أسامة عبد الفتاح يكتُب إينياريتو .. صانع التحف وملك الأوسكار   لا يمكن وصف مسيرة المخرج المكسيكى الكبير أليخاندرو جونزاليس إينياريتو، الفائز بجائزة أفضل مخرج فى حفل الأوسكار الأخير (28

t12

أسامة عبد الفتاح

أسامة عبد الفتاح يكتُب

إينياريتو .. صانع التحف وملك الأوسكار

 

لا يمكن وصف مسيرة المخرج المكسيكى الكبير أليخاندرو جونزاليس إينياريتو، الفائز بجائزة أفضل مخرج فى حفل الأوسكار الأخير (28 فبراير الماضى) سوى بأنها مدهشة، فقد أصبح من أساطير الإخراج السينمائى فى العالم خلال مدة لا تتجاوز 15 عاما، وعبر ستة أفلام روائية طويلة فقط قدمها، وحققت كلها نجاحا نقديا وجماهيريا كبيرا، وفازت بعشرات الجوائز الدولية.

إينياريتو، المولود فى 15 أغسطس 1963 فى مدينة مكسيكو سيتي، هو أول مكسيكى يترشح لأوسكار الإخراج عام 2006 عن فيلمه “بابل” – وليس أول من يفوز بها، حيث سبقه إلى ذلك مواطنه وصديقه ألفونسو كوارون عن “جاذبية أرضية” عام 2013، كما أنه أول مكسيكى يفوز بجائزة أفضل مخرج من مهرجان “كان” السينمائى الدولي، وثالث مخرج على الإطلاق يقتنص الأوسكار عامين متتاليين بعد جون فورد وجوزيف مانكيفيتش، والأول منذ عام 1950.

ليس مخرجا فقط، بل منتجا وسيناريست أيضا، وشارك فى إنتاج وكتابة معظم أفلامه الروائية الطويلة الستة، وفاز العام الماضى بجوائز أوسكار أحسن فيلم وأفضل سيناريو مكتوب مباشرة للسينما – بالإضافة إلى الإخراج – عن فيلمه “بيردمان، أو فضيلة الجهل غير المتوقعة”، فيما نال جائزة العام الحالى عن فيلم “العائد من الموت”.

الغريب أنه لم يدرس السينما، بل تخرج فى كلية للاتصالات بمكسيكو سيتي، وبدأ حياته العملية عام 1984 مذيعا فى محطة راديو (WFM) المكسيكية.. والأكثر غرابة أن علاقته بالسينما لم تبدأ كمونتير أو مدير تصوير أو حتى مساعد إخراج مثل غيره من المخرجين، بل كمؤلف للموسيقى التصويرية لستة أفلام مكسيكية روائية فى الفترة من 1987 إلى 1989. وصرح فيما بعد بأن الموسيقى كان لها تأثير عليه كفنان أكثر من الأفلام نفسها.

t14

فى بدايات التسعينات، أسس شركة (Z) للإنتاج السينمائى فى المكسيك مع راؤول أولفيرا. وفى نفس الفترة، تعرف إلى الكاتب جييرمو أرياجا، الذى شاركه فيما بعد كتابة أفلامه الثلاثة الأولى، المعروفة باسم “ثلاثية الموت”، والتى يقوم كل منها دراميا على عدة قصص متشابكة ومتقاطعة يتم سردها بالتوازي.

يحمل الفيلم الأول اسم “أموريس بيروس”، من إنتاج 2000، وفاز بالجائزة الكبرى لأسبوع النقاد الدولى من مهرجان “كان” فى ذلك العام، كما تم ترشيحه لأوسكار أفضل فيلم أجنبي. وبعد نجاحه، كرر إينياريتو وأرياجا أسلوب بنائه الدرامى فى فيلم إينياريتو الثانى “21 جراما”، الذى اُختير للمنافسة على الأسد الذهبى فى مهرجان فينيسيا السينمائى 2003، حيث فاز بطله بينيسيو دل تورو بجائزة أحسن ممثل.. وفى ذلك العام تم ترشيح دل تورو وناعومى واتس للأوسكار عن دوريهما فى الفيلم.

أما الفيلم الثالث، فهو الشهير “بابل” (2006)، الذى يروى أربع قصص متوازية فى المكسيك والمغرب والولايات المتحدة واليابان بأربع لغات مختلفة.. وقد عاد به إينياريتو للمنافسة فى “كان”، حيث فاز بجائزة الإخراج، كما تم ترشيح الفيلم لسبع جوائز أوسكار – من بينها أفضل فيلم ومخرج – حصل منها على جائزة الموسيقى التصويرية لجوستافو سانتاولالا.

وبعد انتهاء “ثلاثية الموت”، ونهاية مرحلة تعاونه مع أرياجا، أخرج – عام 2010 – وشارك فى كتابة “بيوتيفُل”، أول أفلامه بلغته الإسبانية الأم منذ “أموريس بيروس”، والذى نافس فى “كان” كالعادة، وحصل بطله خافيير بارديم على جائزة أحسن ممثل عن دوره الذى ترشح أيضا للأوسكار، فيما تم ترشيح الفيلم لأوسكار الفيلم الأجنبي، لثانى مرة فى تاريخ إينياريتو.

t11

ظل صامتا أربع سنوات بعد ذلك إلى أن انفجر، فى 2014 و2015، صانعا التحفتين اللتين منحتاه جائزتى الأوسكار المتتاليتين وجعلتاه حديث هوليوود والعالم كله: “بيردمان” و”العائد من الموت”. وقد اختار تنفيذ الأول بأسلوب اللقطة المشهدية، أى المشهد الطويل المكون من لقطة واحدة لا يقطعها – مهما تغيرت الأماكن والشخصيات – إلا فى الضرورة القصوى.. ويتطلب هذا الأسلوب المذهل استعدادات تقنية غير عادية، منها إضاءة جميع الأماكن التى يمر عليها الممثلون مهما تباعدت، وإمدادها جميعا بمعدات الصوت، فضلا عن التدريبات الشاقة والطويلة للممثلين، لأنه إذا ارتكب أحدهم خطأ بسيطا بعد مرور عشر دقائق من التصوير مثلا، سيكون المخرج مضطرا لإعادة المشهد كله.

وفى الثاني، “العائد من الموت”، واصل إبهار العالم تقنيا، بما يقترب – كما كتبت فى هذا المكان من قبل – من حد الإعجاز، خاصة فى النصف الأول من الفيلم، الذى يُعد من أفضل ما أنتجه فن السينما عبر تاريخه على الإطلاق، والذى يتجاوز أى محاولة حتى للتساؤل عن كيفية صناعته وتصويره وكيفية عمل “الجرافيك” والخدع وغيرها، ولا يترك للمشاهد سوى الدهشة والانبهار.