الموسيقى الكلاسيكية «التقليدية» وعجلة التاريخ   محمد صالح     فى إحدى الحفلات الموسيقية بينما استخرجت النوتة الموسيقية التى سأعزف منها استخرج زميلى عازف الجاز لوحة إلكترونية مخزنا عليها نوتة

225

الموسيقى الكلاسيكية «التقليدية» وعجلة التاريخ

 

  • محمد صالح

 

 

فى إحدى الحفلات الموسيقية بينما استخرجت النوتة الموسيقية التى سأعزف منها استخرج زميلى عازف الجاز لوحة إلكترونية مخزنا عليها نوتة البرنامج الموسيقى الذى سوف يعزفه دون الحاجة إلى حمل النوت والمدونات الموسيقية الورقية المطبوعة. أعجبنى ذلك الحل الإلكترونى للغاية، ومع استخدامى لنوت ومدونات موسيقية عبر الإنترنت وطبعها للعزف، إلا أننى لم أجرؤ يوما على استخدام لوحة إلكترونية بدلا من النوتة الورقية..لا أتخيل فكرة أن تخذلك التكنولوجيا، ماذا لو أن البطارية تلفت فى لحظة كونية تعسة، ماذا لو أن الجهاز وقع ولم يعد يعمل قبل خروجك إلى الخشبة مباشرة.. كارثة!

لكننى نظرت إلى المقطوعات التى يعزفها فوجدتها أبسط كثيرا مما نعزف نحن آل الموسيقى الكلاسيكية.. مجرد أفكار عن المقطوعات التى تعزف، الخط اللحنى المجرد وقد دون أعلاه التآلفات المستخدمة، أما عن العزف الواقعى فإنه يعود إلى خبرة زميلي، وخياله، وارتجالاته، وتفاعلاته مع زملائه أعضاء الفرقة وهو ما يمثل هيكل العمل الموسيقي.. حتى أن بعض الموسيقيين (عازفو الإيقاع على سبيل المثال) يعزفون دون نوتة موسيقية بالأساس، فالأعمال معروفة ومشهورة ومكررة، لكنها فى الوقت نفسه لا تتكرر سوى مرة واحدة، لأنها تعتمد على الارتجال بكل ما يحمله من إبداع وخيال وابتكار إلى جانب قليل من الفوضى الخلاقة.. إذن فالعازف فى موسيقى الجاز يعتمد على إطار معروف ومحدد للارتجال على العكس من الموسيقيين التقليديين/ الكلاسيكيين أمثالنا ممن يرتبطون بالنص الموسيقى ارتباطهم بالحياة. هنا يختلف الوضع

