الجديد الذى لا يستطيع أحد أن يقاومه أو يرفضه صلاح عيسى   احتل سائقو التاكسى فى القاهرة، أحد الميادين العامة وكوبرى أكتوبر فى أحد أيام الأسبوع الماضى لعدة ساعات، فأحدثوا

الجديد الذى لا يستطيع أحد أن يقاومه أو يرفضه

الجديد الذى لا يستطيع أحد أن يقاومه أو يرفضه

صلاح عيسى

 

احتل سائقو التاكسى فى القاهرة، أحد الميادين العامة وكوبرى أكتوبر فى أحد أيام الأسبوع الماضى لعدة ساعات، فأحدثوا ارتباكا شديدا فى مدينة من أكثر مدن العالم ازدحاما بالسكان وبوسائل المواصلات، احتجاجا على صمت الحكومة على شركات تنافسهم فى أكل عيشهم، وتتولى تنظيم ممارسة أصحاب السيارات الخاصة للعمل الذين يقومون به عبر الاتصالات الإلكترونية، حتى ارتفع عدد هذه السيارات – فى العام الأخير – إلى عشرة آلاف سيارة.

وكان المنطق الذى استند إليه المحتجون، هو أن القانون يعطيهم حق احتكار العمل فى مجال نقل الركاب بأجر، ويفرض عليهم مقابل ذلك الضرائب ويعفى منها أصحاب السيارات الخاصة، التى يحظر القانون عليها أن تقوم بهذا العمل، وأن صمت الحكومة على هذه الشركات، قد أعطاها ميزة تنافسية، مكنتها من اجتذاب الذين يحتاجون إلى هذه الخدمة، فأحدث ذلك ركودا ملحوظا فى إقبالهم على استخدام التاكسى.

ولم يجد سائقو التاكسى من يتعاطف معهم من الركاب، الذين أجمعوا على أنهم أساءوا استغلال الاحتكار الذى منحه لهم القانون، فى إهدار حقوق الذين يستخدمونه بصورة بشعة ومنقطعة النظير، فهم يقومون بتعطيل أجهزة التكييف فى سياراتهم، ويتعمدون تعطيل العدادات التى تحدد سعر المسافة، بحيث تضاعف الأجر القانونى لها، ويرفضون الذهاب إلى أماكن بعينها، ويجبرون الراكب على الاستماع إلى ما يفضلون هم سماعه من برامج الراديو أو أشرطة الأغاني، ولا يكفون عن الثرثرة مع الراكب، ولا يرتدون أزياء مناسبة أو نظيفة.. إلخ، وبرروا إقبالهم على الخدمة الجديدة، بأنها خدمة عصرية، بدأت تغزو العالم كله، إذ يستطيع كل من يحتاج إلى تاكسى أن يتصل بالشركة هاتفيا أو عبر البريد الإلكترونى ليطلبه، فيصل إليه حيث يقيم أو يقف، وينقله إلى المكان الذى يريد، بعد أن تسجل لديه كل البيانات التى تتعلق بالسيارة، من رقمها إلى اسم السائق وصورته إلى خط سيرها، وتستطيع أسرته أن تتابع حركة السيارة حتى تصل به إلى المكان الذى يقصده ليدفع الأجر عبر «الفيزا كارد» ويحصل على فاتورة بذلك، فضلا عن أن السائق يقضى فترة تدريب يتلقى خلالها دروسا فى معاملة الركاب.

وفى المناظرات التليفزيونية الكثيرة التى دارت خلال الأسبوع الماضى حول الأزمة، أنكر كل المتحدثين باسم نقابة سائقى التاكسي، كل الانتقادات التى وجهها الركاب إلى أعضائها، واعتبروها حملة تشهير إعلامية منظمة، تشنها الشركات المنافسة، وتمسكوا بحقهم فى احتكار الخدمة، دون أن يعدوا بتحسينها أو يتقبلوا الاقتراحات التى قدمت لهم، بأن يطوروا الخدمة ويؤسسوا شركات أو جمعيات تعاونية لتطوير ما يقومون به من خدمات، على نحو يجعلها تصمد أمام المنافسة.

