ملك.. مطربة العواطف وفرقتها للمسرح الغنائى د. وفاء كمالو   هذا الكتاب هو إنجاز ثقافى رفيع المستوى، يقدمه د. عمرو دوارة للواقع المسرحى المصري، ليستعيد به جزءا مضيئا من تاريخ

6363

ملك.. مطربة العواطف وفرقتها للمسرح الغنائى

د. وفاء كمالو

 

هذا الكتاب هو إنجاز ثقافى رفيع المستوى، يقدمه د. عمرو دوارة للواقع المسرحى المصري، ليستعيد به جزءا مضيئا من تاريخ الفن وذاكرة المسرح، فقد اشتبكت ظروف السياسة والتاريخ فى تعييب ذلك الزمن الثري، الذى شهد أزهى عصور المسرح الغنائي، وكما جاء بالكتاب فإن الفنانة «ملك» تمثل حالة شديدة الخصوصية فى تاريخ الفن المصري، وذلك لتعدد أوجه نشاطاتها الإبداعية من تمثيل وغناء وتلحين وعزف على آلة العود، وامتدت هذه التجربة لفترة زمنية تجاوزت الثلاثة عقود بشكل احترافى منتظم، متعاملة مع أهم رموز الفن، منهم فى مجال الموسيقى «محمد القصبجي، محمد الموجي، رياض السنباطي، زكريا أحمد» وفى مجال الأغنية تعاملت مع أشعار أحمد شوقي، بديع خيري، بيرم التونسي، مأمون الشناوي، أما فى مجال المسرح فقد كانت قمة تجربتها فى حملها لواء المسرح الغنائي، بعد تكوينها فرقتها المسرحية عام 1941، فقدمت عددا كبيرا من العروض الغنائية، وسط أجواء سياسية واقتصادية معقدة، شهد المسرح خلالها كسادا فنيا وهبوطا ملحوظا.

اتجهت وزارة الثقافة – متمثلة فى قطاع شئون الإنتاج الثقافى والمركز القومى للمسرح والبيت الفنى للمسرح – لمواجهة ثغرات هذا الغياب، فكان القرار الذهبى بإعادة إحياء مسرح أوبرا ملك مرة أخرى، باعتباره صرحا مسرحيا يضيف نافذة جديدة للمسرحيين، وفى هذا السياق قام المركز القومى للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية، بتكليف الدكتور عمرو دوارة بمسئولية إصدار كتاب توثيقى عن الفنانة ملك وفرقتها المسرحية، ويأتى هذا التكليف كاعتراف واضح بأن د. دوارة هو الوحيد الذى يمكنه إنجاز هذه المهمة الصعبة.. فهو شخصية استثنائية مسكونة بعشق جارف لرسالة ثقافية حية تتواصل مع الأهداف والدلالات، تبلورت رؤاه فى وهج الوعى بجماليات الفن وسحر المسرح، له إنجازات متميزة فى مجال البحث والتوثيق للمسرح العربى ورواده، بدأها منذ عام 1980 واتخذت مسارا متصاعدا، حيث انتهى الآن من إعداد «موسوعة المسرح المصرى المصورة» منذ نشأته الأولى عام 1870 وحتى الآن.

6661

 

يعترف د. دوارة فى تقديمه للكتاب بأن إنجاز هذه الوثيقة كان مهمة شاقة ومحفوفة بكثير من المخاطر، بسبب عدم توفر كثير من البيانات والمعلومات الأساسية اللازمة، خاصة بيانات فرقة أوبرا ملك، فرغم أهمية هذه الفرقة، إلا أن المكتبة العربية لا تحتوى إلا على عدد قليل جدا من المراجع والإصدارات الصحفية، التى قدمت على عجالة وبصورة غير دقيقة، وكانت مجرد إشارات حول الفرقة، ولم تكن هناك قائمة تفصيلية للعروض، ويذكر أن أهمية فرقة أوبرا ملك ترجع إلى دور هذه الفنانة فى تحملها بمفردها مسئولية المحافظة على المسرح الغنائي، وفن الأوبريت خلال أربعينات القرن العشرين، والتى شهد المسرح خلالها غيابا ملحوظا، دفع كبرى الفرق إلى إغلاق أبوابها، باستثناء الفرقة القومية وفرقتى الريحان والكسار.

يضم هذا الكتاب فيضا من المعلومات الفنية والتاريخية، تدور عبر العديد من المحاور المتشابكة، وتتخذ مسارها فى إطار عملى واضح يكشف عن ثراء فكرى ووعى نقدى وإدراك فلسفة المسرح وعلاقته بالأيديولوجيا والسياسة والاقتصاد، حيث يجمع الكتاب بين التوثيق الأدبى والفنى وبين الرؤية النقدية، لا يكتفى بتسجيل وسرد بعض الوقائع التاريخية والفنية، لكنه يتجه إلى تحليلها والتعليق عليها، كما أنه يسجل العديد من الحقائق والمواقف المسرحية التى تستحق التوثيق، لذلك يصبح الكتاب إضافة حقيقية للتأريخ لمرحلة مهمة من مراحل الإبداع فى المسرح المصري، ومرجعا أساسيا لأعمال فرقة أوبرا ملك.