لقد بدأت الحضارة فى الموسيقى الكلاسيكية من تدوين النص الموسيقي..شأنها فى ذلك شأن الحضارة بشكل عام فالتدوين هو ما أتاح رصدا، وتحليلا، وتوريثا، وتطويرا، والبناء على الفكرة، التدوين هو سيطرة الإنسان المادية على الزمن، وفتح آفاق معقدة للتنظيم والتطور العمرانى والهيكلة الاجتماعية ورموز الاتصال (اللغة وأنظمة الكتابة المختلفة) ولا يتمكن الإنسان من التوصل لذلك التعقيد سوى من خلال الكتابة وتدوين الفكرة الإنسانية. من هنا يأتى دور الثقافة كمكون أساسى من الحضارة البشرية بوصفها «مجموعة من الأنشطة المميِّزة لجميع التجمعات البشرية» – إدوارد تايلور (١٨٣٢-١٩١٧). وهنا يبدأ التنوير بوصفه «خروج الإنسان من حالة عدم النضج الذى لا يأتى من عدم الفهم، وإنما يأتى من نقص الشجاعة على التفكير بشكل مستقل» – إيمانويل كانط (١٧٢٤-١٨٠٤) ولا ينفصل التدوين الموسيقى الغربى عن التدوين بمعناه اللغوى فى تجسيده لكلمة «ثقافة» فى تنظيم الإنسان لخبراته ونقلها، بل على العكس فالنص الموسيقى نص يستخدم لغة عابرة للمكان وللزمان لا تعيق حركتها بين الثقافات أى حدود، ولا تفصل بين قارئيها أى حواجز عرقية أو قومية أو سياسية أو دينية. لكن النص الموسيقى فى تجريده المطلق لا يحمل معلومات واضحة تتدرج بين جفاف العلوم الـ«بحتة» ومرونة/ عملية العلوم الـ «تطبيقية» ولا يحمل نصوصا معرفية محددة النطاق والتأثير، وإنما يحمل عالما سحريا من العواطف والمشاعر تستند بشكل أساسى إلى قواعد علمية فيزيائية رياضية صارمة، لذلك تعدّ الموسيقى الكلاسيكية أحد أهم الإنجازات البشرية فى مجال الفنون والثقافة البشرية. ولذلك أصبحت النوتة الموسيقية بشكلها الأوروبى المعتاد الذى نعرفه والذى يعود إلى القرن السادس عشر لغة تتواصل من خلالها أجيال من الموسيقيين المحترفين، عبر أميال من الجغرافيا وعقود من التاريخ لا حدود لها. كذلك فالتدوين الموسيقى يتيح لنا رؤية النص مكتوبا منزوعا عنه عنصر الزمن، فنتمكن من التصميم المسبق للأداء، ونتمكن من تشكيل الأداء على النحو الذى نريد، ووضع العلامات والإشارات حول نغمات بعينها دون أخرى، والتطويل فى نغمات أخرى فى حدود ما تسمح به تقاليد العصر الذى كتبت فيه الموسيقى، كما أن التدوين يسمح للأوركسترا السيمفونى بعزف برامج مختلفة أسبوعيا، من خلال القراءة الوهلية للعازفين، وعدم الاعتماد على الذاكرة إلا فى حدود بسيطة.. فأى عمل موسيقى سيمفونى يتكون من مدونة للأوركسترا «بارتيتورا» التى يدون فيها دور جميع الآلات وتكون أمام قائد الأوركسترا والنوت الموسيقية لكل عازف على حدة «البارت» (الجزء)، ولكل عمل موسيقى ملف خاص به فى المكتبة الموسيقية يوضع أمام العازفين فى البروفة الأولى، تمهيدا لعزفه على خشبة المسرح خلال بضعة أيام. إنها حضارة كاملة منقرضة تعيش فيها قلة من الكلاسيكيين/ الأصوليين، يؤمنون دون شك أنها (الموسيقى الكلاسيكية) أصل الحضارة ومنبع الثقافة الموسيقية ويعتقدون بأن الفن «الرفيع» هو الفن «الوحيد» الذى يجب على الناس أن يهتموا به، بل وأحيانا ما يقيّمون الناس على هذا الأساس، فيعتبرون من يستمع إلى الموسيقى الكلاسيكية شخصا «مثقفا» أو «متعلما» أو «راقيا» إلى غيرها من الأوصاف، بل ويعتبر آخرون الموسيقى الكلاسيكية عنوانا للوجاهة الاجتماعية. لكن تلك القوقعة التى يعيش فيها هؤلاء، وأنا واحد منهم لا تتعدى المئات ناهيك عن أن تكون نسبة من المجتمع.. يقيمون الدنيا ويقعدونها بحثا عن تمويل من الدولة، أو من محبى ذلك اللون من الفنون بغرض الحفاظ على هذا الفن من الانقراض..

