لوحة «التلمسانى» تباع بـ 18 ألف دولار.. وتثير الشكوك مى التلمساني   بيعت مؤخرا لوحة للفنان كامل التلمسانى أحد مؤسسى جماعة الفن والحرية السريالية، بمبلغ 118 ألف دولار أمريكى على

لوحة «التلمسانى» تباع بـ 18 ألف دولار.. وتثير الشكوك

لوحة «التلمسانى» تباع بـ 18 ألف دولار.. وتثير الشكوك

مى التلمساني

 

بيعت مؤخرا لوحة للفنان كامل التلمسانى أحد مؤسسى جماعة الفن والحرية السريالية، بمبلغ 118 ألف دولار أمريكى على موقع مزادات كريستيز، وهى اللوحة الثانية التى تباع لكامل التلمسانى من خلال شبكات المزاد. فى الآونة الأخيرة، انتشرت شبكات الاتجار فى الفن فى العالم العربى وأثارت العديد من الشكوك حول تزوير لوحات كبار الفنانين المصريين أمثال محمود سعيد والأخوان وانلى ورمسيس يونان وعبد الهادى الجزار وغيرهم.

وبوصفى ابنة أخى كامل التلمسانى (وقد مات عام 1972 بلا زوجة ولا أبناء)، وبوصفى أيضا أستاذة جامعية بصدد كتابة بحث عن مشواره فى الفن التشكيلى والسينما، فقد حاولت استقصاء مصادر اللوحات المعروضة والمتاحة فى سوق الفن المحلية والعالمية. وفى أثناء عملية البحث واستقصاء الحقائق مؤخرا فى باريس، ساورنى الشك فى مصدر اللوحة التى بيعت فى كريستيز تحت عنوان «الفتاة والحشاش». فالنص المصاحب لها على موقع كريستيز يشير إلى أنها من مقتنيات سعد الخادم وقد اقتناها صاحبها عام 1976. وبسؤال الأصدقاء، تبين أن هناك سابقة تزوير تخص لوحات منسوبة لمجموعة سعد الخادم تم طرحها للبيع فى الأسواق العربية واتضح فيما بعد أنها مزورة وتضاربت المعلومات بشأنها، سواء من جانب تجار الفن أو أصحاب الجاليريهات الفنية وقد تدخل لكشف التزوير أهل وأقارب الفنانين المعنيين.

عنوان لوحة كامل التلمسانى التى بيعت عن طريق كريستيز هو «الفتاة والحشاش» وهو يمثل أول خطأ جسيم يثير التساؤل والشك فى مصدر اللوحة. فالحقيقة أن كامل التلمسانى رسم خمسة رسوم وردت فى مجموعة قصصية للكاتب المصرى الفرانكفونى ألبير قصيرى بعنوان «ناس نسيهم الرب» وصدرت المجموعة فى القاهرة باللغة الفرنسية عام 1940-1941 عن دار نشر لاسومين ايجيسبيان. عنوان اللوحة الأصلى كما وردت فى الكتاب هو «البوسطجى يتكلم» أما لوحة «الفتاة والحشاش» فموضوعها مختلف وتظهر فيها شخصية فتاة ورجلين وأرجيلة (أو شيشة).

الخطأ الثانى الذى يثير الريبة هو طريقة كتابة اسم كامل التلمسانى بالإنجليزية: كان كامل يوقع باسم تلمسانى بالإنجليزية دون الف لام، وباستخدام حرف سين واحد وليس اثنين على الطريقة الفرنسية، فيما يشير موقع كريستيز إلى أن التوقيع على اللوحة بمضاعفة حرف السين أى بالطريقة الفرنسية. والنص المصاحب للوحة بالإنجليزية يستخدم الاسم بمضاعفة السين وإضافة الف لام.

ثالثا، المقارنة العينية بين اللوحة المباعة وبين الأصل المنشور فى كتاب ألبير قصيرى كافية لإثارة التساؤل حيث إن الفروق بينهما جسيمة كما هو مبين فى الصور المصاحبة لهذا المقال. فعلى الرغم من أن الصورة المنشورة فى الكتاب باللونين الأبيض والأسود، إلا أنها تبدو مختلفة بوضوح فى خطوطها ووجوه الشخصيات ومساحات الضوء والظل فيها عن اللوحة المباعة. فهل تمت المقارنة بين اللوحة المنشورة واللوحة المعروضة للبيع قبل بيعها؟ وهل يعلم القائمون على بيعها بوجود الأصل منشورا فى كتاب؟ وهل يقف وراء مثل هذه العملية التجارية فريق بحث موثوق فيه ليحدد إن كانت اللوحة أصلية أم مزورة؟ وكيف يخطئ فريق بحث جيد فى كتابة اسم فنان؟ إنها تساؤلات مشروعة تبحث عن إجابات موثقة وليس عن اعتذارات وتخمينات أو تكهنات غير منهجية.

إن توثيق أعمال الفنان والبحث فى جماليات عمله الفنى وحدهما كفيلان بالحد من محاولة العبث بهذا التراث غير أنهما لن يضعا حدا للتزوير. ولكن يبقى أن هناك العديد من الوسائل لكشف التزوير بتحليل الألوان والخامات المستخدمة فى العمل الفنى أو الكشف عن ظهر اللوحة حيث يمكن التعرف على بعض المعلومات مثل العنوان أو بقايا ألوان يتركها الفنان أثناء العمل، فضلا عن إمكانية الاستعانة بخبرة الأقرباء والأصدقاء لو كانوا أحياء واستقصاء مصدر اللوحة لو كانت قد بيعت لأكثر من فرد. كل هذه الوسائل وغيرها يسمح بتحديد إذا ما كانت اللوحة أصلية أو مزورة. ولكن لأن السوق المحلية والإقليمية تطالب بالمزيد، فقد أصبحت ظاهرة التزوير أكثر توحشا، فيما أصبح من حق الأفراد الساعين لاقتناء الأعمال المصرية التشكك فى مصدرها. والأغلب أيضا أن تتراجع المؤسسات الفنية العالمية مثل المتاحف وقاعات العرض الدولية عن اقتناء أعمال الفنانين المصريين عبر تجار الفن، وتسعى لاقتناء الأعمال من خلال الأقارب والأهل خشية التزوير.

 

نقلا عن العدد الورقي رقم 817 بتاريخ الثلاثاء 1 مارس 2016