فى الذكرى الـ93 لميلاده.. 21 مارس عيد ميلاد نزار واليوم العالمي للشعر.. أهذه مصادفة؟ د . منى حلمى   ارتشفت من فناجين القهوة، حتى صار النوم قمة يقظتى . أحرقت

نزار قباني

فى الذكرى الـ93 لميلاده.. 21 مارس عيد ميلاد نزار واليوم العالمي للشعر.. أهذه مصادفة؟

د . منى حلمى

 

ارتشفت من فناجين القهوة، حتى صار النوم قمة يقظتى . أحرقت من السجائر، ما أشبع حنينى إلى الرماد . مزقت من الصفحات، ما يكفى بناء بيت من الورق، ولم أهتد إلى “القطفة” الأولى من كلماتي، فى ذكرى ميلاده الـ 93 .

كان لابد لى من رحلة، طويلة، مضنية، على كل مرافئ اللغة، وموانئها. لم يكن هناك مفر من غربتى الحادة فى الكلام، وأنا أكتب عن رجل وطنه الكلمات.

أحاول أن أكتب عن “نزار” فى ذكرى الميلاد، (21 مارس 1923–30 ابريل 1998)

لكن كيف؟ هل تستطيع الأبجدية، أن تتهجأ حروفها؟ هل يمكن للكتابة، أن تكتب نفسها؟!

“نزار” ليس رجلا حاول بالكتابة أن يصنع وجوده النادر المتفرد. بل كان هو “الكتابة” فى ذروة تأنقها وعصيانها وافتضاح أسرارها. كان “الكلمة” السلسة العميقة مثل جذور الشجر.. الموحية بالتمرد المشعة بالحكمة.. النازفة عشقا النابضة بالغضب الثائر.. وأشجان الغناء. هو “الكلمة”، المنطلقة ضد احتلال الوطن.. وضد استعمار النساء. “ نزار “ ليس شاعرا أو واحدا من الشعراء . لكنه الشعر نفسه حينما يبقى متجددا ومتوهجا وساحرا .

من المحال أن تهل علينا ذكرى ميلاد “نزار” وفى مرحلة تثور فيها الشعوب العربية دون أن نتذكر قصائده الثورية عن الحرية والثورة ضد الحكام والتمرد على شيوخ القبائل الذكورية صعب جدا وليس من الوفاء أن ننسى “نزار” اليوم وهو الذى تمنى قيام الشعب العربي من نومه الطويل كيف ننساه وهو الدمشقى، الأصيل فى وقت تحولت سوريا فيه الى ساحة مفتوحة من سفك الدماء؟

وكان “المنفى” لنزار والإقامة الجبرية خارج وطنه ومصادرة قصائده “المغضوب عليها” وادانته بأبشع الاتهامات، يزيد من صلابته المزيد من الاتهام، كان يجدد السفر إلى فنادق الغربة، فترتفع قامته الشعرية .

كان “نزار” يؤمن بأن الإنسان الحقيقى الأصيل غير قابل للتجزئة. فالعاشق العظيم وحده هو المؤهل لأن يكون وطنيا عظيما.. وثائرا عظيما.

إن الوطنية والعشق والثورة عند“نزار” هى موقف من الحياة بكل تفاصيلها اللانهائية المرتبطة ببعضها البعض. لكن الغالبية، يعجزون عن رؤية هذا الارتباط.

بـمعنى أن مَنْ يؤلمه عصفور مسجون فى قفص يؤلمه بالدرجة نفسها، امرأة تعامل كالجوارى.. يؤلمه وطن أسير الاحتلال كل أشكال ودرجات الاحتلال خارجيا وداخليا تخدم بعضها البعض.

كتب “نزار”: “صورة الوطن عندى تتألف كالبناء السيمفونى من ملايين الأشياء.. ابتداء من حبة المطر إلى مكاتيب الحب إلى رائحة الكتب.. إلى طيارات الورق.. إلى حوار الصراصير الليلية إلى المشط المسافر فى شَعر حبيبتى..”

وكان لابد أن يتعرض “نزار” إلى مزايدات باسم الوطن.. وباسم الفضيلة وباسم الدين من الذين يعانون قصر النظر الوطنى وكهنة الوطنية وفقهاء تحرير الوطن.

تساءل محتكرو “التحرر الوطني” كيف للشاعر الذى لا هم له إلا امتداح عيون النساء، أن يهجو الخزى العربي؟ ماله ومال السياسة، والوطن والثورة،

وهو الشاعر، الذى تفوح من قصائده رائحة النبيذ واشتهاء النهود.. ويطربه رنين الخواتم والأساور ؟!!

كتب “نزار” :

لا أنتِ من صنف

العبيد ولا أنا أهتم فى بيع العبيد

انى أحبك جدولا وحمامة

وبنوءة تأتى من الزمن البعيد

وأنا أحبك فى احتجاج الغاضبين

وفرحة الأحرار فى كسر الحديد

….

وكتب أيضا “ لا تقلقى عليّ يا صديقتي

فكل ما اقترفته

انى منعت البدو أن يعتبروا النساء كالوليمة

وكل ما ارتكتبه

انى رفضت القمع

والايدز السياسي

والفكر المباحثي

والأنظمة الدميمة

وقال نزار “ تتظاهر – حين أحبك – كل المدن العربية

تتظاهر ضد عصور القهر

وضد عصور الثأر

وضد الأنظمة القبلية

وأنا أتظاهر – حين أحبك – ضد القبح

وضد ملوك الملح

وضد مؤسسة الصحراء

ولسوف أظل أحبك حتى يأتى زمن الماء

….

