محمود عوض.. الغائب الحاضر فى معركة حرية الرأى والتفكير لويس جرجس   قفز إلى الذاكرة، بمناسبة ما يجرى مع مثقفين ومبدعين، كاتب صحفى متميز، وكتاب مهم له خصصه للدفاع عن

محمود عوض

محمود عوض.. الغائب الحاضر فى معركة حرية الرأى والتفكير

  • لويس جرجس

 

قفز إلى الذاكرة، بمناسبة ما يجرى مع مثقفين ومبدعين، كاتب صحفى متميز، وكتاب مهم له خصصه للدفاع عن الحرية. الكاتب هو محمود عوض (1942ـ 2009)، الصحفى اللامع الذى أطلق عليه الراحل احسان عبد القدوس لقب “عندليب الصحافة” تقديرا لأسلوبه الرقيق الراقي. أما الكتاب فهو “أفكار ضد الرصاص”، الصادر عن دار المعارف، سلسة اقرأ فى 1984.

انه كتاب كما يقول مؤلفه يبحث فى قضية الدفاع عن حرية الرأى من خلال مواقف تاريخية لأربع شخصيات وقف كل منهم ضد مجتمع بأكمله. قال كل منهم كلمته ثم وقف بدافع عنها ويدفع ثمنها سنوات طويلة من عمره. انهم: قاسم امين وعلى عبد الرازق والكواكبى وطه حسين.

جريمة قاسم أمين أنه طلب الحرية للمرأة، فى مواجهة الرجل. وجريمة الكواكبى هى أنه طلب الحرية للشعب، فى مواجهة السلطان. وجريمة على عبد الرازق أنه طلب الحرية للدين، فى مواجهة الملك. وجريمة طه حسين أنه طلب الحرية للأدب، فى مواجهة السياسة.

ويرى عوض أن “جوهر القضية هو نفسه فى كل مرة، ومعنى العقوبة هو نفسه فى كل حالة. تم التشهير بقاسم أمين، وقتل الكواكبي، وعزل على عبد الرازق، وفصل طه حسين من الحكومة، وقبل ذلك أعلن المجتمع حكمه على الأربعة: انهم خونة.. زنادقة.. ملحدون.. فاجرون.. ولم يكن كل هذا مفاجئًا، فالسلطة فى المجتمع العربى كانت لها دائما مقاييسها الخاصة التى تخفيها دائما وتعلنها أحيانًا. إنها تعتبر ان: الخوف صبر، والجمود عقل، والتطور جنون، والتجديد إلحاد، والحرية كفر، والتفكير جريمة. كما ترى الضعف نعمة، والجبن قيمة، والشجاعة رذيلة والصمت حكمة، والجهل فضيلة، والتمرد زندقة، والاختلاف خيانة، والظلام نورا، والظلم عدلا، والطغيان قوة، والارهاب قانونا، والحاكم إلها، والمرأة حيوانا، والشعب عبيدا، والتاريخ أسطورة، والماضى مقدسا، والحاضر مقبولا، والمستقبل ملعونا”.

 

ويوضح فى مقدمة كتابه “هذه ليست لوغاريتمات، ولكنها مجرد عينة. مجرد نموذج من المقاييس التى حوكِم على أساسها الرجال الأربعة. إنها أيضًا ليست مفاجأة. فكل من الاربعة كان يعلم مقدمًا بما ينتظره، ومع ذلك قرر اختيار طريقه. اختار الحرية قبل الضغط. الاختلاف قبل الموافقة. اختار المفكر فوق السياسي. الانسان الواحد فوق القطيع الضخم. ومع توقع النتيجة وانتظار العقوبة، فان احدًا منهم لم يتردد لحظة قبل أن يخرج كتابه. لقد قال رأيه وبدأ يحارب من أجله. وفى كل مرة كانت المعركة تدور بين طرفين غير متكافئين من البداية. كان الصراع يجرى بين رأى ورأي، حجة وحجة. ومع ذلك لم تكن هناك مجادلة أو مناقشة، بل ملاكمة، والأسوأ أنها ملاكمة تحت الحزام، حيث تصدر السلطة حكمها على المؤلف فى كل مرة بانه كفر بالله، ثم تستصدر من الله تأكيدًا بالحكم، حتى لا يقدم المؤلف استئنافا إلى السماء.

881

فى كل مرة كان كل كتاب يثير ردود أفعال كثيرة بين المثقفين فى المجتمع. ولكن السلطة هى التى كانت تحتفظ لنفسها بحق الحسم فى النهاية. وحينما تحسم السلطة فانها لا تفكر لكن تذبح.. تستأصل.. تقتل، وللأسف كانت دائمًا ما تجد مثقفين آخرين يمهدون الطريق امامها، مثقفين تجدهم فى كل مجتمع مستعدين للتصفيق للسلطة طالما ان رأسا آخر هو الذى تحت السيف.

