رفعوا شعار يوسف إدريس.. الحرية المتاحة فى عالمنا العربى لا تكف لكاتب واحد – المثقفون يطالبون باحترام الدستور – البحث عن مخرج قانونى لأزمة أحمد ناجى ضاع فى زحام التكرار

8999

رفعوا شعار يوسف إدريس.. الحرية المتاحة فى عالمنا العربى لا تكف لكاتب واحد

– المثقفون يطالبون باحترام الدستور

– البحث عن مخرج قانونى لأزمة أحمد ناجى ضاع فى زحام التكرار

 

  • أحمد عبدالمعطى حجازى: أطالب بتعديل المادة الثانية لأنها «آُس البلاء»
  • نجاد البرعى يدعو لجلسات حوار حوار بين القضاة والمبدعين
  • جابر نصار: الحرية بلا قيمة لو تم اختزالها فى النصوص

 

تقرير : سامح فايز

 

عدد المجتمعين على اختلاف أيديولوجياتهم مساء الخميس الماضى فى قاعة المؤتمرات بمقر المجلس الأعلى للثقافة على خلفية حبس الروائى أحمد ناجى بتهمة خدش الحياء فى روايته «استخدام الحياة» يذكرنا بنفس الأجواء التى شهدها اعتصام وزارة الثقافة قبل ثورة 30 يونيو. فالدفاع عن حرية الرأى والتعبير والوقوف ضد محاولات قتل الفنون والآداب كانت سببا رئيسيا فى المرتين، الاختلاف أن الأولى كانت ضد تطرف الجماعات الدينية ومحاولاتها لقتل حرية الابداع بوصولها للحكم عام 2012 أما الثانية فكانت تحت مظلة حكم مدنى ودستور يعده البعض الأول الذى يقدم مواد دستورية تكفل حرية الرأى والتفكير والابداع وتمنع الحبس فى قضايا النشر والفكر بشكل كبير. لكن هذا الدستور رغم ذلك شهد صدور ثلاثة أحكام متتابعة بالحبس فى قضايا الرأى والتعبير بدأت بإسلام بحيرى مرورا بالحكم الصادر ضد فاطمة ناعوت وانتهاء بحبس أحمد ناجي.

المؤتمر الذى أقامته لجنة القانون بالمجلس الأعلى للثقافة بأمانة الدكتورة امل الصبان تحت عنوان «الحماية القانونية لحرية الفكر والتعبير.. نحو مجتمع حر ومبدع». شهد توترا بعد الجلسة الأولى ومداخلات غير منظمة من المشاركين لابداء اعتراضاتهم على حديث الجالسين على المنصة ولم يخل الأمر من الشد والجذب أحيانا أخرى مما أوحى بحجم الأزمة التى أثارها الحكم الأخير على أحمد ناجي، حيث تكرر اعتراض مكرم محمد أحمد نقيب الصحفيين السابق والحقوقى أمير سالم للمتحدثين مؤكدين أن حديث المنصة يعرفه سابقا جميع الحضور وأنهم جاءوا للبحث عن مخرج وليس لتكرار نفس الحديث أمام حشد من رءوس الثقافة والفكر والفن فى مصر.

لكن المؤتمر على أهميته والمنصة على ثقل متحدثيها كانت خالية من وجود الشباب، علما بأن أحمد ناجى المحرك الأساسى لكل هذا روائى وصحفى شاب، أيضا نسبة المشاركين من الشباب تكاد لا تذكر أمام مثقفين تعودت الأعين رؤيتهم فى كل الملمات التى تمس حرية الفكر والتعبير فى مصر على مدار النصف الثانى من القرن العشرين.