ولا يختلف ما فعله سائقو التاكسى فى الأسبوع الماضى عما فعله الحمارون والعربجية فى مناسبات تاريخية سابقة إذ كان الحمار هو تاكسى العاصمة حتى العقود الأولى من القرن العشرين، وكانت له مواقف محددة فى الميادين العامة، يتجه إليها الركاب الذين يبحثون عن وسيلة نقل داخل المدينة، وكانت «العربية الكارو» هى وسيلة النقل الجماعى للبشر والبضائع.. ثم بدأت وسائل العصر الحديث فى النقل تزحف على العاصمة، فعرفت «عربات سوارس» التى أسسها مليونير سويسرى يقيم فى مصر ويحمل هذا الاسم، وهى عربات خشبية تسير على قضبان فى خطوط منتظمة، وتجرها البغال أو الخيول، ثم السيارات التى كانت تسمى بـ«الأوتومبيل» ثم أتوبيسات النقل الجماعى ثم التاكسى.

وفى كل مرحلة من هذه المراحل، كان الجديد يجاور القديم لفترة، ثم يبدأ فى منافسته تدريجيا، إلى أن يسحب البساط تماما من تحت قدميه، فيحتج الذين يأكلون عيشهم من القديم، ويقدمون العرائض والالتماسات وينظمون المظاهرات، يطالبون فيها بحمايتهم من الجديد الزاحف باعتبارهم أصحاب حق تاريخى فى احتكار المهنة ثم يستسلمون فى النهاية للأمر الواقع.. فيؤهلون أنفسهم للعمل بالجديد، أو يبحثون لأنفسهم عن مهنة أخرى.

وحتى منتصف القرن العشرين، كان الطربوش هو الغطاء القومى لرءوس الرجال المصريين والعرب، مع أنه فى الأصل زى يونانى انتقل إلى الأتراك، وشاع فى البلاد العربية التى احتلوها، وكانت التقاليد تلزم موظفى الحكومة وطلاب المدارس بألا يذهبوا إلى مكاتبهم أو مدارسهم، إلا وهم يضعون الطرابيش على رءوسهم ولا يدخلوا على رؤسائهم برءوس عارية، ولم يكن هناك شارع فى القاهرة يخلو من محل طرابيش يعمل فى غسل وكى وإصلاح الطرابيش.

وحين فكر عدد من الشباب المصريين فى ثلاثينات القرن الماضى أن يحققوا استقلال مصر الاقتصادى، وينافسوا الصناعات التى يسيطر عليها الأجانب، أسسوا «جمعية القرش» التى قامت بجمع قرش من كل مصري، لتأسيس مصنع وطني، اختاروا أن يكون مصنعا للطرابيش، إذ وجدوا أنه من العار أن يستورد المصريون غطاء رءوسهم، وهو شعارهم القومى من بلد أوروبي هو النمسا.

وبعد أقل من عشرين عاما على إنشاء هذا المصنع، توقف خلالها عن الإنتاج، قامت ثورة 23 يوليو 1952، وكان قادة الثورة الجديدة، وهم من العسكريين، قد استبدلوا الكاب بالطرابيش ثم بدءوا يظهرون فى المناسبات العامة برءوس عارية، وفى خلال شهور قليلة، اختفت التقاليد التى كانت تفرض على المصريين أن يذهبوا إلى أعمالهم ومدارسهم وهم يرتدون الطرابيش، وبعد أقل من عام على الثورة، اختفى الطربوش تماما، وغضب الذين يعملون بالمهنة، لأن الجديد قطع عيشهم وأرسلوا العرائض وهددوا بالتظاهر إذا لم يعد الطربوش، ثم استسلموا مع الأمر الواقع، وحولوا متاجرهم إلى محلات لكى الملابس، أو لتجارة البقالة والخردوات.. ولم تعد الطرابيش تظهر إلا فى أفلام السينما ومسلسلات التليفزيون التى تروى وقائع زمن الطرابيش والبراقع.

ذلك هو الدرس الذى ينبغى أن يتذكره ويتعلمه سائقو التاكسى وغيرهم من الساسة والمفكرين الذين يتوهمون أن أحدا يستطيع أن يتجاهل الجديد الزاحف أو يتصدى له أو ينتصر عليه.