كتابه يوثق «لبارات مصر» محمود خيرالله: هدفي لفت النظر للهامش الاجتماعي   محمد عبد الرحيم   فى كتابه “بارات مصر/قيام وانهيار دولة الأُنس”، يقدم الشاعر “محمود خير الله” تجربة توثيقية

بارات مصر

كتابه يوثق «لبارات مصر»

محمود خيرالله: هدفي لفت النظر للهامش الاجتماعي

 

محمد عبد الرحيم

 

فى كتابه “بارات مصر/قيام وانهيار دولة الأُنس”، يقدم الشاعر “محمود خير الله” تجربة توثيقية جديدة تبتعد عن القصيدة وتتماس معها روحا فى الوقت نفسه. يوثق خير الله لحال مصر من خلال المكان (البار) وما يحمله من دلالات ثقافية وحياتية لدى المصريين.

ما الذى يحمله المكان الآن، بعد ان أصبح يحمل دلالات مغايرة بعد تغير المفاهيم الاجتماعية

 

صدر الكتاب عن دار روافد للنشر، وتم توزيعه بالتزامن مع معرض القاهرة الدولى للكتاب فى دورته السابقة فكان لنا مع مؤلفه هذا الحوار …

* ما الذى دعاك وأنت أحد شعراء قصيدة النثر المصرية إلى تناول مثل هذا الموضوع فى اللحظة الراهنة؟

-الحقيقة أن الشعر ليس بعيدا عن الفكرة، لكن دعنى أقول لك إنَّ العالم كله تآمر ليخرج هذا الكتاب إلى النور، ففى اللحظة التى كنت يائسا فيها تماما، بسبب تطورات الموقف السياسى ولأسباب شخصية أيضا، بعد وصول الإخوان إلى سدة الحكم فى مصر، اقترحت الفكرة انتقاما من الجو العام الذى كان سائدا فى مصر وقتها، على الصندوق العربى للتنمية “آفاق”، الذى رحب بدعم مشروع كتاب يتناول حياة البارات فى مصر، حيث كانت تلك أول مرة أتقدم فيها لجهة كى تدعم مشروع كتاب، والحق أننى سعدت بهذا الكتاب، الذى أتمنى أن يسعد القراء، بتذكر أيام المجد التى عاشتها بارات مصر، وأن يتحول إلى دعوة صريحة للحفاظ على هذه البارات من الاندثار، لأنها تمثل تجسيدا مصريا حيّا، لفكرة التنوع، الآخذة فى التآكل فى مصر، بكل أسف وهو مدخل لقراءة اجتماعية لتاريخ مصر.

* تنتهج الشكل التوثيقى دون الاقتصار على خيال فنى يجسّد حال هذه الأماكن؟

– قارئ الكتاب، الذى صدر مؤخرا عن دار “روافد” بالقاهرة، سوف يكتشف أنه يشتمل على جزأين، الأول نظري، تاريخي، يحاول الإجابة عن سؤال، هل شُرب المصريين للخمور، فى لحظات التجلي، أمر جديد أم أنه قديم قدم الشخصية المصرية نفسها؟ وهو الجزء الأول الذى وصل إلى أنه منذ عهد الفراعنة، تُعتبر “الجعة” المصرية المشروب الأشمل للمصريين، الصغار منهم والكبار، كما أن عمال الأهرامات كانوا يتناولونها يوميا مع بقية الأطعمة، هذا هو الجزء التاريخي، أما الجزء المُعاصر، فقد اشتمل على رحلة إلى عدد من البارات القديمة، المعروفة فى القاهرة والإسكندرية، نظرا إلى أن الظاهرة اختفت أو كادت فى أغلب المحافظات المصرية، مثل بورسعيد، ليقتصر الأمر على الفنادق التى تلتحق بها بارات، وهذه لم أتناولها فى الكتاب، لأنها لا تعبر عن الشكل الشعبى للبار.

