عز الدين نجيب : العمل الثقافى لن ينجح إلا بتحويل الجماهير إلى شركاء حوار – رشا حُسني   أكثر من نصف قرن قضاه الدكتور عز الدين نجيب مهموما بالبحث عن

83

عز الدين نجيب :

العمل الثقافى لن ينجح إلا بتحويل الجماهير إلى شركاء

حوار – رشا حُسني

 

أكثر من نصف قرن قضاه الدكتور عز الدين نجيب مهموما بالبحث عن الحلقة المفقودة فى علاقة الناس بالثقافة فهو منذ مطلع شبابه يؤمن بأن الثقافة حق أصيل للشعب بل هى ضرورة لخلق الوعى ومد جسور التنوير.

كان فاعلا فى التجربة الرائدة التى أسست للثقافة الجماهيرية منذ انطلاقها على يد سعد كامل فى عام 1966 ونجح خلال عام ونصف العام فى تحويل “كفر الشيخ” التى كانت منفى الموظفين المغضوب عليهم إلى قبلة للمبدعين ورغم انتهاء التجربة سريعا لم يتوان عن تكرارها بشكل مختلف فى أواخر السبعينات حيث نجح مع فريق من المبدعين فى تحويل “محو الأمية” إلى عملية تنوير شاملة وكانت النتيجة المفجعة لنجاحه وتفاعل المجتمع معه اعتقال زملائه ومصادرة كتاب “محو الأمية”!!

وبرغم النهايات المأساوية للمشروعات الثقافية التى تبناها واعتقاله عدة مرات لم يتوقف نجيب عن الإبداع ما بين الكتابة الأدبية والنقدية والفن التشكيلى ولم يتخاذل عن دوره تجاه المجتمع ولا يزال يحلم بازدهار جديد للثقافة الجماهيرية عبر مشاركته فى وضع استراتيجية يطرحها قريبا فى مؤتمر تعقده “هيئة قصور الثقافة” أملا فى تحقق ذلك الهدف.

هنا نستعيد معه محطات مهمة فى تجربته مع “الثقافة الجماهيرية” ونستعرض جانبا من رؤيته لإنقاذها.

> برغم تحققك على المستوى الإبداعى عبر الكتابة والفن التشكيلى فى مرحلة مبكرة من العمر بدت تجربتك مع الثقافة الجماهيرية فى كفر الشيخ الأكثر إضاءة بين مثيلاتها.. كيف وجدت صيغة تصل المجتمع بالثقافة؟

– قبل أن أخوض تجربة كفر الشيخ كنت قد بدأت العمل منذ تخرجى فى عدد من قصور الثقافة بمدن أخرى كاخصائى فنى وعشت أزمة العمل الثقافى وسط الجماهير مبكرا جدا وكنت قد أصدرت أكثر من كتاب وأقمت معرضا، كان من الممكن أن اكتفى بالابداع وأتحقق فيه لكن منابعى الفكرية دفعتنى منذ وقت مبكر للالتحام بالجماهير، لولا أهلي،بلدي، مجتمعى ما استطعت أن أكون هذا المبدع؛ ثمة مسئولية اجتماعية واخلاقية تجاههم حتى قبل أن يكون لى منظور سياسى ثورى أو يساري.

بدأت فى كفر الشيخ وأنا مهيأ بتجربة سابقة لكنى وجدت الواقع هناك أسوأ بكثير من كل ما عشته من تجارب سواء فى الاسكندرية أو أسوان أو بورسعيد.. فى كل هذه المواقع كنت أشارك فى مرحلة التأسيس أما فى كفر الشيخ فلم يكن هناك أصلا مبنى مخصص لقصر الثقافة، شقة بائسة طلبوا منا تقاسمها مع هيئة الاستعلامات دون إمكانيات وبلا ميزانية. كان هذا الوضع كافيا لأعتذر عن هذه المهمة لكن سعد كامل الذى كان مديرا عاما للثقافة الجماهيرية أعطانى درسا عندما قال لي: كيف تهرب من أول تجربة ..هل يهرب الجندى من الميدان؟ كلماته تلك أثرت فى جدا وجعلتنى أصر على المواجهة بشعار أكون أو لا أكون.

