بقلم: محمد سيد عبد الرحيم عصور التردي.. من “اسم الوردة” إلى “استخدام الحياة” علينا أن نعترف أننا نعيش فى العصور الوسطى/ الظلام (عصور محاكم التفتيش) بعد سجن الروائى أحمد ناجى

أحمد ناجي

بقلم: محمد سيد عبد الرحيم

عصور التردي.. من “اسم الوردة” إلى “استخدام الحياة”

علينا أن نعترف أننا نعيش فى العصور الوسطى/ الظلام (عصور محاكم التفتيش) بعد سجن الروائى أحمد ناجى عامين بتهمة ساذجة كـ”خدش الحياء” تماما مثلما كان يعيش أبطال فيلم اسم الوردة The Name of the Rose 1986 للمخرج الفرنسى جان جاك آنود (من أشهر أفلامه “العدو على الأبوابEnemy at the Gates “ 2001)

نتيقن عبر فيلم “اسم الوردة” المأخوذ عن رواية – صدرت عام 1980 – بنفس الاسم للكاتب الإيطالى امبيرتو إيكو الذى توفى فى نفس يوم صدور الحكم على أحمد ناجى أننا نعيش فى مجتمع لا يؤمن بالتطور ولا يريده بل يتلذذ بالتكرار ورغم ذلك لا يتعلم منه ليصبح مكتوبا علينا – عبر حضارتنا كلها – أن يُحبس كتاب ومفكرون ومبدعون بسبب آرائهم وأفكارهم وأعمالهم.

التطور التاريخى والعود الأبدي

تدور أحداث فيلم/ رواية “اسم الوردة” فى دير بشمال إيطاليا  عام  1327، حيث تتكرر جرائم قتل مريبة، ويكون التفسير الوحيد للرهبان هو وجود روح شريرة (شيطان) يتلاعب بالدير، ولكن الراهب ويليم من باسكرفيل يشكك فى هذا التفسير. وويليم هو الشخص الوحيد فى الدير الذى يعتمد على عقله للإجابة عن أى شىء خاصة لغز مقتل الرهبان هذا. ويشير الفيلم إلى أن ويليم كان قد عمل من قبل كمحقق في محاكم التفتيش ولكنه تخلى عن وظيفته تلك بعدما رأى أن مهمة محاكم التفتيش لم تعد لإرشاد الناس بل لمعاقبتهم بوسائل بشعة بعيدة عن روح المسيحية. ويتمكن ويليم أخيرا من فك ألغاز الجريمة ويتوصل لمعرفة القاتل الحقيقى لكن بعد موت عدة أشخاص وحرق الدير الذى يحتوى خيرة الكتب التى حفظها الرهبان من أيدى محاكم التفتيش طوال قرون عدة. أما رواية “استخدام الحياة” فهى تتناول بالأساس نقد المجتمع المصرى متمثلا فى مدينة القاهرة التى وصلت إلى حالة من الانحدار لم تصل إليها من قبل والتى نشهدها جميعا حيث يكشف لنا أحمد ناجى شر وعهر هذه المدينة عبر شخصيات وأحداث متميزة لينتقم لنا من هذه المدينة عبر إغراقها فى عاصفة ترابية تجعل من “أم المدن” أطلالا. وفى هذا يتفق إيكو وناجى فى فكرة تدمير الكيانات القذرة التى نخر فيها السوس حتى يتسنى لنا بناء عالم جديد أكثر نظافة ورقيا.

المجتمع العربي/ الإسلامى الذى ننتمى إليه لا يؤمن بأهمية التطور مثلما يدعى الكثيرون بل إنه لا يؤمن بأهمية التفكير أو حتى الكتب فتساؤل الكاتب يوسف إدريس ما زال مطروحا رغم مرور أكثر من 40 عاما حينما استفهم “ما الذى سيحدث إن نهضنا ذات صباح فوجدنا أنه ليس ثمة كتاب ولا مجلة ولا ثقافة؟ أغلب الظن أن أحدا لن يشعر بالخسارة.” والإجابة هى “نعم، لن يشعر أحد بالخسارة.” وهو ما يحدث تدريجيا فى مصر وهو ما كان يحدث فى العصور الوسطى حتى استطاع مجموعة من التنويريين وقف ذلك بأفكارهم ودمائهم حينما تصدوا للسلطة الدينية والسياسية والقضائية والمجتمعية بعد أن قتل وحرق وسجن وعذب منهم الآلاف وبعد أن تم حرق آلاف الكتب مثلما حدث بنهاية “اسم الوردة”. هذه الكتب التى بقيت من المحارق الأولى التى استهدفت كل الكتب التى لا تتماشى وتدعم الفكر السائد.

الكتاب/ التفكير ممنوع بأمر كل السلطات

فى اسم الوردة تتجلى العلاقة بين المعلم (ويليم من باسكرفيل/ شون كونري) والتلميذ (أدزو دى مالك/ كريستيان سلاتر) ذلك التلميذ الذى يكتب مذكراته ليروى لنا حادثة الدير التى شهدها فى شبابه. وعلى الرغم من مقتل عدة رهبان وحرق مئات الكتب فى حريق الدير/ المتاهة، إلا أن أفكار الأستاذ انتقلت إلى التلميذ عبر هذه الحدوتة البوليسية فسالت الأفكار من جيل إلى جيل وتطورت جزئيا – فالأفكار تتطور إلى ما لا نهاية لأن العقل لا نهائى الفكر والغايات – حتى وصلت أوروبا إلى ما هى عليه الآن من ريادة فكرية وتكنولوجية. وبذلك كانت المنفعة الوحيدة من حرق تراث الإنسانية هو أن الجيل القادم سيحافظ على عقل الإنسانية وبالتالى سيحافظ على الإنسانية لأن ماهية الإنسانية تكمن فى عقلها لا شيء آخر. وهو فى هذا يذكرنا بلقطة أخرى شهيرة فى فيلم “فهرنهايت Fahrenheit 451 “ لمخرج فرنسى آخر وهو فرانسوا تروفو والمأخوذ عن رواية للكاتب راى برادبري حيث يجلس شباب فى حضرة “الأناس الكتب” كل يوم حتى مماتهم حيث يلقن العجائز الصغار الكتب عن ظهر قلب بعد أن قضيت السلطات المختلفة على جميع الكتب حرقا (واقعة حرق وزارة التعليم المصرية لكتب فى إحدى المدارس) ومنعا (وقائع منع الكتب من دخول مصر أو حبس كتاب أو حبس أشخاص يحملون كتبا بعينها “1984” أو مداهمة المنازل ومصادرة كتب بها) وخوفا (كلنا نخاف اليوم من الكتابة أو حتى حمل كتاب ممنوع والسير به فى شوارع مصر).

أخيرا، الأمر الفادح فيما تمارسه السلطات المختلفة علينا هو أنها توقفنا عن التطور بكل السبل وبكل معانى الكلمة بدعوى الحفاظ على المجتمع وهى بذلك لا تحافظ على المجتمع بل تعود به إلى عصور قديمة لا ينتمى إليها عالم اليوم. فنحن لم نتطور أصلا بالقدر الكافى حتى ننتمى إلى عالم اليوم حيث نجرى فى مكاننا منذ أكثر من قرنين فى محاولة منا للحاق بركب الحداثة. ولكن السلطات الحالية تكبل أرجلنا وأيدينا حتى لا نستطيع أن نجرى أو نمشى أو نحبو أو حتى نزحف نحو المستقبل!

 

نقلا عن العدد الورقي رقم 819 بتاريخ 15 مارس 2016