شريف صالح   تمر هذه الأيام الذكرى الخمسون لوفاة محمد القصبجى. وغالبًا ستمر فى صمت كما مرت حياته. رغم أنه لم يكن ملحنًا عاديًا ويكفيه فخرًا أنه أستاذ أم كلثوم

أستاذ العظماء

شريف صالح

 

تمر هذه الأيام الذكرى الخمسون لوفاة محمد القصبجى. وغالبًا ستمر فى صمت كما مرت حياته. رغم أنه لم يكن ملحنًا عاديًا ويكفيه فخرًا أنه أستاذ أم كلثوم وعبد الوهاب.

ولد القصبجى عام 1892 نفس العام الذى ولد فيه سيد درويش.. ورغم أن درويش مات فى ريعان شبابه لكنه حقق شهرة هائلة لم ينل القصبجى شيئًا منها.

والسبب فى اختلاف المشروعين أن مشروع درويش كان شعبيًا يعيد كلام الناس وإيقاعاتهم عبر أغانيه حتى أصبح الأب الروحى للموسيقى المصرية ولثورة 1919.

أما القصبجى فهو الأكاديمى الذى يرى أن ما ينقص موسيقانا هو “العلم” محاولًا الاستفادة من الكلاسيكيات السيمفونية للارتقاء بالجملة الشعبية إلى التأليف المنضبط.

كان اتجاهه رائدًا لكنه لم يكن شعبيًا.. إضافة إلى اختياره لأصوات نوعية لتوصيل ألحانه مثل ليلى مراد “قلبى دليلي” وأسمهان فى “يا طيور” و”امتى حتعرف”.

فمزايا القصبجى هى نفسها كانت ما يعيق شهرته، يُضاف إلى ذلك أنه لم يعرف عنه الولع بتلحين الأوبريتات والمسرحيات والأعمال المنسوبة إليه فى هذا الاتجاه تعد على أصابع اليد.. بينما كان درويش مكتسحًا فى هذا المجال الذى كان يحقق شهرة بالغة باعتباره بوابة الاستماع الأساسية لجمهور ذلك الزمن.

كما لم يكن القصبجى مغنيًا لألحانه مثل تلامذته. وأيضًا عدم امتلاكه الوسامة الجاذبة لوسائل الإعلام. كلها عوامل ساهمت فى سوء حظه من الشهرة.. حيث باتت صورته الراسخة كعجوز ناحل بشارب قصير يجلس منكفئًا على عوده فى التخت الكلثومي. وهى صورة هزلية أبعد ما تكون عن دوره التاريخى فى تطوير الموسيقى العربية. لدرجة أن فيكتور سحاب ذكر أنه يوجد فى تركيا معهد موسيقى باسمه.

وإذا كانت أجيال من الموسيقيين تتلمذوا على يديه بشكل مباشر وفى مقدمتهم عبد الوهاب الذى تعلم عزف العود عليه عام 1924 وفريد الأطرش.. فثمة حاجة إلى تدقيق من تعلموا على يديه حيث تشمل القائمة السنباطى وفوزى والموجي.. ما يعنى أن كل عظماء الموسيقى فى القرن العشرين (باستثناء سيد درويش وزكريا أحمد) هم تلامذته.

ولولا القصبجى ما كانت ظاهرة الست.. فهو من استمع إليها وهى ما زالت بالعقال على رأسها عام 1924 فتبنى صوتها بألحانه من أول “قال إيه حلف ما يكلمنيش” وأسس لها فرقتها وتولى رئاستها حتى قبيل وفاته بفترة بسيطة.

كانت أم كلثوم بحاجة إلى بداية تتجاوز بها أسماء متربعة على عرش الغناء مثل منيرة المهدية وفتحية أحمد.. وإلى ألحان متطورة عن القالب التركي. وبفضله حققت النقلة وتربعت سريعًا على عرش الغناء وأزاحت جميع الأصوات الرجالية والنسائية.. ولمدة عشرين عامًا وحتى عام 1944 تاريخ آخر أغنية قدمها لها.. ظل رئيس الفرقة وموسيقارها الأول وقدم لها قرابة سبعين لحنًا. قبل أن يبدأ جيل آخر يزاحمه ممثلًا فى السنباطي. وكانت آخر أعماله لها رائعته “رق الحبيب” و”يا صباح الخير ياللى معانا”.

بعدها تراجعت حظوته، فقيل إنها غضبت عليه حين طلبت منه عدم التلحين لأسمهان لكنه رفض. فخسر الاثنتين معًا فى نفس العام، بمصرع أسمهان ورفض أم كلثوم ألحانه بعد ذلك.

كما قيل إنه بدأ ينسى ما دفعها إلى عزله من رئاسة الفرقة والإبقاء عليه كعازف. وهو ما يظهر الست كشخصية جبارة.. وإن كان يمكن تفهم هذا بمدى حرصها على فنها.. ولو تصرفت معه بشكل مسيىء لما قبل الاستمرار.. بل إنها وعقب وفاته أبقت على كرسيه شاغرًا فى منتصف التخت.

والراجح أنه قدم لها ألحانًا لكنها شعرت أن الزمن تجاوز أسلوبه خصوصًا أنها كانت مولعة بالتجديد وإلا لما تعاونت مع ملحن مثل بليغ لم يبلغ الخامسة والعشرين.. ويروى أنها قالت له “أنت كبرت يا قصب.. ومحتاج راحة طويلة”.

واليوم “قصب” أستاذ كل هؤلاء العظماء.. بحاجة إلى التقدير الذى يستحقه.. بتخليد اسمه فى كتب المدارس والشوارع والميادين وتمثال يليق به فى دار الأوبرا.