مقدمة فى فهم الفن التلقائى .. محمد صابر غريب نموذجا د. عصمت النمر   فنان تلقائى (فطرى) تاجر كتب قديمة 30 سنة اكتشفته بحكم علاقتى الطيبة بكل بائعى الكتب والصحف.

محمد صابر  (8)

مقدمة فى فهم الفن التلقائى .. محمد صابر غريب نموذجا

10928192_10152922858482517_8703216024532970499_n

د. عصمت النمر

 

فنان تلقائى (فطرى) تاجر كتب قديمة 30 سنة اكتشفته بحكم علاقتى الطيبة بكل بائعى الكتب والصحف. وجدته يرسم فى لوحة بألوان ليست فى انابيب بل علب، ربما ألوان لاكية سيارات او طلاء غرف مكتفيا بفرشاة غليظة، الخامة التى يعرفها. ادهشنى وفجر داخلى سؤالا عن الفن كلغة حية غير لفظية توصلنا إلى نتيجة، هى أن كل تلك الفنون مهما اختلف منشؤها أو أساليبها تحاول عبر رموزها وشفراتها توصيل تلك المفاهيم اللغوية بقدر كبير من الصدق. ولايمكن أن يدعى أى فن فنا تلقائيا متوحشا إلا بالقدر الذى نشارك به فى وهم الوحشية، ولا يمكن أن ندعو أى فن فطرى، إلا اذا تذكرنا صلتنا بكل من عبر بالرموز والصور، عن مشاكلنا الإنسانية المشتركة فى الحياة وهكذا فان كل الفن الذى أنتجه الإنسان مع اختلاف الزمان والمكان فهو ما يصح أن نطلق عليه فن الإنسان الأول.

لوحات فطرية خارجة عن اى تصنيف اكاديمي. واللافت هو تنفيذها الذى يدين الى الأحلام بقدر كبير من فاعليتـه، ومناخاته الدلالية، يبدو طاغيا على معظم لوحات محمد صابر غريب، فالعناصر المكونة لكل لوحة منـها، فى خضم علم الأحلام ودلالة التفاصيل فى هذه الأحلام.

تكوين البنية الثقافية للفن الفطرى (التلقائى) له مؤشرات فذة وفريدة تشهد على الوعى البشرى فى تداخل شفاف ووحدة بهيجة مع الطبيعة، حيث كان الوعى يخضع العالم لروحيته المستيقظة التى لم تستطع فى البدايات أن تكون محددة أو محدودة. بل تتمتع ببراءتها وسلطتها على الأشياء غير مثقلة نفسها بردود الفعل حول مدى التوافق بين تصوراتها والأشياء الحقيقية، ومهما تكن هذه الفكرة ساذجة، فإنها تشكل جوهرا رفيعا وأكثر عقلانية فى تطوره اللاحق. مما جعل الوعى العقلانى عاجزا عن أن يلغى هذا النشاط الحر للمخيلة، أو أن يكون بديلا عنه، لحاجة الإنسان فى حياته وليس عبر الصيرورة التاريخية للبشرية إلى فرض سلطته المباشرة، على الطبيعة والعالم، استمرت تغذى نفسها بثمار الخيال الحر وهنا تكمن عبقرية المخيلة عند الفنان الفطرى.

مع أشكال التعبير، وما يتصل به من خطوات الوعى الأولى، تتجلى أمامنا جوهر الصورة فى طورها الأدق وبنيتها الأكثر عمومية، والتى تبدو عديمة المضمون، ونمط الأشكال سينبثق من الفرد والكل داخل الكيان الاجتماعي، وتمثل بنتاج كبير وهائل من المصنوعات والمشغولات اليدوية والتراثية، طبعت جميعها، بالبساطة والتلقائية وأحيانا السذاجة الظاهرة فى إعادة استيعاب وإنتاج التراث من خلال القدرة على التعبير عنه.

جمال نابع من سجية لم تشوهها الأحداث والنظريات وتقنيات العصور فاكتفت بعاملى البساطة والصدق. وغالبا ما تنطلق العديد من هذه التجارب الفطرية لتتجاوز ما هو مقبول أو محظور ضمن قواعد اللعبة الفنية وتقنياتها فتدهشنا فى طرحها وسحرها. ورغم أن السمة البارزة عليها هى الثقافة المحلية والتراث الشعبى بحكم انتماء فنانى هذه الأعمال إلى فئات اجتماعية شعبية، وهى ضرورة تؤصل هذه التجارب وتغنيها إلى حد بعيد، فان العديد منها كان يلتقى مع المحتوى الإنسانى لجوهر الفن وأهدافه.

إن ارتباط فكرة الفنون الفطرية بما يسمى بالفنون ( البدائية ) يكتسب الكثير من مشروعيتها التاريخية والحضارية ليس على أساس مستوى البساطة والتقنية التى قامت عليها وإنما لاشتراكهما فى نفس المعين الذى نهلتا منه، وان كنا لا نهدف إلى أن يكون للفن الفطرى ذلك الإطار الذى يحجبه عن الفنون بصورة عامة. لان التساؤل الذى يواجهنا هو:

هل التقى فن الكهوف بعد هذا الزمن السحيق بفنون ما بعد الحداثة باعتبار أن المصدر الإنسانى واحد؟

النوازع الروحية والدينية هى احد الدوافع التى تجعل الإنسان يبحث عن وسيلة للتعبير تعكس علاقته بالحياة والوجود، وتبحث عن انضواء الأشياء ضمن أنساق تحدد لها شكل وجودها مثل: حالات التشابه وحالات التقابل وحالات التطابق وأولى هذه الوسائل تلك الخامات البسيطة التى يحصل عليها فى بيئته دون تكلف أو عناء، ورغم بساطة تلك الخامات فانه غالبا ما يحاول استنطاقها عبر الصنعة التى لا تخلو من مهارة، قد لا يحققها الآخرون والتى لا تخلو من تقنية معينة بأبسط صورها.

