د. بهاء عبد المجيد   رواية أحمد ناجى “استخدام الحياة “ ( مرسوم، دار التنوير، 2014) التى اثارت أزمة بشأن حرية التعبير أدت إلى صدور حكم قضائى بحبس كاتبها بعد

أحمد ناجي

http://www.arrai.org/news_images/2015/01/06/1420549780.jpg

د. بهاء عبد المجيد

 

رواية أحمد ناجى “استخدام الحياة “ ( مرسوم، دار التنوير، 2014) التى اثارت أزمة بشأن حرية التعبير أدت إلى صدور حكم قضائى بحبس كاتبها بعد نشر مقاطع منها بصحيفة “ اخبار الأدب “ تثير العديد من الأسئلة بشأن آليات تلقى العمل الأدبى.

تحكى الرواية عن سأم الشباب فى الألفية الثالثة وعن واقع القاهرة قبل الثورة مع انها تتنبأ بزوال القاهرة اثر كارثة ما وربما عاصفة صحراء أو عاصفة ترابية او كارثة نووية ولكنها إلى جانب ذلك تتضمن بحثا عميقا فى عمارة القاهرة وتاريخها ونشأة العشوائيات وفوضى البناء الجديد هى رحلة فى التاريخ المعمارى للقاهرة يقوم «باسم» بطل الرواية بالعمل على تحضير أفلام تسجيلية عن عمارة الدائرى وما حدث للتاريخ العريق للبناء الفرعونى والإسلامى ومثله من عمارة خديوية على الطراز الفرنسى .

المحور الرئيسى ليس الجسد ولا الهوس الجنسى ولكنها دراسة اجتماعية لتطور مفهوم الشباب عن الرغبة والانطلاق فى مجتمع آخر سن الزواج وإباح حرية الخلط بين الجنسين دون وضع ضوابط تساعدهم على التأقلم الإيجابى. وهى مكتوبة بحث بحثى يقربها من التعاطى معها كدراسة انثروبولوجية عن أمزجة الشباب خاصة الجيل الجديد وتعاطيه المخدرات والجنس السريع المتوتر فى مدينة حوطتها العشوائية والجهل والمرض والحاصل ان قصة البطل «باسم» مع «مونى وريم» هى قصة كثير من الشباب الذى مزج بين ثقافتين ثقافة الغرب المنفتح وثقافة الشرق المتحفظ والتطهر الكاذب لدى بعض افراده «ريم» هذه الفتاة التى فقدت الإيمان بكل شىء حتى اصابها الاكتئاب وأصبحت تبحث عن وهم جديد…

وفى اعتقادى ان ما كتبه أحمد ناجى ليس جديدا على تاريخ الأدب أو الكتابة فكثير من الكتب المترجمة من أعمال «هنرى ملير» و«دى أتش لورانس» تتعامل مع الرغبة على انها من العمليات الحيوية والتى تعرف عند «سيجموند فرويد» باسم «مبدأ اللذة» والتى ذكرها فى كتابه «الحضارة ومساوئها» والتى أثبت فيه ان سبب الحروب التى يخوضها الإنسان سببها العقلانية والتبتل الشديد الذى يعيشه الإنسان والذى يؤدى به إلى الكبت والعصاب، الرواية فى حد ذاتها بها تطور فى شخصية البطل فهو فى البداية عدمى ليس لديه مسلمات روحانية يعيش بها ولكنه شخص بوهيمى نتيجة عدم تحققه بسبب عدم وجود حريات أو منظومة حضارية ينتمى إليه فالمدينة العشوائية لا تخلق غير الفوضى والانكسارات.

تقاليد الكتابة تنتمى لكتابة ما يسمى بكتابة جيل الثلاثينات وهو ما يعرف بكتابة الانحدار خاصة بعد الحرب العالمية الأولى حيث هاجر العديد من الكتاب إلى باريس وتمردوا على كل الانماط الأدبية والعرف والتقاليد ثم ظهرت فى الستنيات مرة ثانية وهى حركة سياسية ثقافية تسمى «الجنس والمخدرات وموسيقى الروك والرول»… وظهرت بوضوح فى كتابة «جاك كرواك» فى رواية «على الطريق» وأيضا عند «الن جانس برج» فى الشعر خاصة قصيدته العواء التى تتحدث عن الواقع الأمريكى وثقافة الاستهلاك والحروب التى خاضتها الولايات المتحدة …