وقتها كان محافظ كفر الشيخ هو المؤرخ العسكري،أحد الضباط الأحرار جمال حماد وكانت له اهتمامات بالشعر والرواية، احتضن التجربة وطلب منى فى البداية أن أتعرف على البلد وأحدد الاحتياجات، بالفعل تعرفت على مجموعة من الشباب كونوا فرقة مسرحية جوالة من الهواة، شعرت أنى وجدت كنزا وأن هؤلاء الذين سأبنى بهم “القصر” فهم شباب طموح بلا مطامع محبون للفن، وبالفعل تم ندبهم من وظائفهم المختلفة للعمل فى القصر كنا جميعا فى سن متقاربة ووافق المحافظ ايضا على تخصيص مكان بديع للقصر به حديقة واسعة كان فى الأصل استراحة للقصر الملكي.

http://alkahera.co/wp-content/uploads/2016/02/713.jpg

> كيف أقنعتم الأهالى بالمشاركة والتفاعل معكم فى الأنشطة الثقافية رغم صعوبة أوضاعهم الاجتماعية؟

-كان هناك عطش للثقافة وفى الوقت نفسه مناوءة من أعضاء “الاتحاد الاشتراكي” حيث اعتبرونا قادمين لـ”بلشفة” البلد، لم يحمنى سوى حماد ووزير الثقافة د. ثروت عكاشة الذى اختارنى لهذه المهمة كانت مخاطرة أن يضع أمله فى الشباب لقيادة تلك التجربة فى شتى أنحاء مصر، وتحقق خلال سنتين ما لم يتحقق من قبل عبر”الجامعة الشعبية” الـتى أسسها أحمد أمين بعد ذلك .

حولنا القصر إلى منصة ننطلق منها إلى المناطق المحرومة التى تعيش وراء التاريخ، اكتشفنا حالة من القهر الحقيقى والاقطاع الذى كان يزال موجودا رغم قانون الاصلاح الزراعي، كان هناك احساس بانعدام الثقة بأى جهاز حكومى . أول شيء فكرت فيه أن أدخل لهم من مدخل أنى جئت لأسمعكم لا لكى أعلمكم وأثقفكم، ولأول مرة أمسك أهالى القرية بالميكروفون وتحدثوا بكل حرية عن همومهم.

استطعنا أن نوفر بجهود ذاتية سيارة كانت متكهنة منذ الحرب العالمية، عملنا لها عمرة على نفقة المحافظة لنطوف بها القرى ومعنا، آلة عرض سينمائى، مسجل ومكتبة من 100 كتاب فى كل قرية نزورها نختار مجموعة من الشباب المحب للقراءة ليكونوا “جماعة اصدقاء قصر الثقافة” ونترك معهم الكتب لتبادلها مع مجموعة أكبر من أهل القرية وفى الزيارة القادمة نأخذ الكتب مرة أخرى منهم ونترك لهم مجموعة جديدة من الكتب وهكذا أسسنا للمكتبة الدوارة وأصبح لنا “وتد” فى كل قرية، يمثلهم شباب القرية، هذه الروح أغرت كثيرا من القرى لتبادر وتطلب منا زيارتها وإقامة أنشطة بها من هنا تحولت الثقافة لأول مرة إلى مطلب شعبي، صحيح هى احتياج موجود لكن اكتشافه يتطلب وعيا.

>ما الرسائل التى حملتها كلمات من تعودوا الصمت؟

-كلام الصامتين كان أنينا وشكوى مرة واحساسا بالظلم وسط واقع بائس لا يحقق لهم الحد الأدنى من المعيشة، شكوى من عدم أمانة الوسطاء بينهم وبين الدولة سواء من مسئولى الحكومة أو من الاتحاد الاشتراكى أو رؤساء الجمعية الزراعية ..كان الأهالى فقط يريدون من يسمعهم .

