زيجمونت بومان : وسائل التواصل الاجتماعى مجرد فخ ترجمة: أحمد ليثي amlaithy احتفل زيجمونت بومان توًا بعيد ميلاده التسعين، ثم أخذ رحلة طيران من موطنه فى مدينة ليدز شمال بريطانيا

302000

زيجمونت بومان : وسائل التواصل الاجتماعى مجرد فخ

ترجمة: أحمد ليثي

amlaithy

احتفل زيجمونت بومان توًا بعيد ميلاده التسعين، ثم أخذ رحلة طيران من موطنه فى مدينة ليدز شمال بريطانيا ليحضر حدثا أكاديميا فى برجش شمال اسبانيا. اعترف قبل أن نبدأ إجراء الحوار بأنه مرهق، لكنه رغم ذلك ظل قادرًا على التحكم فى أفكاره بهدوء ووضوح، يأخذ وقته قبل أن يرد على أى سؤال، لأنه يكره إعطاء الإجابات البسيطة على الأسئلة المعقدة. منذ تطويره لنظريته الشهيرة عن الحداثة السائلة فى أواخر تسعينات القرن المنصرم، التى يصف فيها العصر الذى نعيشه في جملة واحدة: “كل المعاهدات مؤقتة، وعابرة، وصالحة حتى إشعار آخر”، صار بومان شخصية بارزة فى حقل السوسيولوجيا. عمل على توجيه النقد لعدم المساواة وما يرى أنه فشل السياسة فى الاستجابة لتطلعات الجماهير. التقطت حركة 15 مايو فى إسبانيا نظرته المتشائمة حول مستقبل المجتمع وتبنتها، على الرغم من أنه سلط الضوء مرارًا وتكرارًا على نقاط ضعفها.

وُلد عام 1925، وفرّ والداه عقب الغزو الألمانى للاتحاد السوفييتى عام 1939، لكنه رحل بعد ذلك إلى بريطانيا عقب تجريده من منصبه كأستاذ جامعى، وطرده من الحزب الشيوعى السوفييتى ضمن آلاف اليهود، فى أعقاب حرب الأيام الستة (حرب يونيو 1967) وتقلد منصبه كأستاذ فى جامعة ليدز، وصار الآن أستاذًا فخريًا فى السوسيولوجيا. في مقابلة له عام ٢٠١١ مع مجلة “بوليتكا”البولندية، انتقد بومان إسرائيل وقال إنها لم تكن مهتمه إطلاقًا بالسلام، بل كانت تستخدم الهولوكوست كعذر لشرعنة أفعالها المتوحشة. شبه بومان الحاجز الذي تضعه إسرائيل في الضفة الغربية مع الجدران التي كانت تضعها النازية في وارسو عندما قتل آلاف اليهود في الهولوكوست. وصف سفير إسرائيل زفي بار تصريحات بومان بأنها “نصف حقيقية” وأنها “تعميمات لا أساس لها”. تزوج بومان بالكاتبة جانينا ليونسون التي توفيت في ٢٩ ديسمبر من عام ٢٠٠٩ في ليدز. ولديه منها ثلاث بنات، الرسامة ليديا بومان، والمعمارية إرينا باومان، والبرفيسور في تعليم الرياضيات آن سفارد. نالت أعماله العديد من الجوائز العالمية، من بينها جائزة أميرة أستورياس فى اسبانيا عام 2010.

أوجز بومان نظرته المتشائمة فى كتب عدة، ففى كتاب صدر له عام 2014 (ثراء الأقلية) جادل فيه بأن العالم يدفع الآن أثمان باهظة نتيجة الثورة النيوليبرالية التى بدأت عام 1980، وهذه الثروة تركزت فى أيدى الأقلية ولم ينعم بها بقية المجتمع. فى كتابه الأخلاق العمياء، الذى نُشر العام الماضى، حذر مع ليونايدس دونسيكس، المؤلف الذى شاركه كتابة العمل، من أننا نفقد روحنا الجماعية نتيجة الغرق فى عوالمنا الذاتية.