* هل توجد دراسات سابقة تناولت مثل هذا الموضوع، وإن كانت وجدت، فكيف تراها وفق سياقها الزمنى والتاريخي؟

– لا لم يقترب أحد من البارات الشعبية، بوصفها المُتنفس الأرخص، لأبناء الطبقة الوسطى المصرية، الذين يخرجون فيها من عباءة الضغوط اليومية، هناك كتابات تناولت الحياة السرية للقاهرة القديمة، وخباياها وباراتها وملاهيها، ومنها الكاتب أحمد محفوظ صاحب كتاب “خبايا القاهرة عن ليالى القاهرة وخفاياها فى بدايات القرن العشرين” لكن أحدا لم يفكر فى البارات التى يزورها البسطاء والنخبة معا، ومنهم الفنانون والأدباء والكتاب والصحفيون والإعلاميون، ورجال الفكر والثقافة، وللأسف لا أحد يريد الاقتراب من موضوع البارات، كأنه من العيب شرح دورها اللافت فى احتضان الثورات المصرية، والالتفات إلى ما قدمته من مناخ مناسب لازدهار الحريات الخاصة، منذ 1919 وإلى الآن، كما فى حالة بار ريش مثلا، التى لعبت دورا مهما فى ثورة 25 يناير 2011، كما لعبت دورا مهما أيضا فى ثورة 1919 حيث طبعت منشورات الثورة ضد الاحتلال الانجليزى فى قبو البار، الذى تم تجديده الآن ويحتفظ بآلة الطبع القديمة كذكرى، وصار هذا القبو بالذات مكانا تاريخيا فى قلب القاهرة، لا أحد يعرف عنه شيئا.

* هل من الممكن التوضيح بشأن الرابط بين ازدهار حالة البارات واستقرار مفهوم الدولة المدنية؟ وهل نعيش الآن فى ظِل دولة مدنية بالفعل؟

 

-أنا من الذين يؤمنون بأن ملامح الدولة المدنية فى مصر تقوم على عدة أسس منذ زمن طويل لا يمكن القضاء عليها بسهولة، منها أننا نمتلك خطوط سكة حديدية منذ أكثر من 170 عاما، ولدينا “قناة السويس” منذ أكثر من مائة عام، ونمتلك أكبر قدرات سياحية أثرية فى المنطقة وفى مدينة “الأقصر” وحدها ثلث آثار العالم، ويجب أن تكون لدينا حركة بارات نشطة لأن ذلك يعنى الكثير للثقافة المصرية، المعروفة باعتناقها مبدأ التسامح الديني، وهى الفكرة الأصلية التى يجب أن تقوم عليها “الدولة المدنية”، فى أى مكان فى العالم.

* كيف ترى المصرى وهو يوافق ما بين المعتقد الدينى وفعل المُحرّم المتمثل فى تناول الخمور؟

-لستُ معنيا بالإجابة عن هذا السؤال، لكننى معنى بالممارسة، الحقيقة أن الممارسة تقول إن المجتمع المصرى ليس من المجتمعات المسرفة فى تناول الخمور، والمواطن المصرى لا يشرب بالكثافة التى يشرب بها المواطن السودانى أو التونسي، والظاهر فى مصر أن معدلات تناول المشروبات الكحولية فى مصر زادت مثلا تحت حكم الإخوان، وفق إحصاءات تجارية بحتة، لكن ما أثبتته التجارب أن تناول المشروبات الكحولية فى مصر كان ولا يزال مسألة مستقرة فى الوجدان الشعبى لدى قطاعات غير قليلة من المصريين.

* يرتعب البعض من تناول الخمور، لكنهم يألفون أشكالا أخرى كالحشيش وما شابه، ما تفسيرك لذلك؟ وعلاقة ذلك بما يُسمى بالطبقة الوسطى؟

-الحق أن الرعب من الخمور مفهوم دينى، لكن غير المفهوم مطلقا هو تجريم أشكال من المخدرات لم تعد مجرمة فى كثير من الدول المتحضرة، وإذا كان لنا أن نسأل فيجب أن يكون السؤال، لماذا تجرّم الدولة المخدرات وتبيح الخمور، بأسعار مناسبة وبصناعة محلية ومستوردة أيضا، من المستفيد من تجريم المخدرات. هذا هو السؤال؟!