قمت بعد تسجيل تلك الشكاوى بتفريغها كتابة و توجيه كل شكوى للجهة المختصة . أحدثت تلك الخطوة رد فعل واسعا وشعر الناس أن صوتها وصل للسلطة وهو ما أثار قلق جانب آخر فى السلطة.

لكن هذا الدور كان سياسيا؟

– مهمتنا كانت استعادة ثقة الجماهير، فتح ثغرة للدخول إليهم حتى لا تتحول الأنشطة الثقافية إلى حالة ترفيهية عابرة؛ هدفنا لم يكن فقط أطفال القرية الذين تجمعوا فرحين بوجودنا، أردنا جذب الشباب الذين يشكلون الرأى العام لنزرع الوعى بينهم بعد أن منحونا الثقة ووجدوا أن صوتهم وصل للمسئولين تغير منظورهم لنا وسمحوا لنا بدخول بيوتهم.

> هل هذه المبادرات كانت مستمدة من تجارب دول أخرى أم ذاتية تماما؟

– حتى ذلك الوقت لم أكن أعرف ماذا يعنى “قصر الثقافة”، بالفطرة والوعى وقراءة الواقع الريفى والاحساس به خاصة أنى من اصول ريفية، وشجعنا نجاح الخطوة الأولى على المتابعة فبدأنا بلا ميزانية وأقمنا عروضا مسرحية بلا تكلفة.

لكن برحيل حماد عن منصبه وتولى ابراهيم بغدادى المحافظة بدأت المشاكل؛ جاء بغدادى منفيا من المنوفية إلى كفر الشيخ التى كانت وقتها منفى للموظفين ..لم يتخيل أحد أن يتحول هذا المنفى بالنسبة لى إلى قبلة يرتادها الأصدقاء من الشعراء والفنانين والمطربين كانوا يتسابقون لمشاركتنا الانشطة : صلاح جاهين، خالد محيى الدين، خالد محمد خالد، أنيس منصور، عبد الرحمن الأبنودي، سيد حجاب؛ لأول مرة المثقفون يعيشون تجربة الشعب مباشرة دون وسائط إعلامية.

> لماذا لم تحاول اللجوء لوزير الثقافة ؟

– بغدادى حاربنى حربا ضارية ووجه لى اتهامات سياسية ووصل الأمر لدرجة أنه قال: “أنا أو هو فى كفر الشيخ”. وزير الثقافة تمسك بى لكن وقتها كان النظام كله يمر بأزمة ما بعد 1967 وإعلان بيان 30 مارس الذى أعلن فيه عبد الناصر استفتاء الشعب على إجراء تغيير شامل فى الأوضاع، الغريب أن الرئيس كان يطلب من الشعب أن يقول رأيه ويسانده وهو نفسه الاتهام الذى استبعدت بسببه.

فى تلك الفترة كنت قد عشت أجواء النكسة هناك وفوجئت فور إعلان عبد الناصر التنحى بآلاف الأهالى يتوافدون على القصر ويطالبون بتوفير وسائل مواصلات تحملهم إلى القاهرة ورغم أن المبنى المقابل للقصر كان مقرا للاتحاد الاشتراكى لكنهم لم يتجهوا إليه، الناس لجأت للمكان الذى تثق به وكانت تلك هى الرسالة التى فهمها النظام لذا رفض فض هذا الاعتصام.

للأسف بعد أن أخذ عبد الناصر الضوء الأخضر من الشعب والموافقة على التغيير تم استبعادى وهذه معضلة النظام الذى يريد الشعب لكن لا يحقق ما يريده هذا الشعب.

> الأهداف تبدو متفقة مع سياسة الدولة وإيمان عبد الناصر بقيمة الشعب.. لا أفهم كيف ترك التجربة تنهار؟

-كانت هناك أطراف مناوئة عبر عنها عبد الناصر بـ”مراكز القوى” وكان هناك مقاومة شديدة من أطراف عديدة، النظام الاقطاعى القديم موجود وإن غلف نفسه بشعارات النظام الجديد فى الوقت نفسه كان ثروت عكاشة يقوم بدوره برؤية بعيدة النظر فاتجه أولا لتأسيس بنية أساسية للثقافة من خلال إنشاء المسرح والثقافة الجماهيرية، الفنون التشكيلية، المتاحف، الآثار، مدينة الفنون، إدارة الفنون الشعبية حيث كان عكاشة سابقا لعصره فى الإيمان بأن الثقافة ليست فقط هى الرسمية التى تدرس فى المعاهد وإنما أيضا ثقافة الشعب وفنونه.