إلى نص الحوار :

> وصفت التفاوت بأنه ورم خبيث، هل يبدو لك أن الديمقراطية تحت التهديد؟

– نستطيع أن نسمى ما نذهب إليه فى اللحظة الحالية بأنه أزمة الديمقراطية، انكماش الثقة، نعتقد أن قياداتنا ليس فقط غبية وفاسدة، لكنها أيضًا حمقاء. الفعل يستلزم القوة لتتمكن من اتخاذ القرارات، وبالطبع نحتاج السياسة، التى تعطيك القدرة لتقرر ما تحتاجه. لكن التزاوج بين القوة والسياسة انتهى فى الدول القومية. القوة تمت عولمتها، لكن السياسة لا تزال شيئا محليا. يمكننا ان نعتبر أن السياسة فقدت ذراعيها. كما أن الجماهير توقفت عن الإيمان بالنظام الديمقراطى، لأنه لا يحفظ وعوده. نرى ذلك واضحًا فى أزمة الهجرة، إنها ظاهرة عالمية، لكننا لا زلنا نتعامل معها بضيق أفق. مؤسساتنا لم تُصَمم للتعامل مع مواقف الترابط والاعتماد المتبادل، لذلك الأزمة الحالية للديمقراطية هى أزمة مؤسسات.

 

زيجمونت بومان

> إلى أين يتجه بندول الساعة الذى ما زال يتأرجح بين الحرية والأمن حتى هذه اللحظة؟

-هناك قيمتان لطالما كان صعبًا التوفيق بينهما، الأمن والحرية، إذا كنت تريد الأمن، عليك أن تتنازل بقدر معين من الحرية، وإذا كنت تريد الحرية، فعليك أن تتنازل بقدر معين من الامن، هذه المعضلة ستستمر إلى الأبد. اعتقدنا أن الحرية انتصرت قبل أربعين عامًا، عندما بدأ الناس العربدة الاستهلاكية، كل شىء بدا أنه ممكن، كان عليك أن تقترض الأموال والسيارات والبيوت، وتدفع لاحقًا. لكن الصحوة التى شهدناها فى 2008، كانت هى الأقوى عندما أدت لجفاف القروض. الكارثة، الانهيار الاجتماعى الذى ضرب الطبقات الوسطى حيث يمكثون كان هائلًا، لم يكونوا يعرفون هل ستندمج الشركات التى يعملون بها أم سيتم تسريحهم، لم يكونوا يعرفون هل تنتمى الأشياء التى اشتروها لهم حقًا أم لا.. الصراع توقف عن أن يكون بين الطبقات، الصراع الدائر الآن بين الفرد والمجتمع، الأمر لم يعد نقص الامن، بل نقص الحرية.

> قلت إن ذلك التطور مجرد خرافة، لأن الناس لم تعد تؤمن أن المستقبل سيكون أفضل من الماضى؟

-نحن فى فترة فاصلة بين عهدين، عهد كان لدينا فيه يقين كامل، وآخر لم تعد تجدى فيه الطرق القديمة لفعل الأشياء. لا نعلم ما الذى سيجرى ليحل محل تلك المشكلة، نحن نعمل على تجربة طرق جديدة لفعل الأشياء، خاضت اسبانيا تلك التجربة عبر حركة 15 مايو، عندما استغلت الجماهير المساحات العامة، لتحاول استبدال النهج التقليدى للديمقراطية، بنوع أشبه بالديمقراطية المباشرة، لكن ذلك لم يستمر لوقت طويل، إجراءات التقشف ستستمر، لا أحد سيوقفهم، لكن يظل فى وسعهم إيجاد طريق جديدة فعالة إلى حد ما فى فعل الأشياء.

> جادلت بأن أعضاء حركة 15 مايو والحركة العالمية “احتلوا” يعرفون كيف يكشفون الطريق، لكنهم لا يعرفون كيف يصنعون شيئا صلبا؟

-الجماهير تضع اختلافاتها جانبًا حينما يكونون فى الميادين العاملة لأن لديهم هدفا مشتركا، إذا كان هذا الهدف سلبيًا، أو كانت الجماهير غاضبة من شخص ما، فإن هناك فرصة أكبر للنجاح، بطريقة ما، يمكن أن نقول إن هذا انفجار تضامن، صحيح أن هذه الانفجارات قوية، لكن عمرها قصير.

> أنت تؤمن كذلك أن طبيعتهم تملى عليهم ألا يوجد بينهم قيادة؟

-ذلك لأن تلك الحركات تفتقر إلى قيادات يتمكنون من البقاء على قيد الحياة، لكن هناك سببا آخر، وهو أن تلك القيادات لا تستطيع تطوير الهدف إلى فعل.