الرواية تكشف التاريخ السرى للقاهرة النحتية وذلك فى الكشف عن البنية التحتية المتهالكة التى يمر بها البطل عن طريق المعمارى إيهاب حسن وربما هذا الاسم رمز لناقد ما بعد الحداثة المصرى الشهير. فى البحث عن عالم القاهرة السفلى يؤدى بنا إلى معرفة كيف بنيت القاهرة عن طريق هذه الجمعية السرية التى أسسها ايهاب حسن. الرواية تنتمى إلى ما يعرف فى الأدب بعالم الواقعية القذرة وهى حركة معروفة فى الأدب ومعترف بها نقديا وهى تكشف من خلال الحكى واللغة المبتذلة عالم الرذيلة والجانب المظلم للحضارة خاصة وقت الحروب والثورات وهذا لرد فعل لغياب الامن ومنظومة القيم. أما عن موضوع الجنسية والهوس بها فى هذه الرواية تحكى عن شاب لم يكمل عامه الثالث والعشرين تعرف على امرأة متحررة أكبر منه سنا .

ومعروف ان رواية مشهورة فى الستينات وهى شباب امرأة لامين يوسف غراب كانت بها نفس آليات الهوس.. وقد تحولت لفيلم يشاهده العديد من المشاهدين ويلاقى اقبالا وبه أيضا عظة وعبر وكان البطل اماما ازهريا ولم يمنع الفيلم ولم تحذف الرقابة منه شيئا.. علاقة بطل الرواية بالبطلة مونى هى علاقة شائكة فهى علاقة يتم من خلالها اكتشاف التاريخى الجسدى للرجل والمرأة من مرحلة الابتذال للسمو الروحى من خلال المفهوم الاعمق للحب.

واخيرا أرى ان الرواية تعكس معرفة كبيرة بعالم الشباب وفيها كثير من البحث والمعرفة وربما العمل الصحفى لدى الكاتب جعل حالة الوثائقية ظاهرة لدى الكاتب وكاشفة لجوانب التدهور والتدنى الذى وصلت له الاخلاق البشرية بلغة أدبية حتى وان تجرأ الكاتب على ذكر ألفاظ بعينها ففى سياق الفعل الأدبى وليس هذا تبريرا لتسمية الاسماء باسمها لكن كما ذكرنا أن هناك مدارس أدبية تجوز للأديب أن يتعامل بحرية مع تلك الألفاظ وبالعودة للتراث الأدبى خاصة ألف ليلة وليلة سنجد صراحة مثل تلك الألفاظ بكثرة.. من وعى كناقد وكاتب لهذه الرواية اشعر بأزمة كبيرة فى وعى الجيل الجديد بمفهومه حول معنى الحياة ومفهوم العدمية والافق غير المرئى له… وبالتالى فكثير من التخبط من أجل الوعى بهذا الكون.. برغم هذه الجراءة فى استخدام بعض الألفاظ الخاصة بالجسد أو عملية الشبق إلا أن هناك قدرة عالية تصل إلى حالة الشاعرية الراقية فى وصف العوالم الداخلية للابطال وتخليد مدينة كالقاهرة تتحول وتتبدل …

البطل فى رواية استخدام الحياة هو عدمى يماثل أبطال سارتر وكامووجويس ومثل كمال عبد الجواد فى ثلاثية نجيب محفوظ هو بطل درس السياسة والاقتصاد ولكنه لا يمارس السياسة ويعمل فى بحث عن العمارة والمنظمات الجديدة التى تهتم بـتأصيل لمدينة تزول بفعل كارثة بيئية أوسياسة… الرواية فى نظرى تحتاج إلى قراءة نقدية علمية وليس اجتزاء فصل واحد لأن العمل الأدبى يجب أن يتم من خلال سياق أدبى نقدى توظف فيه مدارس النقد لأنه منهج علمى يدرس فى الجامعات وبه أساتذه يدرسونه يحملون درجات الماجستير والدكتوراة … الرواية فى حد ذاتها ممتعة وبها حيرة وجودية ربما لا يستسيفها البعض ولكن فى نهاية الامر هى رواية وتمُت للأدب بصلة كبيرة. الجدير أن الرواية تجربة حيث هناك رسوم توضيحية للرسام الزرقانى وهو يستخدم نصوصا تشبه الشعر النثرى لأحمد ناجى فى توضيح الصور المعتمة والكئيبة للمدينة .

 

نقلا عن العدد الورقي رقم 817 بتاريخ 1 مارس 2016