بين حلم الحرية وقهر القيد: “خيط سعاد مردم السحري” بقلم : فاطمة على   كنت قد قرأت لـ«بيكيت» ما معناه «أن الإنسان يقص على نفسه حكايات ثم يحكى لنفسه ما

لوحة

بين حلم الحرية وقهر القيد: “خيط سعاد مردم السحري”

بقلم : فاطمة على

 

كنت قد قرأت لـ«بيكيت» ما معناه «أن الإنسان يقص على نفسه حكايات ثم يحكى لنفسه ما يريد وبينما الانسان يحكى تفقد الحكايات صفتها مع انها ما زالت كذلك.. بمعنى آخر لم ولن تجد أية حكايات وإنما كتب على الإنسان أن يحكى ما شاء بقدر ما تسعفه ذاكرته»..

والفنانة المتميزة سعاد مردم تستدعى فى لوحاتها فى عرضين متواليين العاب وأحلام بنات لوحاتها.. وقد أسمت عرضها الحالى المقام فى جاليرى الزمالك «الخيط السحرى» ليبلغ أعيننا نواح من حياة طفولة بنات لوحاتها البريئات.. والزائر لمعرضها حتما سيستشعر كم البراءة التى تقدمها الفنانة فى لوحاتها مجسدة فى الفتيات الصغيرات.. ربما قصدت من اختياراتها إجمالا ألا نصاب باليأس ونعانى الوحدة فى زمن شديد الوطأة استدعت منه الفنانة لمحات من البراءة لتجعلها فى مواجهتنا..

لذلك ربما يعمل الزمن الباطنى عند سعاد مردم داخل مدار زمن الطفولة على مدى عرضين.. رغم أن الزمن الباطنى لا نعرف له وجودا حقيقيا وكل ما نعرفه هو آثاره التى تدل عليه كلوحات سعاد الطفولية.. فكل منا يحمل فى جوفه او داخل خلاياه مؤشرا مثيرا يبدو لنا وكأنما هناك سحر داخلى يُحرك دوما حنيننا لماضى البراءة المفقود فنستدعيه دون أن نعرف أين يقع حنينه ورغبة الاستدعاء داخلنا.. وعند سعاد قد لا أقصد بتصورى ساعتها البيولوجية الآنية لكنها تتمتع بقدرة استدعائها لساعات زمنية مضت من زمن الطفولة وتستحضرها فى غير زمنها كأنها تسرق من الحاضر لأجل الماضى.. أو أنها تجد روعة المراوغة مع الزمن والتعامل معه – كمونتاج متوازٍ – بين الحاضر والماضى وقدرة استحضاره ليراه الآنى.. فهل تعمل سعاد مردم على بعث بيولوجى للزمن ان صح التعبير..؟ الفنانة سعاد تُجيد صادقة أن تعيد علينا بوسيلتها الملونة حكاياها التى سمعتها او مارستها طفلة لتنتجها وتكررها فى زمن مختلف وبمنظور إبداعى له دلالته الرمزية أكثر من كونها ترسم فتيات جميلات مُحملات بالبراءة.. وهذه القصص وفتياتها هن وسيلتها لتحويل الماضى الى حاضر والمتباعد الى قريب واللامرئى الى مرئى فهى لا ترسم شيئا قدر رغبة استحضار ذلك الشىء أمام أعيننا بدلالاته المختلفة والمتناقضة.

ومؤخرا ظهرت علاقة فى غاية الرهافة بين فتيات لوحاتها وخيوطهن على اختلاف الاستعمال والإشارة إلى الدلالة الضمنية فى تجانس جميل خاصة فى لوحات ارتبط فيها الخيط فى منتهاه بزهرة أو وردة جميلة.. أو بالفتيات الصغيرات المعلقات بخيوط تحريك عرائس الماريونيت بما حملته من دلالة ارتباط مصيرهن قهريا بالقيد أو التحكم فى مصيرهن من الغير.. وكذلك الطيور المربوطة أطرافها بخيوط كالقيد فى يد الفتيات.. وفى هاتين اللوحتين الأخيرتين جعلت الفنانة الخيط ليس وسيلة لعب أو ذى دلالة سحرية بل جعلته يحمل انطباع مهمته قاسيا فى أيد من البراءة.

مجموع لوحات معرض الفنانة سعاد تحمل أمام أعيننا فى نفس الوقت الحلم والحقيقة.. لكن بالتأمل نذهب لأبعد من ذلك لتصبح خريطة عقل يحلم بطفولته.. فتقدم الفنانة متتاليات بصرية نفسية عبر اللوحات فى مقاطع لمواقف لتطرح بإلحاح دلالات عدة للخيط أما شديد الرقة «الزهرة» أو القسوة «الماريونيت والطيور» فالخيط عند الفنانة يخترق سطح اللوحة ويكسر تعويذة السطح الساكن بين مدارين للحلم أحدهما سحرى مُحمل بالأحلام وبين خيط أشبه بالسلك الجارح لمدار الحلم بالحرية أو حرية الحلم.. ومن لوحات معرضها نجد مدارى عمل خيط سعاد السحرى يدوران فيما بين حلم الحرية.. وقهر القيد.

 

نقلا عن العدد الورقي رقم 817 بتاريخ الثلاثاء 1 مارس 2016