كانت هناك حالة توهج رغم قصر الفترة التى تمت فيها التجربة وتنافست الفرقة المسرحية التى كوناها فى القرية على المراكز الأولى على مستوى الجمهورية كما تعاونت مع خبير رومانى اكسندر فيبيرو أقام عدة شهور جمعنا خلالها المأثورات الشعبية. الخبير الرومانى طبع من الاسطوانة مئات الآلاف تعد من أهم مصادر الفولكلور المصرى فى العالم.

> ومتى أسدل الستار على التجربة؟

– فى مايو 1968 جاء اليوم التاريخى الدرامى الذى انتهت به التجربة؛ كنا فى قرية مطوبس وضاق بنا النظام فمنعوا إقامة النشاط الذى كان يتضمن إلقاء شعر وعرضا مسرحيا وعرضا سينمائيا وحوارا مفتوحا، استدعانى قبلها وزير الداخلية شعراوى جمعة أكثر من مرة وهددنى قال لي: لولا أنهم منعونى من اعتقالك كنت سجنتك فورا.

عدت إلى الفنون التشكيلية ولكن الشيء الذى يسعدنى حتى اليوم أنى ما زلت أرى مواهب ولدت وتألقت خلال تلك التجربة منهم الشعراء والنقاد والتشكيليين وكلهم يقولون أنهم كانوا يخرجون من المدرسة إلى القصر.

>هل ترى أن تلك اللحظة كانت بداية انهيار الثقافة الجماهيرية؟

-لا.. فقد تمكن سعد الدين وهبة من استعادة ازدهار الثقافة الجماهيرية بعد فترة انتقالية قصيرة قادها فيها د. عبد الحميد يونس.

بدأ وهبة بتكوين كوادر للعمل الثقافى عبر معهد إعداد القادة وكان فاعلا فى بدايته لكنه تحول بعد فترة لأداة روتينية يقبل عليها الموظف بهدف الترقية لا التدريب.

تجربة وهبة كانت امتدادا للتجربة الأولى التى قادها سعد كامل واستمرت بقوة الدفع حتى بدأ الانهيار بعد ذلك بفترة.. تقريبا أواخر السبعينات اختلف الوضع تماما وأصبحت قصور الثقافة مخزنا للموظفين وإرضاء المسئولين الراغبين فى تعيين أقاربهم،وأسوأ فترة تم فيها هذا التخريب بحشد من لاعلاقة لهم بالثقافة فى “هيئة قصور الثقافة” كانت فترة الوزير فاروق حسنى الذى بقى فى السلطة لما يربو على 20 عاما.

> تعرضت للاعتقال 3 مرات فى أزمنة مختلفة أعوام 1972، 1975، 1997، لكنك رغم ذلك لم تمتنع عن أداء دورك تجاه تثقيف المجتمع.. ما الدافع وراء ذلك؟

-كنت مدركا تماما أن هذه ضريبة الاختيار؛ لم أكن مرغما فى الدخول للثقافة والعمل العام وصفوف المعارضة، بالتالى عندما أعاقب على ذلك لا أشعر بالقهر الداخلى ورغم مرارة السجن لم أسمح له أن يدخل فى أعماقى اعتبرت دوما أنى محمى بطبقة خارجية الفنان الكاتب المؤمن برسالة بقى داخلى كما هو.