 

226

على الجانب الآخر فالجاز والبوب وموسيقى العالم والأندرجراوند والراب والهيب هوب وغيرها من ألوان الفنون الحديثة هى ما يجذب المراهقين والشباب والموسيقى القومية/ الشعبية هى ما يجذب عموم الشعب .. أى شعب.. والمزج بين ألوان الفنون يجذب شريحة أخرى، والعالم لن يحيا دون موسيقى، على العكس تماما، فالموسيقى تنتشر على نطاق أوسع بين شرائح أكثر بفضل تكنولوجيا الصوت والاتصالات ووصول حجم الذاكرة الإلكترونية إلى أحجام متناهية الصغر يمكن أن تستوعب ساعات طويلة من الموسيقى، لكن نصيب الموسيقى الكلاسيكية من هذا الانتشار يقترب إلى الصفر، ولا يوجد سوى فى قاعات الحفلات الكبيرة فى مدن العالم، ويلتف حول هذا الجزء الضئيل من «البيزنس» حفنة من بضعة آلاف يمارسون فنهم الكلاسيكى ويبيعونه للمريدين دون أن يكون لهم تأثير عالمى واسع على الساحة الموسيقية العالمية.

إنها الفكرة التى لم تعد تحتمل شرحا مفصلا، فى عصر التكنولوجيا وإمكانية تخزين مكتبات بأكملها على شريحة دقيقة، لم يعد الإنسان العادى مؤهلا لاستيعاب جميع هذه التفاصيل، الإنسان العادى (إنسان القرن الواحد والعشرين) أصبح منسحقا داخل النظام العددى الثنائى الذى تقوم عليه ثقافة الحاسب الآلي، الإنسان العادى لم يعد يقرأ سوى عناوين الأنباء، ويقرأ منها ما يهمه فقط، الجزء الذى يهمه وليس المقال. إنسان القرن الواحد والعشرين هو إنسان «فيسبوكي» و«تويتري» لا يستوعب أكثر من جملتين أو ثلاث، ثم يقفز على الخبر التالي، أو الأفضل إلى الصورة التالية أو الفيديو التالي.. لم تعد الرواية والملحمة أبطالا وإنما القصة القصيرة، ولم يعد الكونشيرتو أو السيمفونية أو السوناتا أبطالا وإنما مقطوعة التانجو أو موسيقى الفيلم أو الأغنية..

227

 

لا بأس من ثقة صديقى عازف الجاز فى التكنولوجيا الحديثة أمام تمسّكى بالورق التقليدي، ولابأس من شهرة فنه واتساعه أكثر بكثير من شهرة واتساع فنى الكلاسيكى.. تلك هى سنة الحياة والتطور، لكننا نحن التقليديين سوف نستمر فى حياتنا على نفس المنوال، وسوف نعيش زمنا ماضيا نعيد استنساخه وإنتاجه من جديد، وبعدنا سوف يأتى تقليديون آخرون يمارسون نفس الفن، فالإنسان لن يستغنى عن الماضى فى حركته نحو المستقبل، والحضارة لابد وأن تستمر استنادا إلى الأصول، لكن الجنون كل الجنون هو أن نظن نحن الأصوليين التقليديين أننا قادرون على غزو عالم الموسيقي، أو محاربة الجاز والبوب والهيب هوب والراب، أو أن نحاول البحث عن موسيقى وسطية معتدلة جميلة تمزج بين الماضى والحاضر محاولة منّا لإعادة زمن الموسيقى التقليدية إلى صدارة الحضارة والعالم، أو أن يجرفنا الحماس فنحاول قتل أى موسيقى يمارس أى لون آخر من ألوان الموسيقى بخلاف الموسيقى التقليدية.. الموسيقى التقليدية/ الكلاسيكية جزء من الحضارة لكنها جزء مضى، لن ينتهى ولن يفنى، لكنه أيضا لن يعود بكامل هيئته ونطاق تأثيره كما كان يوما، وسوف يظل فى المتاحف وبين المتخصصين والمهتمين، وسوف يستخدم فى الأغراض التربوية والتاريخية والفنية الراقية لكنه لن يخرج عن هذا الإطار، ولابد أن نعترف بذلك حتى تمشى عجلة التاريخ إلى الأمام دون أن نعطلها.. وهو أمر قد لا ينطبق على الموسيقى وحدها.