> هل ساعدت حركة 15 مايو فى إسبانيا على خلق قوى سياسية جديدة؟

-استبدال حزب بآخر لن يحل المشكلة. المشكلة ليس أن أحد الأحزاب على خطأ، لكن لأن الأحزاب لا يتحكمون فى الإدارة. مشاكل اسبانيا جزء من مشاكل العالم, من الخطأ أن تظن أن بإمكانك حل المشاكل داخليًا.

> ما رأيك فى مشروع استقلال إقليم كتالونيا؟

-أرى أننا ما زلنا نتبع مبادئ فرساى، عندما تأسست فكرة الحكم الذاتى لكل أمة، لكن يعد هذا دربا من الخيال الآن، إذ لا يوجد المزيد من الأراضى لتأسيس الدول، اليوم كل مجتمع مجرد جمع من الشتات. الناس تنضم إلى المجتمعات التى تقدم لها فروض الولاء وتدفع لها الضرائب، لكن فى الوقت نفسه، لا يريدون أن يفقدوا هويتهم، العلاقة بين المكان الذى تعيش فيه وهويتك تدمرت. الموقف فى كتالونيا، كما فى اسكوتلاندا ولومبارديا يظهر فيه التناقض بين الهوية القبلية والمواطنة. كلهم أوروبيون، لكنهم لا يريدون أن يتحدثوا لبروكسل عبر مدريد، بل عبر برشلونة، الموقف نفسه ينشأ فى كل بلد، نحن لا نزال نتبع المبادئ نفسها التى تأسست فى نهاية الحرب العالمية الأولى، لكن هناك تغييرات كثيرة حدثت فى العالم.

> أنت تشك فى طريقة احتجاج الناشطين من خلال مواقع التواصل الاجتماعى، وتسمى هؤلاء “ناشطى الكنبة”، وتجادل بأن الانترنت يعمل على التسطيح من خلال ادوات رخيصة للترفيه، هل ترى أن مواقع التواصل الاجتماعى هى الأفيون الجديد للشعوب؟

– سؤال الهوية تبدل، من شىء تولد به إلى مهمة، والمهمة هى يجب عليك أن تصنع مجتمعك الخاص. لكن المجتمعات لا تُصنع، وأنت اما أن يكون لديك واحدًا أو لا، ما يمكن أن تفعله مواقع التواصل الاجتماعى هى أنها تخلق مجتمعا بديلا. الفارق بين المجتمع ومواقع التواصل هو أنك من تنتمى للمجتمع، لكن مواقع التواصل هى من تنتمى إليك، أنت تشعر بالتحكم، يمكن أن تضيف أصدقاء أو تحذفهم إن أردت، تتحكم فى الأشخاص المهمين الذين تتصل بهم. الناس تشعر بشعور أفضل قليلًا نتيجة لذلك، لأن الوحدة والهجر هى المخاوف الأكبر فى عصر الفردانية ذلك، لكن من السهل جدًا عندما تستمر فى إضافة أو حذف الأشخاص على مواقع التواصل، أن يفشل الناس فى تعلم المهارات الاجتماعية الحقيقية، ذلك أنك تحتاج عندما تسير فى الشارع، أو تذهب إلى أماكن العمل، أو تجتمع بالعديد من الأشخاص أن تدخل فى تفاعل مع كل هؤلاء. البابا فرانسيس، وهو شخص عظيم، أدلى بأول حواراته للصحفى الإيطالى الملحد “يوجينيو سكالفارى” عقب انتخابه، وجاء فى أقواله، إن الحوار الحقيقى ليس بين الأشخاص الذين يؤمنون بالأشياء نفسها التى تؤمن بها أنت. مواقع التواصل لا تعلمنا الحوار لأنك يمكنك ان تتجنب الجدال بسهولة، معظم الناس لا يستخدمون مواقع التواصل لا لكى يتوحدوا، أو لتوسيع أفقهم، بل على العكس من ذلك، ليقتطعوا لأنفسهم مساحة للراحة، حيث يمكنهم سماع صدى أصواتهم فقط، والأشياء الوحيدة التى يرونها هى انعكاسات وجوههم، صحيح أن مواقع التواصل مفيدة، توفر المتعة، لكنها مجرد فخ.

 

نقلا عن العدد الورقي رقم 819 بتاريخ 15 مارس 2016