ما ساعدنى على الاستمرار أيضا أنى كنت أجد منافذ فريدة للعمل، ففى عام 1978 قمت بتجربة أخرى فى 8 قرى بالدقهلية تابعة لمركز برج نور الحمص من خلال وزارة السكان التى تبنت مشروعا تنمويا به مشروع ثقافى كنت مسئولا عنه، أخذنا فريق من شباب المسرح وآخر لمحو الأمية لكن هذه التجربة بدت أكثر صعوبة حيث كان الأهالى قد فقدوا الثقة تماما بكل غريب يشبعهم وعودا ثم لا يظهر مرة أخرى، لدرجة أن أهل القرية تركونا وحدنا فى المسجد وقاطعونا. وبعد فترة بدأنا فى اكتساب ثقتهم وأقنعناهم بأن عليهم أن يبدءوا هم أنفسهم بالتغيير فكونوا فريقا من المتعلمين بقراهم لمحو الأمية وشاركوا فى الكتاب الذى يروى كيفية قيامهم بهذا الدور مع أقاربهم.

كانت تلك دائما هى فلسفتى فى العمل الثقافى كيف نجعل الناس شركاء وليسوا مجرد متلقين. كلما تنجح تجربة أحس بأن الأمر يستحق حتى عندما اعتقل فى التجربة الثانية المخرج المسرحى عباس أحمد ومدير مشروع محو الأمية حسن شعبان وكنت أيضا مطلوبا للاعتقال وتم مصادرة كتاب محو الأمية، مثّل ذلك حالة فريدة كان المنهج ( اقرأ أعرف- أتقدم) الكتابة هى التى ستجعلك تعرف أسباب قهرك وتخلفك وتدفعك للتقدم وشارك فى مادة الكتاب المنسى قنديل والشاعر سمير عبد الباقى وبشير صقر.. قدموا مادة شيقة كتبت بحروف كبيرة ساعدت فى تعليمهم القراءة فضلا عن ارتباط المواد الأدبية بحياتهم اليومية.

كان هذا يجعلنى أدرك أنه طالما أثارت التجربة قلق النظام إذن فهذا هو الطريق الصحيح.

>لماذا اختفى المثقف الموسوعى المتفاعل مع مجتمعه ؟

-منذ منتصف السبعينات تقريبا بدأ كمون المثقف، ارتد إلى قوقعته من شدة المعاناة والقهر واحساسه بالعزلة والتهميش من جانب النظام فضلا عن الاعتداء على الحريات وجدار عال من الأمية مما فجوة ثقافية كبيرة.

أغلب المثقفين يعيشون فى كوكبهم الخاص الذى يتحققون من خلاله ولكى يتحقق المثقف من خلال الشعب لا يجد أمامه طريقا إلا بالكتابة للتليفزيون وهناك من نجح فى ذلك وتميز فيه مثل الراحل أسامة أنور عكاشة وسيد حجاب وكذلك الأبنودى الذى ظل متواجدا بين الشعب لكن أغلب المشتغلين بمجالات الابداع الأدبى والفن التشكيلى على وجه الخصوص نخبويين فضلا عن أزمة الثقة بينهم وبين اى نظام خاصة فى فترتى السادات ومبارك وهو ما حوّل بعض المبدعين نحو التجريب وبرز ذلك فى الفن التشكيلى خاصة بعدما أغدق وزير الثقافة آنذاك فاروق حسنى على “صالون الشباب” بسخاء عبر الجوائز والمنح.

كل ذلك أدى لتراكمات العزلة بين المثقفين والجماهير وتزامن مع تحول “الثقافة الجماهيرية” إلى ديناصور بلا عقل.. تضخم عدديا بلا رؤية وأسهم فى ذلك المبانى الرهيبة التى انتشرت بميزانيات ضخمة ولا يرتادها إلا الموظفون من هنا انقطعت السبل ما بين الجماهير وبين الثقافة.

طوال هذه الفترة منذ منتصف السبعينات حتى اليوم أستطيع أن أقول باطئنان أنه لا توجد استراتيجية للعمل الثقافى.. الدولة باعتبارها هى الراعى الذى يقيم الأجهزة وتنفق عليها لم تحدد ماذا تريد من الثقافة ومن الشعب بالنسبة لها من المستهدفون من الثقافة؟ اتضح ان الجماهير خارج القاهرة والاسكندرية خارج الحسبة أصلا.