حضر المؤتمر وزير الثقافة الكاتب الصحفى حلمى النمنم، والدكتورة أمل الصبان الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة، والدكتور محمد نور فرحات مقرر لجنة القانون بالمجلس. وتضمن المؤتمر أربع جلسات نقاشية امتدت لأربع ساعات تحدث فيها وزير الثقافة الأسبق الدكتور جابر عصفور والشاعر أحمد عبد المعطى حجازى والدكتور جابر نصار رئيس جامعة القاهرة والمحامى عصام الاسلامبولى والحقوقى حمدى الأسيوطى ونجاد البرعى وسط حضور كبير شهد وجود الكاتبة اقبال بركة وسلوى بكر وسهير المصادفة ووزير الثقافة الأسبق عماد أبو غازى والمخرج المسرحى جلال الشرقاوى ورئيس تحرير أخبار الأدب طارق الطاهر والكاتب الصحفى محمد شعير وآخرين.

 

 جابر عصفور: البرلمان مطالب بتفعيل مواد الدستور

بدأ المؤتمر بكلمة مقرر اللجنة محمد نور فرحات، والتى أشار خلالها إلى بيان الجمعية المصرية للنقد الأدبى الذى نص على التعاون مع المثقفين، ودعوة وسائل الإعلام للاحتكام لآراء الفقهاء المتخصصين فى الكشف وتوصيل الرأى العام للمواقف الصحيحة وليس محاكمة حرية الرأى ومراعاة صورة المجتمع المصرى للعالم.

من جانبه أوضح الكاتب الصحفى حلمى النمنم فى كلمته أننا نواجه أزمة حقيقية، بسبب صدور أحكام قضائية على المبدعين، مشيرا إلى أن هناك قضايا ما زالت فى أروقة المحاكم ضد الإبداع رغم أننا نمتلك دستورًا تم الاتفاق عليه لا ينص على عقوبات بالسجن للنشر والإبداع. واصفا الحبس للمبدع أو المثقف بالمعيب، وخصوصًا أن مصر خاضت ثورتين كان عنصراهما الأساسيان الحرية والتحرر من القيود على الإبداع، وأكد أن المثقفين جميعًا ضد الحبس فى قضايا النشر والإبداع على الإطلاق.

وفى سياق متصل قالت الدكتورة أمل الصبان الأمين العام للمجلس ان الحرية فى التعبير عن الأفكار والآراء بالكتابة أو بعمل فنى دون رقابة أو قيود حكومية شرط من شروط الإبداع، ولا يعتبر خرقًا للقوانين ولا لأعراف الدولة ويصاحب حرية الرأى والتعبير بعض الحدود والحقوق مثل حرية العبادة والصحافة وحرية التظاهر السلمي، مشيرة إلى أنها من أهم وأعقد القضايا التى تشغل كل المجتمعات تنظيريًا وتطبيقيًا.

وألقت الصبان الضوء على الحريات فى فرنسا والأمم المتحدة، مضيفة أن الحرية غريزة فطرية فى البشر إلا أن الكثيرين اختلفوا حول تحديد مفهومها بشكل عام، وذلك بسبب الاختلاف بين الحضارات والثقافات، ورغم تباين المجتمعات فى النظرة لمفهوم حرية الرأى فإن كل مجتمع يقر بضرورة وجود ضوابط أو أطر لممارسة الحريات بأنواعها.

وشهدت الجلسة الأولى شهادات من كبار المفكرين فى مصر. وبدأت بحديث الدكتور جابر عصفور، والذى بدأه بجملة للراحل يوسف إدريس قال فيها: “إن الحرية المتاحة فى العالم العربى كله لا تكفى لروائى واحد فى العالم”. وعلق بأن تلك الجملة ما زالت صالحة حتى الآن، وأضاف ان الحرية ضرورية كالماء والهواء، وأنها حق لكل مواطن،.. ثم تحدث عصفور عن نص مواد الدستور التى تؤكد انه لا مساس بالحريات، ولا ضرر لكاتب ولا لرأي.

ويرى عصفور أن الاخوان المسلمين استطاعوا السيطرة على بؤر كثيرة فى القضاء. واختتم عصفور كلمته بأن الأزمة التى يعانيها المثقفون تستدعى صدور بيان موحد أطالب به الآن يؤكد حرية الرأى والإبداع والمطالبة بحماية إبداعنا وحريتنا وكتابتنا وثقافتنا بشكل عام، كما طالب عصفور ببيان يصدر من المؤتمر يلزم فيه بضرورة احترام مواد الدستور الخاصة بحرية الإبداع ومطالبة البرلمان بسرعة تحويل المواد الخاصة بالحريات إلى مواد قانونية فعالة. قائلا فى نهاية حديثه:”لابد أن يراجع القضاء نفسه، أو أن يراجع الرئيس ماء القضاء”.

