حنان كمال   أتصور نفسى كثيرا فى هذا الوضع طفلة يربطها أبواها برجل السرير وينهالان عليها ضربا, وهى تصرخ , حرمت, حرمت, لن أفعلها مجددا , لا أعلم على وجه

أنا مسكينة

حنان كمال

 

أتصور نفسى كثيرا فى هذا الوضع طفلة يربطها أبواها برجل السرير وينهالان عليها ضربا, وهى تصرخ , حرمت, حرمت, لن أفعلها مجددا , لا أعلم على وجه اليقين أى ذنب من ذنوبى الكثيرة على أن أقلع عنه بلا عودة, لكن لسعات الكرباج على جسدى تجعلنى أوافق حتى على أن أقلع عن التشبث بالحياة.

أنا مسكينة حقا, الله يعلم ذلك وأنا أيضا أعرفه, أعلم أننى هشة كفراشة تحوم حول النور ثم تحترق, تبعث من جديد فتحوم مرة أخرى حول نور جديد فتحترق, وهكذا دواليك, لا تكف عن الانجذاب للنور ولا يكف النور عن حرق أجنحتها الصغيرة, أنا مسكينة لا أفعل إلا أننى أنفذ قدرى باحترافية شديدة.

أنا مسكينة حقا, تسير أمورى باللطف الإلهى , هل تظنون أننى أتدبر أمورى أو أننى أؤثر فى ربع سنتيمتر من الكون المحيط؟ أنا أسير حسبما تريد المشيئة, أبتلع مراراتى وأواصل السير لأنه ما من خيار آخر.

أنا مسكينة حقا, فأنا ما زلت تلك الطفلة الصغيرة ذات العينين المندهشتين, اللتين تصمتان كثيرا, ذات الجسد النحيل, ابنة الفقراء التى تراقب كونا أوسع منها, الفارق الوحيد أننى وقتها كنت أستعد لولوج العالم بأحلام كبيرة, الآن صرت أستعد لمغادرته بزهد كبير, محصلة الرحلة يا عزيزى أن هذا الكون الجميل البديع حقا لا يستحق كل هذه المشقات.

إنه كون جميل حقا لأن فيه من روح خالقه, لكن يشبه قطرات العسل الساخن التى تلسع أناملى كلما هممت أن أقطفها, أخبر الله كثيرا فى حواراتى الكثيرة معه, إننى أحب هذه الحياة لأنه خالقها وواهبها, لكنه ولأنه يدرك أننى لم أعد أحتمل, أخبره أيضا بأننى لا امانع فى سيناريو الرحيل.

أنا مسكينة حقا, أحمل فوق كتفى عالما أكبر منى وأركض, لا أعلم لماذا ولا متى سينتهى الركض, ولا أعلم الحكمة من الركض لكنه المكتوب.

أنا مسكينة حقا, أعجز عن حل أبسط المعادلات الرياضية, ولم أعد أفهم الدروس التى يستذكرها الصغار, أعانى آلام الركبة كالنساء العجائز وأسير فى الأسواق بجسد مكور, أبدو وكأننى شهادة حية على ما تفعله السنون والنوائب فى البشر.

أنا مسكينة حقا أحيا برحمة الله, لو لم تكن رحمته تلازمنى لضعت فى مستشفيات لا توفر علاجا للفقراء, أو لربما عجزت عن السير فى الحياة بصحبتى جعبة المسئوليات المنتفخة وثلاثة أطفال يكبرون معلقون بكتفىّ الصغيرتين.

أنا مسكينة حقا طوبى للمساكين وللذين يدركون أنهم مساكين.