>حتى بعد الثورة؟

-الاهتمام فوقى وليس جذريا، لا يشخص المشكلة فى العمق ليحدد حلا لها، الجهاز أصبح معوقا، هذا الزحام يسبب أزمة إضافية .نحن فى حاجة لثورة ثقافية بدءا من وضع استراتيجية وانتهاء بإعادة هيكلة وزارة الثقافة وعلى رأسها الثقافة الجماهيرية وأن تكون ثقافة الشعب هى الإطار الذى نسير عليه نتتبع كيف يبدع الشعب كيف يحكى قصصه ويروى أشعاره؟

نجاح العملية الثقافية بهذه الرؤية يمثل خط الدفاع الأمامى للعقل المصرى والأمن القومى، بما يحصن الفرد والجماعة ضد التطرف والتعصب والإرهاب والطائفية، ويشيع الفكر التنويرى الداعم للعقل النقدى والممارسة الديمقراطية والمشاركة المجتمعية إضافة إلى تأسيس الذائقة الجمالية وتأصيل القيم الأخلاقية.

> من الذى يضع ملامح هذه الاستراتيجية.. هل هى مهمة المثقفين؟

– بالتأكيد يجب ان يشارك المثقفون وعلى رأسهم اصحاب الخبرة قمت بمبادرة فى هذا الاتجاه وكتبت صيغة لاستراتيجية نقدمها فى مؤتمر تنظمه الهيئة العامة لقصور الثقافة قريبا لكن الأهم من وضع الاستراتيجية وتخصيص الميزانيات والهيكلة أن تتوافر الارادة لدى الدولة نحو التغيير. حتى الآن لا أرى ذلك فقد كتبت وكتب عشرات غيرى مقالات واقاموا مؤتمرات لكن لا حياة لمن تنادى .

النظام الذى يحكم كل الجهات قائم على اختيار أهل الثقة دون الإقبال على مغامرة التغيير، مثلا عندما كان د.جابر عصفور وزيرا للثقافة شكل لجنة من أهم الشخصيات المهتمة بالثقافة الجماهيرية لكنها لم نلتق إلا فى اجتماع واحد ثم تم “ركن” الموضوع بعد تغيير رئيس الهيئة أكثر من مرة وهناك لجان عديدة فى جميع المراحل لم تصل إلى شيء.

عندى إيمان أن الثقافة هى الثقافة الجماهيرية ولن تخرج من أزمتها إلا بعد إنشاء وزارة بهذا المسمى فلسفتها: الثقافة للشعب، المؤسسات التابعة لوزارة الثقافة لاتصب فى هذا الهدف بل تكتفى بالعواصم ولا تخدم إلا النخب أو الفئات الاجتماعية التى لها علاقة مباشرة بالثقافة.

الثقافة للثقافة شعار خاطئ فهى يجب أن تكون للتغيير، تبنى وعيا ينير العقول ويغير الواقع يؤمن بقناعات جديدة للتغيير نحو الأفضل بالاستعانة بخبرات الشعوب التى سبقتنا فى المجال الثقافى وكيف يتكامل مع العمل السياسى وعلاقته بالديمقراطية، بناء على ذلك نفصل الاستراتيجية عبر مسارات تحدد أولا ماذا نريد ثم ننتقل للبحث عن من هو القادر على تنفيذه.

أما عن بعض الأصوات التى تتحدث عن ضرورة أن يكون العمل الثقافى موكلا لمؤسسات المجتمع المدنى فهؤلاء ينسون ان مصر دولة مركزية لو فتح المجال فيها بشكل عشوائى سوف يتحكم من يملك المال وسيوظف العمل الثقافى لأهدافه الخاصة فى حين أن دولة ديمقراطية مثل فرنسا بها وزارة ثقافة قوية لها اعتمادات مالية ضخمة وتعتبرها الدولة شريكا فى التنمية البشرية .

“الثقافة ضرورة”كما يقول الدستور وهى حق لكل المواطنين بمعنى ضرورة تحقق عدالة توزيع الحقوق الثقافية، ولن يتحقق ذلك إلا بوضع استراتيجية وتوافر الإرادة لتطبيقها.