في جاليرى بيكاسو.. الرزاز.. و”طيف الفرس” د. إيناس حسني   مصور وجرافيكى ونحات فضلا عن كونه ناقدا فنيا معروفا.. هذا هو الفنان «مصطفى الرزاز».. أعماله محرضة على السكون والتأمل.. فى

الفنان مصطفى الرزاز

في جاليرى بيكاسو.. الرزاز.. و”طيف الفرس”

د. إيناس حسني

 

مصور وجرافيكى ونحات فضلا عن كونه ناقدا فنيا معروفا.. هذا هو الفنان «مصطفى الرزاز».. أعماله محرضة على السكون والتأمل..

فى أعماله شواهد كثيرة تمزج بين رسوم المخطوطات الإسلامية، وجماليات الفن الشعبي، بين ولعه فى التعامل مع الكتل وعلاقاتها بما حولها من فراغ، والأشكال الملونة والمرسومة على مسطح الورق أو «التوال». وكذلك افتنانه بالأساطير والحكايات الشعبية التى يحولها فى لوحاته إلى ما يشبه الأيقونة، والتى يتعامل معها بأسلوب يتعدى الرصد والتسجيل، إلى نوع من الاحتفاء الطقسى بهذه الصور الغائرة فى الذاكرة والثقافة البصرية للمجتمع.

سيرة.. ومسيرة

نشأ «مصطفى الرزاز» فى أسرة ميسورة الحال.. حيث كان يعيش فى بيت كبير، يمتلك فيه منذ الصغر حجرة كبيرة أشبه بشقق هذه الأيام.. كان لها باب يفض إلى الخارج، كان يخرج ويدخل منه دون رقابة من الأهل، فنشأ منذ الصغر بجناحين، يحلق بهما ويطير بمطلق الحرية.. من وقتها وهو يعيش حرا طليقا، من وقتها وهو لا يستطيع التنفس إلا فى جو من الحرية، وهذه أول شروط الفنان لكى يكون فنانا، ومن هنا بدأ الفن يتملكه.. وبميوله إلى الرسم، تلمس الطريق وحده إلى عالمه.. وذلك عن طريق القراءة والاطلاع فى المجلات الثقافية التى كانت تصدر آنذاك.. فى نهاية الأربعينات وبداية الخمسينات.

وفى السنة الثانية بكلية التربية الفنية بالزمالك تعرف على الفنان «سعد الخادم»، وهو علامة فى الفنون التشكيلية الشعبية فى مصر، وكان مهتما بالمخطوطات ذات الطابع الفطرى الخالية من الحذلقة والألوان، ومنه اكتسب هذه النظرة، حيث تابع مخطوطات دار الكتب المصرية ذات الطابع الشعبي، وأخذ ينقب فى النصوص التى لها علاقة بالفن أو الحرف الشعبية..

يعد «مصطفى الرزاز» أحد أهم رموز الحركة التشكيلية المعاصرين، درس الفن فى كلية التربية الفنية ثم حصل على منحة دراسية فى أوسلو عام 1974، كما حصل على درجة الدكتوراة من جامعة نيويورك العام 1979، وتقلد مناصب عدة منها أستاذ التصميم فى كلية التربية الفنية وعميد لكلية التربية النوعية العام 1989/ 1996. وشغل «الرزار» منصب رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة لقصور الثقافة، والمستشار الفنى لمكتبة الإسكندرية ومستشارا لوزير الثقافة، وغيرها، وله الكثير من المشاركات فى المعارض المحلية والقومية والعالمية، وهو عضو أساسى فى الكثير من المحافل الفنية العالمية على مستوى التحكيم والنقد والتحليل. لم تمنعه تلك المناصب لحظة من ممارسة شتى أنواع الفنون التشكيلية والأدبية وذلك لأنه يرى أن العمل الفنى به جزء كبير من التنظيم والتدريب، والانشغال اليومى فى مسائل من هذا النوع يعيد تنظيم الأشياء داخل الفنان، على الفنان أن يعيش الحياة بشكل حقيقى وأن يعى تجاربه الحقيقية..

وشارك فى تأسيس جماعة «المحور» الفنية، وهو فنان يتميز بغزارة وتنوع الإنتاج حيث التصوير والحفر والنحت والخزف والبنايات الجدارية المتنوعة الخامات.

الخيول ومدلولها

الخيول التى يستحضرها فى أعماله، تنبش فى المخيلة عن صور ذهنية لعنترة، وسيف ابن ذى يزن والزير سالم، وغيرهم من أبطال السير الشعبية. صورة الطائر التى تتكرر وتربط بين مئات الأعمال التى أنتجها «الرزاز» عبر تجربته منذ بداية ستينات القرن العشرين وحتى اليوم، تشبه نوعا من الرابط الغامض بين ثقافات بصرية مختلفة ومتعددة مرَّت على مصر، وترك كل منها أثرا ما امتزج بعرق وكفاح المصريين منذ آلاف السنين وحتى اليوم. منحوتات «الرزاز» هى الأخرى أشبه بالرسم فى فراغ الزمن.

