وجسده لتدفعه إلى جحيم الغياب والضياع، وفى هذا السياق تأتى القسوة بمعناها الفنى وليس معناها المباشر المألوف، الذى يحيل إلى الألم المادي، فالقسوة فى المسرح هى نوع من التوجه الجمالى الحاسم، وهى ضرورة حتمية وإصرار مطلق وضوء كونى باحث عن البوح والغناء والحرية، كما أن مسرح القسوة هو المسرح القاسى على المخرج والمؤلف وفريق العمل، قبل أن يكون قاسيا على الجمهور، وكما يؤكد آرتو فإن فلسفته هى محاولة كى يعطى للجمهور فرصة فى أن يرى الكرامة الإنسانية وأن يكون له الحق فى أن يقول ما قيل وما لم يقال، وبالأسلوب الذى يمتلكه.

يتخذ العرض مساره عبر الاختيار المدهش والجمع المثير بين فكر جورج أورويل فى روايته الشهيرة «1948» ورؤى راى برادبرى فى روايته «فهرنهايت 451» وبعض أشعار وديع سعادة، تلك الحالة التى تتحدد بها موجات العرض وإيقاعاته الثائرة، فإذا كان أورويل يرى أن لغة السياسة يتم تصميمها لتجعل الكذب يبدو صدقا، والقتل يبدو محترما فإن روايته «1948» التى كتبها عام 1949 قد تحولت إلى أيقونة سياسية مدهشة لا تزال تمتلك حيوية مبهرة، فقد تحققت كل تصوراته عن العالم عام 1948، رآه محكوما بالديكتاتورية والقمع والاستبداد، وكان رمز الأخ الأكبر هو مفارقة مدهشة لمفهوم تسلط الحزب الحاكم، الذى يتجه بقسوة نحو السيطرة العارمة على السياسة، حيث التعييب والتعذيب، تزوير المعنى والتاريخ باسم الدفاع عن الوطن والمواطن، وفى هذا الإطار تنهار القيم البشرية تماما، وتموت أحلام الناس، ويتحولون إلى مجرد أرقام هامشية بلا عواطف ولا مشاعر، يغتالهم الزمن السريع ويصبحون ظلالا حمقاء وآلات تعمل فى صمت مميت، يفتح المسارات أمام مزيد من الرعب والحصار والغياب.

تتجه رواية «فهرنهايت 451» إلى إدانة ديكتاتورية النظم الأبوية، ورفض الممارسات القهرية، حين يصبح الإعلام زيفا وابتزازا وتسطيحا ويتحول إلى الدعاية المباشرة للسلطة والسياسة، وفى نفس السياق يصبح الإرهاب الثقافى هو الأكثر حضورا فى المشهد الاجتماعي، الذى يتجه إلى التخلى عن الفكر والفلسفة والوعي، وتظل جماليات هذه الرواية ساكنة فى أعماق من عرفوا.. لماذا كان الناس يفضلون الموت حرقا مع كتبهم على الحياة دونها.

تمتد إيقاعات الجمال وتتقاطع بعض أفكار الروايتين مع أشعار وديع سعادة، ونصبح أمام حالة من الكشف المبهر لعذابات الحقيقة المراوغة واندفاعات العبث الوجودى المخيف.. فالحكاية انه لا حكاية، تلك التى قالها القبطان كانت خرافة.. كى يسلى المسافرين فى المحيط المديد، والحكاية الأخرى كانت أيضا خرافة.. كى يسلى الذين يغرقون.

أخيرا.. تجاوزت جماليات الصوت والضوء حدود الجمال المألوف، وبعث طارق الدويرى رسائله إلى كل زومبي.. كى يفيق ويعود ويمتلك الوعى والأحلام، ويذكر أنه استخدم كاميرا حديثة فائقة الحساسية بعثت على الشاشات ثورة من الوعى والإبهار والمعنى والجمال.

شارك فى العرض فريق عمل من الشباب الواعد.. أحمد مرعي، أشرقت إسلام، أحمد وحيد، إسماعيل جمال، إسلام سمير، بكر محمد، إيمان حسين، حامد صفوت، نشوى محرم، حازم فوزي، نوران عدلي، ملك عبد العاطي، ريهام دسوقى وغيرهم من الطاقات المتميزة.

كان الديكور للفنان محمد أبو السعود، والموسيقى والمؤثرات لكاميلليو، والكوريوجرافيا لإبراهيم عبده، والمادة الفيلمية لعمرو وشاحى وكانت الأزياء لنشوى معتوق.

نقلا عن العدد الورقي رقم 817 بتاريخ الثلاثاء 1 مارس 2016