* روح التسامح والبحث عن البهجة، كيف تفسر غيابها عن المصريين الآن؟

-روح البهجة والتسامح لا يمكن أن تغيب عن المصريين، لكن يمكن أن يفتقدها البعض إلى حين، وهى بسبب انتشار الأفكار الوهابية الصحراوية التى لا تعكس ثقافة النيل بأى حال من الأحوال، هذه الثقافة التى غزت الشارع المصرى وضيّقت على كثير من أبناء الطبقة الوسطى الذين يعملون فى السياحة، وفرضت قانونها البالي، بنشر الأفكار المتشددة، التى لا تعكس التنوع المصرى الثري، وفى الامتداد الثقافى الجنوبى لمصر، أقصد فى السودان، الخمور منتج محلى متميز فى كثير من البيوت يسمى العرقي، أحيانا، تقوم النساء بانتاجه فى بيوتهن.

* ما الفارق الذى لاحظته أثناء الدراسة بين بارات الصفوة والفئة الشعبية؟

-بارات الصفوة تنتشر فى أماكن أخرى غير وسط القاهرة، كما أنها يمكن أن تكون جزءا من فندق مثلا لكن البارات التى قمت بدراستها هى بارات الغلابة، التى لا تقدم شيئا سوى المشروبات، وتسمع فيها حكايات الأسى الإنسانى العذب، وهى أماكن تعتبر بالنسبة لروادها مكانا ساحرا لنسيان الهموم، أو حتى لتجاوزها.

* برأيك إلى أى مدى نجح الأدب فى تمثيل عالم البارات، سواء فى النصوص السردية أو الشعرية؟

– البارات ليست وصفة للكتابة ولا شيء من هذا القبيل، هى أماكن عامة، قد يكتبها الأدباء أو لا، لكنها انعكست كأماكن فى كثير من الأعمال الأدبية، وهناك روايات عن مقهى الحرية وبعض رواده، وهناك أشعار لشعراء كبار مثل نجيب سرور وأحمد فؤاد نجم عن مقهى ريش، لكن إذا لم ينجح الأدب أو الفن فى تمثيل عالم البارات سرديا أو شعريا فهذه مسألة عادية جدا، أنا لا أنتظر من الأديب أن يكتب عن البار، لأنه فى الغالب يذهب إلى البار لكى ينسى حتى ما يكتبه.

* كيف ترى مسرودات عالم البارات الشفهية؟

-الحق أن أحد الكنوز التى وقعت عليها أثناء إعداد هذا الكتاب أننى زرت بارات الإسكندرية، واستمعت إلى حكايات من جامع مخطوطات أثرية “مكرم سلامة” وهو يتحدث بحسرة عن أعداد البارات الهائلة التى كانت فى شارع واحد فى مدينة الإسكندرية، مطلع القرن العشرين، حينما كانت الدولة تشرف بدقة على عقود تأجير المحلات لتصبح بارات أو خمارات، الرجل قال إنه فى شارع سكندرى واحد كان هناك أكثر من عشرين بار، فى الأربعينات من القرن الماضي، ومن بين ما زرته فى الإسكندرية بار كان مخصصا لليونانيين، هو “إيليت”، قبل ثورة يوليو مثلا، والذى كان المكان المفضل للشاعر السكندرى الراحل “قسطنطين كفافيس”.

* ماذا عن الحال المصرى الآن والنظرة الاجتماعية إلى مثل هذه الأماكن وروادها؟

-النظرة الاجتماعية إلى البارات وروادها اختلفت بسبب تأثير الثقافة الوهابية على جزء من المجتمع المصري، وخلال الأعوام الماضية، فى الإسكندرية، ضيق التيار المتشدد الخناق على كثير من البارات ما دفع أصحابها إلى إغلاق أبوابها، خوفا من الجار، أو تحسبا لأزمة وسط حالة الاستقطاب السياسى الذى تعيشه مصر، حيث يعمل ويمتلك كثيرا من البارات فى القاهرة مسيحيون، كانت حالتهم فى غاية السوء خلال حكم الإخوان.

 

نقلا عن العدد الورقي رقم 819 بتاريخ 15 مارس 2016