تجربة إبداعية مختلفة

منحوتات مسطحة تتشكل عبر خطوط كثيرة متعرجة وملتوية تشكل فى النهاية تلك الصور المجسمة المقتطعة على نحو ما من اللوحة، لكنها دون لون. نماذج مختلفة من تجربة «مصطفى الرزاز»، يعرضها حاليا فى قاعة «بيكاسو» بالزمالك، تحت عنوان «طيفُ الفرس»، وهو عنوان يتناسب، مع طبيعة الأعمال المعروضة.. ويستمر المعرض حتى يوم 10 مارس 2016.

يضم المعرض ٦٤ لوحة و٢٥ تمثالا من البرنز.. قدم «الرزاز» مجموعة متميزة من أعماله الفنية التى تنوعت بين التصوير والنحت حملت جميعها صياغات متنوعة لعلاقة الفنان بالخيل ورؤيته الفنية لهذا المخلوق الجميل وعالمه مع إسقاطات وربطٍ واعٍ بموضوعات ومفاهيم تنتمى للموروث الشعبى المجتمعى من خلال لغة فنية ومفردات وأسلوب مُبدع وسلس.. تجربة جديدة تقوم على الإحساس بالحركة والتشكيل والخط بالبرنز..

يضم المعرض تجربة إبداعية مختلفة، وفكرة تحمل تحديا لمفهوم المتعارف عليه فى العروض الفنية، بالإضافة لمجموعة متميزة من أعمال النحت.

وقد أبدع «الرزاز» بطاقة إبداعية وخيال وحساسية شاعر، أعمالا تتعذر على الوصف لما لها من خصوصية فريدة.. قدم استعراضا تراكميا ونوعيا لخبرته وتنويعات تقنياته المختلفة والتى أيضا اكتملت بالنحت إلى جانب التصوير.. لوحاته تتميز بنعومة شديدة، مفعمة بالطاقة اللونية..

فى لوحات «الرزاز» الملونة ندرك الملمس ناعما.. لنجده فى لوحاته الجرافيكية متنوع الملامس وخشنا وبأحجام أصغر كأن الفكرة تنكشف مع صغر الحجم فتخشن وتزداد حضورا.. رغم أنها بنفس مفردات لوحاته التصويرية.. نفس العالم.. نفس المشاهد..

تراكيب سريالية

«الرزاز» مولع بإحداث التأثيرات البصرية عن طريق تركيب أشكال على مسطحات متتالية إلى داخل اللوحة.. حيث الصورة أو المشهد لا يؤلف موضوعا متكاملا بحد ذاته بل هو جزء مأخوذ من نسيج اللوحة دون أن يترك عناصره سجينة أو متقولبة فى المشهد داخل اللوحة وهذا الامتداد البصرى الذى يساعد المتلقى أن يتخيل ما فى اللوحة، وعبر مستويات متتالية وأحيانا متداخلة يتناسب تماما والعمق التاريخى للثقافة الشعبية بمفرداتها التى أوجد لها «الرزاز» مسميات خاصة أقرب للتركيب السريالى ولتصبح أعماله حلقة انتقالية فى المفهوم البصرى للفن الشعبى المصري.

إنها قمة الدراما الإنسانية التى جسدتها ريشته وعبرت عنها بكل أبعادها وتحدياتها وتناقضاتها.. خلال باليتة لونية غزيرة ومتوهجة ومع ذلك فهى تعكس حالة من البؤس والشقاء.. ومدى تعاطف وخبرة الفنان فى تناول هذه القضية وبهذا الحجم وتلك القوة والتفاعل.

وتتصاعد إيقاعات لوحاته وتماثيله، وهى تعبر عن حالة الدفء والحب والود التى يتسلح بها أبطاله رغم المشقة والصعاب التى تواجههم منذ إشراقة نور الصباح الأولى وحتى تلاشى الرؤية ونشر وحشة ظلمة الليل الداكن.

إن تبنى «الرزاز» لهذا العالم الفريد وبهذا العمق والتمكن هو مكسب كبير.. خاصة أنه فنان وناقد وأستاذ جامعى له تاريخه وبصمته فى حياتنا التشكيلية والفكرية.

تتصف أعمال «الرزاز» بسمات دالة على بصمته الفريدة، وشخصيته الطاغية فى مقدمة هذه السمات.. البهجة، فأعماله توفرت لها القدرة على أن تزيح عن الصدور هموما وتبعث البسمة. وعلى الرغم من تمكن «الرزاز» من صنعته، تصويرا ونحتا – رسما – وحفرا – إلا أنه لا يترك للصنعة أن تقوده، بل هو من يقودها..