تساءل “نزار” : “ ما هو هذا الوطن؟

الذى يخاف أن يسمع صوت امرأة فى التليفون حتى لا ينقض وضوءه ما هذا الوطن؟

الذى ألغى مادة الحب كمن مناهجه الدراسية وألغى فن الِشعر وعيون النساء ما هو هذا الوطن؟

الذى يتكلم فى النهار كـقديس ويدوخ فى الليل على ُسرة امرأة

….

ويكتب عن “فاطمة” قائلا :

“ ترفض فاطمة جميع النصوص المشكوك بصحتها وتبتدئ من أول السطر تمزق جميع المخطوطات التى ألفها الذكور وتبتدئ من أبجدية أنوثتها تقفز من قطار الجاهلية تكسر ساعتها الرملية وتتكلم معى لغة البحر.

….

وإذا تساءلنا، مم كان يهرب نزار يرد علينا :

أنا هارب من كل إرهاب يمارسه جدودك

أو جدودى

أنا هارب من عصر تكفين النساء

….

من مقولات “نزار”.

“ مَنْ يرضى باستكانة امرأة يرضى باستكانة وطن” “ أريد أن أحب، حتى ألغى الشرطة والحدود والاعلام واللغات والألوان والأجناس أريد أن أستلم السلطة يا حبيبتى ولو ليوم واحد، لأقيم جمهورية الإحساس أدرك “نزار”، ان ثقافة النفط كارثة ذكورية وفخ حضاري ورجوع إلى الغزوات الجاهلية كتب “نزار” :

“ وتزوجت أخيرا

بئر نفط

وتصالحت مع الحظ أخيرا

كانت السحبة – يا سيدتى – رابحة

ومن الصندوق أخرجت أميرا

لم يحركني

حين شاهدتك فى كل الصور

تتثنين كالطاووس شمالا ويمينا

وتذوبين حياء وخفر

وتشدين على كف النبى المنتظر

كانت أحلام، “نزار”، أكبر من اتساع السماء، وأرحب من ذكريات الياسمين، فى بيته الدمشقي، وأكثر عمقا، وزرقة، من جميع “بحور الشِعر”.

قد نختصر أحلامه، حين كتب : “ أحاول رسم بلاد

تعلمنى أن أكون على مستوى العشق

أحاول رسم بلاد

لها برلمان من الياسمين

وشعب رقيق من الياسمين

محررة من جميع العقد

أحاول رسم بلاد تكون صديقة شِعري

لا تتدخل بينى وبين ظنوني

ولا يتجول فيها العساكر فوق جبني

أحاول رسم مدينة حب

لا يذبحون فيها الأنوثة

عاش “نزار” الحياة، كأنها قصيدة، صنعتها فصيلة دمه الثائرة وموهبته النادرة.. وعشقه للحرية.. وتمرده ضد جميع أنواع القيود.. عاش “نزار”، – رغم المنفى والإدانة والمصادرة (التى كان يفتخر بها، ويعتبرها الدليل على جودة القصيدة) الحياة، وفق مزاجه، المتقلب كالبحر عاشها عفويا متوهجا لا يطيع أى قانون، أو عُرف أو موروث، أو سُلطة، إلا سُلطة الشِعر عاش سعيدا،

لأن القصيدة اختارته، لتكون قدره.

لكنه، مثل كل المبدعات، والمبدعين، العظماء، كان لابد أن يأخذ نصيبه

من الحزن، والألم، والاغتراب قدر ندرة موهبته.

لذلك، كتب “نزار” :

فأنا إنسان مفقود

لا أعرف فى الأرض مكاني

ضيعنى دربى ضيعني

اسمى ضيعنى عنواني

تاريخى ؟! مالى تاريخ

انى نسيان النسيان

انى مرساة لا ترسو

جرح بـ ملامح إنسان

*****

فى ذكرى ميلاده الثالث والتسعين، يحتار قلبى مع “ نزار “ . أود أن يكون احتفالى به، على قدر حبى له، على قدر موهبته المبدعة النادرة الشامخة.

لأنه “ نزار “، الذى جعل الِشعر بيته، لا أجد الا أن أهديه، قصيدة من بستان قصائدى :

فى الحادى والعشرين من آذار

ثارت الأرض على ركود الشتاء

ف كان ميلاد الربيع

وميلاد نزار

فى الحادى والعشرين من آذار

ثار الشعر على قصائد الشعراء

ارتبكت فى مداراتها نجوم الليل

وتلعثمت فى خطوطها شمس النهار

ماذا سيفعل الكون ؟

والطفل المولود

جامح كالاعصار

له رقة الأزهار

ماذا سيفعل الكون ؟

والشاعر المولود

تشتهيه القصائد والنساء

مدهش كالأمطار

يالها من مصادفة أن يكون 21 مارس عيد ميلاد “ نزار “ هو اليوم العالمى

للِشعر. هذا يؤكد كلامى أن “نزار “، ليس شاعرا من الشعراء لكنه “ الِشعر“ فى أجمل صوره وأعمق معانيه. وأرجع أقول إنها ليست مصادفة انها واحدة من أسرار “ الحياة “ وشىء غامض من روح الشِعر.

 

نقلا عن العدد الورقي رقم 819 بتاريخ 15 مارس 2016