تلقائية تجعل من الأعمال الفطرية الفنية تقترن بالأعمال الفنية التى أنتجها الإنسان الأول.

محمد صابر (6)

 

والفنان الفطرى هو الذى يشعر بأن العالم لا معنى له، ما لم ينتظم فى نطاق عالم ما، وأن عليه مهمة اكتشاف ذلك العالم الذى لا يخرج عنه شىء، إلا غبار الواقع الكثيف الداكن بالصخب. فهو الخالق الذى ينظم العالم عبر الوسائط الاستاطيقية الخاصة، وفى مقدمتها (التعبير). وليست عبقريته فى أن ينقل الواقع بأمانة، وإنما عبقريته فى أن (يعبر) عن الواقع بعمق.

ومحمد صابر ليس الفنان الذى يجهل كل شيء عن النظريات الفنية، أو الذى يفتقر إلى الثقافة بل فنان يلجأ إلى تقنياته الخاصة، كى يعبر عن الحقائق الجوهرية التى يدركها بحدسه العميق.

تتميز كل أعمال الفنانين الفطريين ببساطتها، مقارنة مع أعمال رواد الصالونات الأكاديمية. من مزايا الفنانين الفطريين وحبهم القوى لفنهم ورضاهم عليه. ولكى يبلغ الفنان الفطرى الحقيقة التى يبحث عنها، فإنه يستعمل العلامات والنظائر التشكيلية، لذلك قلما نرى فى أعمال هؤلاء الفطريين تعبيرا ديناميكيا.

والتعبير الجمالى فى الفن الفطرى لا يكون إلا لأولئك الذين لهم القدرة على تصويرالانفعالات والعواطف والتعبير عنها. وإن بدا ذلك فى الفن تلقائيا، وغير متكلـف، فذلك لأن «التلقائية ثمرة لفترات طويلة من النشاط الفطري، وإلا فإنها ستكون من الخواء وتفقد صفة العمل التعبيرى. والفنان الفطرى فى سجيته إنما يتخذ من طريقة تعبيره شكلا تجريديا خطابيا يشكل نسقا قيما مع البيئة والمحيط الذى يعيشه».

فالفنان الفطرى أكثر جرأة فى تناول موضوعاته وأكثر انكشافا للشعور، لأن القيمة عنده ليست فى براعة الأداء، لكن حساسيته والقيمة فى صدق العلاقات الخطية وتحاورها وفى الشعور المتدفق والرموز المكشوفة بطريقة لا يفعلها الا الأطفال وما أعظم صدق تصورهم للعالم وللحياة.

تتخذ الأعمال الفنية لـ«صابر غريب» من البساطة والتلقائية منهجا فى صياغة المفردات البصرية، وفق منهج الإنسان القديم فى توثيق رؤيته لما يحيط به فى البيئة، ولذا نجده أحيانا يكتفى ببعدين مهملا البعد الثالث فى لوحاته الجدارية لاغيا المنظور فيها، أو يطرح علاقات أو نسبا جديدا للجسم الإنسانى وفق رؤيته، أو يشذب الأجزاء التى يجدها غير ضرورية أو ذات أهمية فى الموضوع هو يسعى إلى لغة بصرية تعالج الشكل وفق منظور يتلاءم مع بساطة المادة وسحرية الفكرة، ولا يتبع المنهج الذى يتبعه الاكاديمى فى معظم الأساليب والتيارات الفنية منذ قرون مضت، من خلال بناء الثوابت الشكلية الموزعة على محور الزمان وتأسيس سلم إحالات داخلية فى النسق القيمى للشكل، محاولا خرق كل القواعد الأكاديمية وصولا إلى ابتكار لغة شكل خاصة. وسواء كان ذلك وفقا للمفهوم الكلاسيكى أو الحديث فان ابسط الاشكال تحمل اكبر الدلالات والمعانى والأكثر قدرة على التأثير والتعبير عن الفكرة ومحتواها.

«غريب» يبدع موضوعه، عبر النسق الفكرى الذى ينتمى إليه كى يقدم معادلا حسّيا لما يجول فى وجدانه، أى أنه (يعبّر) عن أفكار، وأشياء تختلج فى نفسه، عبر رؤيته، ولا يقوم بمحاكاة «مثل أعلى» أو محاكاة للجوهر.

فالتكوين التشكيلى عنده هو فن تركيب العناصر المتنوعة داخل إطار من الألوان الصاخبة، للتعبير عن أحاسيسه دون استخدام للقيم اللونية بل اعتمد على الشدة اللونية بطبقات متعددة مع التبسيط فى التشكيل مما يوحى بالشبه فى الرسم عند الاطفال حيث الخطوط توحى بالحجم، ويسرى فى اللوحة صخب الالوان، والحركة.. اللون عنده هو الوسيلة الاساسية للتعبير.. والشكل لديه عفوي، طفولي، مبسط..

ولا يكتفى باستعمال الالوان الباردة كالأزرق، مع استخدام الالوان الحارة كالأرجوانى والاحمر، دون اعتبار للتنافر اللونى كى تترجم الانفعالات والاحاسيس بكشف جوانبها الاكثر تواترا… ويستمر فى اختيار الالوان الواحد تلو الآخر، حتى تسهم جميعا فى التوافق الكلى للصورة بلا تضارب.

—-

  • اقيم اول معرض للفنان محمد صابر باتيليه القاهرة للكتاب والفنانين عام 2014، وافتتحه الفنان الكبير الدكتور عمر الفيومى.

—-

عصمت النمر