حواديت.. وحكايات من العقل الباطن

فأعمال الرزاز متنوعة من فن شعبى عن طواعية واختيار، وتفرز الحواديت والأساطير والحكايات التى يحتويها (العقل الباطن) شتى التحولات التلقائية والوجدانية وتستلهم (الجذور) استلهاما صادقا فالذراع على سبيل المثال تصبح سيفا مشرعا، والجسم الإنسانى يتحول إلى طائر، والطائر يتحول إلى نبات وشجر، ووجه الإنسان يشترك مع وجه الطائر، ولك أن تتخيل كم من الرؤى تلك التى سيراها الإنسان بعين الطائر ويحكى عنها ليس باللون والخط فحسب بل أيضا بشتى وسائل التعبير الأخرى. فلا شيء فى العلاقات التشكيلية للرزاز ينبئ مباشرة وعلى وجه التحديد بمعان بعينها ولكن على المتلقى أن يدخل فى حوار مع اللوحة، والعلاقات فى لوحاته كلها تتفتح على دلالات قد تكون وقد لا تكون ولكن اللوحات كلها تتشكل بذلك الحس الذى نجده فى الفن الشعبى تنادى المتلقى وتدعوه إلى أن يشاركها ما فيها وما ليس فيها.. فالحركة فى أعمال «الرزاز» موجودة على الدوام، حتى لو كانت مضمرة والذى يزيد من تأكيد الشعور بذلك لدى المتفرج (الخطوط الانسيابية) فى التصميمات. وقد ندرت أيضا الخطوط المستقيمة والزوايا الحادة ويميل، على العكس من ذلك إلى الرشاقة والإيقاعات الموسيقية التى تحققها ليونة الخط وشاعرية الألوان..

يعُد المعرض، فكرة تحمل تحديا لمفهوم المتعارف عليه فى العروض الفنية، حيث أبدع الفنان توليفة لجميع أعماله التى ربما تختلف فى الأسلوب والتقنية والمجموعة اللونية.. شكلت به سطوح اللوحات والمنحوتات مساحات متفردة فى جماليات التشكيل والتكوين الفنى وعمقا فى الرؤية والطرح من منظور فنان متمكن من أدواته.

خيول الرزاز.. ترمح فى نُبل وخيلاء

قال «الرزاز» عن هذا المعرض: فى عدد من لوحات ومنحوتات هذا المعرض ترمح الخيول وتصهل وتتآلف وتتباهى وتتجلى فى نُبل وخيلاء.

وتدور فكرة لوحات ومنحوتات المعرض حول الخيول بعد دراسة لـ«الزاز» استمرت 50 عاما، هذا بالإضافة إلى أنه اطلع على سلالات وأنواع وأشكال الخيول فى فترة ازدهار الحضارة الإسلامية وقرأ عن صفات كل نوع ولون وشكل من أشكال تلك الخيول. ويشار إلى أن الدكتور «مصطفى الرزاز» مثل فى منحوتاته ولوحاته نزعة رومانسية صوفية تتخطى القيم الأرضية، فالحصان فى بعض الأعمال يتجلى كالمعجزة يضيء من الداخل ويشع إلى أن تزول أطرافه وسط دهشة المحيطين به.

قال «الرزاز»، إن الشخص الذى يعمل فى مجال الفن التشكيلى ولا يعرف كيفية ترجمة وصياغة عمله الفنى لا يعد فنانا، موضحا أن من لديه أفكار لا يستطيع ترجمتها لا يعتبر فنانا تشكيليا أيضا.

وأضاف «الرزاز»، ان الفنان الذى يتصور ترجمة حلمه ومشاعره شخص مجنون لأن الأحلام والمشاعر والخيالات تترجم بالمقاربة، وأن يرى الفنان كل ما هو مثير يقترب منه. وأشار إلى أن الفنانين والمبدعين الرواد كانت تُقرأ أعمالهم الفنية من خلال شخصياتهم، للدرجة التى كانت تمنح من يقرأ الأعمال القدرة على تحديد المرض الذى يعانيه صاحب اللوحة.

وأكد «الرزاز» أن «وجوه الفيوم» تعد من أكثر الأعمال المعبرة عن الهوية المصرية وعاداتها وتقاليدها، وذلك يرجع إلى صدق الفنان فى التعبير عن هويته.

وتابع الرزار: «نُقدت لوحاتى فى أول معرض قدمته عام 1966 وتعلمت من هذا النقد، كما قمت بالتعبير عن الفن الشعبى لما به من جماليات الفن التشكيلي».

يتأثر الفنان بالبيئة الناتجة من المعايشة والتعامل مع كل ما فيها من حياة وحركة ما يضفى على عمله جمالا وحيوية..

قراءة فى أعماله

يتميز الفنان على الرغم من ثرائه الكيفى والكمى والتنوع المجالى إلا أن الفنون الشعبية كانت همه الأول الذى عاش معه زمنا طويلا ولا يتعامل الفنان مع عناوين الأعمال لكنها موضوعات بنائية تجمع بين أسلوب النسق الأسطورى بين التعبيرية الرمزية والحكاية الخيالية لذا تكون أعماله عالمية بمعنى الكلمة.

 

نقلا عن العدد الورقي رقم 817 بتاريخ الثلاثاء 1 مارس 2016