فى كل مرة كان كل كتاب يثير الشكوك فى صحة واحدة من العلاقات الرئيسية فى المجتمع: علاقة الرجل بالمرأة. علاقة السلطان بمواطنيه. علاقة السياسة بالدين والأدب. وقد اختار كل منهم طريق العذاب. عرفوا أن مكانهم ليس مع القطيع، لكن مع الحقيقة، ومع المستقبل. وفى اختيارهم هذا فانهم دفعوا الثمن الذى كان لابد ان يدفعوه نيابة عن غيرهم.

فى جرائم القتل التى ارتكبتها السلطة ضد المفكرين الأربعة كانت السياسة حاضرة دائما. هذا طبيعى لأن السياسة فى مجتمعاتنا كانت دائمًا مع الأمر الواقع وضد التغيير. ولأن السياسة كانت ترفع حرية الرأى كمجرد شعار. منذ الف سنة وهى شعار. ولان السياسة كانت تجد فى حرية الرأى خطرًا مباشرًا عليها، وترفًا لا تريده بالنسبة لمواطنيها.

وعندما كانت السياسة فى مجتمعنا تقتل حرية الرأى منذ الف سنة وهى تقتل حرية الرأى فانها كانت فى الواقع تقتل أشياء كثيرة فى المجتمع. انها تقتل العلم والأدب والتفكير والكرامة والعدل. تقتل المستقبل. إنها تزرع الطاعة بدلًا من النقد، النفاق بدلًا من الصدق، الخوف بدلًا من الشجاعة. وفى النهاية كان المجتمع كله هو الذى يدفع الثمن. العلم غير موجود لانك لا تستطيع أن تبنى مجتمعًا علميًا من العبيد. والأدب غير موجود لأن الأدب الجيد لا يكتبه خائفون. والثقافة لا تنتشر لان النفاق يحقق لك ما تحققه الثقافة وأكثر.

ثم ان السياسة نفسها كانت تقع فى تناقض آخر بعد ذلك. إنها تريد من المواطن ان يكون جبانًا فى مواجهة ماضيه، شجاعًا فى مواجهة مستقبله. جبانًا فى مواجهة حاكمه، وشجاعًا فى مواجهة عدوه. هذا مستحيل لأن الجبن والشجاعة لا ينقسمان إلى أجزاء. الجبن يتحقق باعدام الحرية، والشجاعة تتحقق بانتشار الحرية. هذا هو التناقض، لأن الحرية فى النهاية شجاعة عقلية، وحينما تموت شجاعة المواطن فى بيته فانها لن تولد فيه فجأة خارجه.

هذا ما استخلصه محمود عوض من قراءته المواقف الشجاعة للأربعة الذين درسهم بعمق: قاسم أمين الذى اصطدم بحائط كبير يفصل بين الرجل والمرأة فى المجتمع. عبد الرحمن الكواكبى الذى أشهر قلمه فى مواجهة السلطان العثمانى عندما بحث فى الاستبداد، فقُدمَ إلى المحاكمة فى حلب، وبينما كان واثقا ببراءته فى البداية، الا انه فى نهاية يوم المحاكمة تعلم انه فى ظل الاستبداد لا يستطيع الانسان ان يثق بأى شيء، فأموال الوالى تشترى كل شيء بما فى ذلك شهود الاثبات (خمسين شاهدًا) أثبتوا التهمة على الكواكبى، ليصدر الحكم عليه بالاعدام.

وثالثهم: على عبد الرازق الشيخ الذى وقف ضد رغبه الملك فؤاد فى أن يصبح خليفة للمسلمين بعد الغاء برلمان تركيا هذا المنصب فى 1924، وطرد السلطان عبدالمجيد من تركيا، وبينما كانت بريطانيا حماية لمصالحها تشجع الملك المصرى على أن يكون خليفة، فإذا بالشيخ عبدالرازق يصدر كتابه “الإسلام وأصول الحكم”، ليثبت فيه أن الخلافة ليست حكما من احكام الإسلام، فيخوض كما زميليه السابقين المعركة فى مواجهة قوة الاحتلال المستندة إلى الأفكار المحافظة والجمود.

وكان رابعهم طه حسين المفكر الذى “يريد أن يفكر”، فتخرج مظاهرات غضب لطلبة الجامع الأزهر بعد أن حرضهم من يخشون الرأى المخالف، وطبعا الاتهامات التحريضية جاهزة: ملحد. فاسق، كافر، زنديق، خارج على القانون والدين والأدب. قليل الأدب طه حسين. لابد من رأسه. ليس أقل من رأسه!

إنها المواقف التى تضىء للمجتمع مستقبله وتنقله من الظلام إلى النور ومن التخلف إلى التقدم ومن الظلم إلى العدل ومن الانبطاح إلى الكرامة، يدفع ثمنها دائمًا من يحاول التفكير بمنطق مخالف لما هو سائد.

 

نقلا عن العدد الورقي رقم 817 بتاريخ 1 مارس 2016