ثم تحدث الشاعر أحمد عبد المعطى حجازى قائلا: إننا جميعًا تمتعنا بحرية الرأى والتعبير، ربما مرت علينا لحظات عابرة لم نتمتع فيها بتلك الحرية التى أشار إليها الدكتور جابر عصفور لكننا تمتعنا بشيء من التسامح، وأضاف أن المثقفين المصريين لا يعبرون عن أنفسهم فقط، بل يعبرون عن شعب بأكمله.

حجازى اعتبر أن ما يحدث اليوم هو نتيجة طبيعية لما حدث للحريات فى مصر بعد ثورة 1952 حين نقل الأساتذة الجامعيون الذين طالبوا بعودة الضباط للجيش من وظائفهم وسجن الكتاب وحل الأحزاب وايقاف العمل بالدستور، معقبا:”حتى هذه اللحظة نحن نسير من سيئ إلى أسوأ”.

حجازى أشار إلى أنهم يدافعون عن مصر وليس عن أشخاص بعينهم، مضيفا أن هذا الدستور الذى لا يستطيع أن ينكر أحد ما فيه من مواد مهمة هو معطل بالفعل بوجود المادة الثانية من الدستور قائلا:”إن هذه المادة هى أس البلاء”.

الجلسة الثانية من المؤتمر دارت حول “حرية الرأى والتعبير بين أحكام المحكمة الدستورية العليا والدستور الجديد”. وافتتحت بكلمة رئيس الجلسة الأستاذ الدكتور محمد عبد الظاهر مشيرًا إلى أن القانون لا يتحدث بالعواطف، وأن الدستور موجه إلى المشرع وليس إلى القاضي، وموضحا أننا فى حالة تستدعى ضرورة تفعيل مجلس النواب، ويجب أيضًا تفعيل المادة 65 من الدستور.

من جانبه قال الدكتور جابر جاد نصار استاذ القانون ورئيس جامعة القاهرة إن هناك إشكالية فى التحدث عن الحرية من خلال نص أوحد، موضحا أن الحرية لا يمكن أن تحتويها مجموعة من النصوص، ومضيفا أن الحرية تبقى بلا قيمة إذا لم يتم الالتزام بالنصوص، وعلى المجتمع أن يحتضن هذه النصوص ويحميها، ومشيرا إلى أن مشكلتنا تنبع من عدم الحفاظ على حريتنا ودفعها للأمام، وهذا أكبر عائق، وكأن هذه الحريات مسألة لا تستوجب الاعتناء بها، منوها إلى أنه لا يمكن أخذ نص من الدستور بعيدًا عن النصوص الأخرى، وربط أيضًا بين حرية الفكر والتعبير والجرائم التى تعرض لها الأطفال مؤخرًا بسبب ازدراء الأديان.

 

وعلق جابر على الشد والجذب الحاصل فى قاعة المؤتمر واعتراض بعض المثقفين بحدة على كلمات المنصة قائلا:” إن ما يحدث الآن هو نتيجة للإحساس بالأزمة، وهذا الاحساس قد يتولد عنه ضرورة السعى للحلول العملية التى تخرجنا من هذه الأزمة”. نصار يرى أن المشكلة ليست فى النصوص لكن فى الوعى المجتمعى الحاضن لها موضحا أننا جميعا طرف من أطراف هذه الأزمة ليس السلطة وحدها منوها إلى أن من اسباب ذلك انسحاب الابداع المصرى على مدار سبعة عقود فى مواجهة هذه الأفكار التى فرضت علينا اليوم قيودا حقيقية متسائلا عن الوضع بعد عشر سنوات ان استمر هذا الانسحاب؟.