من المؤكد أن غياب البيانات والمعلومات الأساسية والصور لفرقة مسرحية قدمت العديد من التساؤلات التى بحثها د. دوارة واستبعد منطق الشائعات التى ترددت بقوة، لتتهم كوكب الشرق أم كلثوم باستغلال نفوذها لدى السلطة ورجال الصحافة والإعلام لمحاربة كل الفنانات المنافسات لها ومنهن ملك، منيرة المهدية، أسمهان وفتحية أحمد.. مؤكدا أن هذه الرؤى غير المنطقية لا تتناسب مع مكانة أم كلثوم وموهبتها الثرية، أما الأسباب الفعلية لاختفاء الصور من أرشيف جميع الصحف والمجلات وأيضا من المركز القومى للمسرح، فهى تعود إلى عدة أسباب متداخلة، منها عدم اهتمام ملك بالتوثيق لأعمالها لانشغالها الدائم، وتحملها وحدها مسئولية الإنتاج والإدارة والتلحين والتمثيل والغناء، بالإضافة إلى احتراق مسرحها فى حريق القاهرة 1952 وتلف جميع الوثائق والصور، وذلك بخلاف سفرها وإقامتها لعدة سنوات فى العراق، وكذلك غياب المجلات المسرحية المتخصصة خلال فترة الأربعينات، وبالتالى غياب الحركة النقدية.

يمثل تبويب الكتاب نقطة مضيئة متميزة، تضع هذه الوثيقة فى مصاف الأعمال العلمية رفيعة المستوى، كما أنه يكشف عن طبيعة شخصية د. دوارة الباحث والمخرج والناقد والمهندس، الذى تشكلت رؤيته عبر إدراكه فسلفة علم الهندسة، ومعنى الخطوط والزوايا والمساحات، ثم تبلورت فى وهج الوعى بجماليات الفن وثورة المسرح.

ينقسم الكتاب إلى خمسة فصول متكاملة، ترسم تفاصيل صورة المشهد الفنى الثرى للفنانة ملك، جاء الفصل الأول بعنوان «السياق التاريخى والفنى» ويتناول مؤشرات المسرح العربى بدءا من تجربة مارون النقاش فى لبنان، وأبو خليل القبانى فى سوريا، ويعقوب صنوع فى مصر، حيث صحوة المناخ الثقافى وتشجيع التعليم ونشاط حركة التأليف والترجمة وظهور الصحف والبعثات العلمية، وذلك منذ نهايات القرن التاسع عشر، مرورا بتحليل متميز لدور المسرح الغنائى واندفاع تيار المسرح الهزلي، ثم دور الاقتصادى الكبير طلعت حرب وكذلك مسيرة نجوم المسرح الغنائى وتطور الموسيقى العربية.

يأتى الفصل الثانى بعنوان «السيرة الذاتية والفنية للفنانة ملك» وهو فصل غزير الثراء، يغطى كل مساهمات هذه الفنانة على المستوى الغنائى والسينمائى والمسرحى وكذلك رحلتها الشهيرة إلى العراق، وأهم تفاصيل حياتها الشخصية، أما الفصل الثالث فكان عنوانه «فرقة أوبرا ملك وأهم عروضها» ونتعرف من خلاله على كل عروض الفرقة وفقا لترتيبها الزمني، وتنتمى جميعها إلى الأوبريت، ويذكر أن العروض التى جاءت بالكتاب قد وثقها د. دوارة ووضعها فى سياقها العلمى الدقيق، أما الحقائق التى ذكرت فى نهاية الفصل فهى تأتى كرؤية نقدية تحليلية، تكشف مدى الجدية والالتزام والتفاعل الحيوى لفرقة أوبرا ملك.

يتناول الفصل الرابع تعريفا بنجوم الفرقة ومبدعيها فى مختلف المفردات المسرحية وجميعهم كانوا نجوما كبارا خلال سنوات عطائهم، كذلك قام د. دوارة بتقديم نبذة عن كل منهم مع تصنيف مجال التخصص، أما الفصل الخامس والأخير فهو يأخذنا إلى دار عرض مسرح أوبرا ملك، حين قررت عام 1941 أن تمتلك دار عرض ترتبط باسمها، وتتيح لها إمكانية تقديم مواسم مسرحية منتظمة، وقد حرصت على أن يكون بمنطقة المسارح فى وسط البلد، وهو نفس المسرح الذى ما زال بموقعه الحالى خلف سينما كريم بشارع عماد الدين، وفى هذا السياق نتعرف على تفاصيل خشبة المسرح وأسلوب الإدارة وأسرار حريق القاهرة، وإعادة ترميم المسرح وافتتاحه عام 1956، ودور وزارة الثقافة والدكتور أشرف زكى فى استرداد هذا الكيان المسرحى ليعود إلى قلب زمننا مرة أخرى.

أخيرا.. كان هذا الكتاب مهمة صعبة، نفذها بدقة وأمانة علمية الدكتور عمر دوارة، ليصبح وثيقة فنية عالية القيمة، باعتباره مرجعا أساسيا لأعمال فرقة أوبرا ملك.