وفى الجلسة الثالثة والتى جاءت تحت عنوان “النظام القانونى الدولى لحرية الرأى والتعبير ومسئولية الدولة عن انتهاك هذه الحرية” تحدث الدكتور سعيد سالم جويلى عن حرية التعبير، وقال إن المجتمع الدولى اهتم بهما من خلال المنظمات الدولية الحكومية وغير الحكومية، وبدأ هذا الاهتمام منذ عام ٤٨ حيث وضعت النصوص التى تحث على الاهتمام بهذا الشأن، كما اهتمت به المواثيق الدولية والإقليمية، وفى عام ٦٦ أصدرت الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان الميثاق الافريقى العربى أيضًا اهتمامًا منه بهذا الشأن، وقال جويلى إن الحرية فى التعبير حق ضرورى لكل إنسان، فبها يستطيع التعبير عن واقعه، وبها أيضًا يمكنه الوصول للحقيقة ومضيفا أنه يعلم كما يعلم الجميع أنه ليس هناك حرية مطلقة لكن لا بد من وضع إطار قانونى لائق لتحديد تلك الحريات، وعلى الدولة أن تلتزم بالحفاظ على هذا الحق ورعايته من الانتهاك بعد وضع ذلك الإطار وإلا ستصبح مسئولة دوليًا وقانونيًا أمام المنظمات الدولية المعنية بذلك …

واستعرض الأستاذ حمدى الأسيوطى فى الجلسة الرابعة التى جاءت تحت عنوان “حرية الرأى والتعبير فى قانون العقوبات المصرى وتطبيقاتها القضائية مع إشارة خاصة إلى قضاء النقض” المواد التى تضمنها الدستور عن حرية الرأى وما تتربص به فى حزمة من القيود، وأكد أن دستور 23 قد نص على أن حرية التعبير وسيلة لتقدم المجتمع وركيزة من ركائز الديموقراطية، فإذا كان الدستور حرًا فضفاضًا والفرد مقيدًا مهيض الجانب كانت الحرية السياسية حبرًا على ورق، فالحكمة تقتضى كفالة حرية الرأى وتضمينها فى مواد الدستور وإظهار تعدد الآراء وتباينها حتى ولو كانت تلك الآراء خاطئة. وإن من الخطر فرض قيود على حرية التعبير لما يصد المواطن عن ممارستها، وأكد أن الحرية تمت ممارستها فى عصور عديدة، وذكر الشيخ على يوسف وعبد الله النديم حيث دافعا عن حرية الرأي، واختتم كلمته بأن إطلاق حرية الكتَّاب فى نشر أفكارهم من الأمم لحياة أفكار العامة باحتكاكها بأفكار العقلاء.

وفى نفس السياق تناول الحقوقى نجاد البرعى المصطلحات الفضفاضة كالاردراء أو إلاهانة أو غير ذلك وأشار إلى أنها لا تتناسب مع القانون او الدستور. موضحا أن القوانين تحتوى العديد من المفاهيم مثل جرائم الإهانة متروكة لتقدير المحكمة، إلى جانب قضية التكدير، لافتا إلى أن أى حديث يقال من الممكن أن يقع تحت هذه القضايا، وهى تهم متروكة للقاضى، فمثلا رواية أحمد ناجى متروكة للقاضى فمنهم من رأى أنها لا تخدش الحياء العام وآخر رأى أنها تخدش، وهذه مشكلة تتعلق بحرية الرأى والتعبير. ودعا نجاد البرعى، المجلس الأعلى للثقافة لعقد جلسات نقاشية بين المثقفين والأدباء والقضاة بالتعاون مع وزارة العدل، حتى يفهم القاضى كيف يفكر الفنان والمبدع.

واختتم المؤتمر بتوصيات أهمها أن حرية الفكر والتعبير مكفولة، وضرورة تفعيل الدستور واحترامه، وأن تكون هناك جلسات دائمة للنقاش ما بين المبدعين والقانونيين أو الدستوريين، وألا يؤخذ نص من الدستور على حدة بمعزل عن النصوص الأخرى.