الرحلة المدهشة للاكتشاف العادي   الباب مفتوح، فادخل والتزم الهدوء. هذه لحظة استثنائية يُسمح لك فيها بالاطلاع على خصوصية لم تعد كذلك. الجسد الممد باستسلام ظاهرى على السرير سيمنحك كل

455555

الرحلة المدهشة للاكتشاف العادي

 

الباب مفتوح، فادخل والتزم الهدوء. هذه لحظة استثنائية يُسمح لك فيها بالاطلاع على خصوصية لم تعد كذلك.

الجسد الممد باستسلام ظاهرى على السرير سيمنحك كل الأسرار.. الكثير منها على الأقل، بلا مواربة.

* فقد الخصوصية كان المحور الأول المهم، فقد الخصوصية يصاحبه فقد للرغبة كذلك.. وفقد للخجل.. متلازمة تأتى جميعا فى وقت واحد ليشد بعضها أزر الآخر. العناء الذى يصاحب كل الأفعال الحيوية البسيطة لا يدع مجالا للتفكير فى الجسد بغير أنه ذلك العبء الثقيل الذى تجره الروح وتلتزم بالحفاظ عليه قدر استطاعتها كى لا تجد نفسها بلا مأوى..

لايفقد الجسد خصوصيته بالنسبة للمريض فقط، للممرضين والعمال الذين يتخذونه كمهنة… يلامسون الموت يوميا ولو عن طرق مواربة «لا تثق كثيرا باليد الحانية أو العين المشعة بالأمل من طرف الأطباء أو الممرضات أو من جامعى البول فى الصباح أو من ماسحى الأرض لأنها أياد وعيون استعملت وتداولت ونظرت فى عين الموت وأصابتها عدواه ولامبالاته»

* فى نص يتناول حالة إنسانية كهذه، لا تملك اللغة رفاهية اللعب والمراوغة، جاءت المفردات واضحة.. بسيطة أو حادة.. فى الوقت نفسه حملت بين حروفها براحا كبيرا يتيح لك فرصة التأمل فى كل مفردة ومنحها ما يليق بها من تفرد يواكب مهمتها المقدسة فى نقل الحالة : «لم يعد الموت يهمهم لأنه صار جزءا منهم لا يشعرون به، كالجلد الميت».. «لأول مرة أشعر بجسمى يترنح مثل ملاكم مضروب بالضربة قبل القاضية مجروحا وغير محسوس به»

* شكلت البرتقالات ركنا أساسيا فى رسم صورة الحياة طوال الرحلة داخل المستشفى.. من أول وجودها المادى البسيط كفاكهة تأتى ضمن الوجبات اليومية للمرضى… برائحتها التى تحمل الحنين للحياة والأيام «العادية».. مرورا بتشبيه الروح والجسد المرهق «كقشرة برتقال سميكة تنفصل عنك وتنبثق الثمرة من عمق الوجود ولا يبقى من الرحلة سوى اللب الذى لا يفنى والذى تكونت حوله مادة الجسد» وصولا لكونها العملة المتداولة التى يحرص عليها المرضى… يخبئونها ويدخرونها لوقت الحاجة.. «هذه السيدة كانت تحتفظ أيضا بعدة حبات من البرتقال فى سريرها، ربما لمقايضة كبرى عندما تقف عارية أمام الميزان وفى يديها تتلألأ هذه البرتقالات التى تلعب وتقذف بها لأعلى بحيث لا تسقط واحدة، بينما الله يبتسم لها».

* وعلى الرغم من شدة خصوصية التجربة، كونها تصف رحلة شخصية فى مواجهة المرض على حافة الموت، فانها لم تخلُ من شخصيات حية، تشابكت مع الراوى مكوّنة أعمدة رئيسية فى العالم الذى صنعه.

المريض منتفخ البطن/ الموت المؤجل والمعركة الخاسرة.. تباين سلوك الابن والابنة تجاهه.. الابنة تحمل سلطة دينية مستترة بينما الابن يرجو غفرانا لا يأتي.

العجوز التى تصرخ طالبة عون أبيها… «شيء يثير الضحك أو مرارة فى النفس أن عالمنا وأحلامنا لا تتغير فيها أماكن النجاة وطلب العون مهما تقدمنا فى العمر».

القبضة المضمومة علامة المؤازرة من العابرين… تحية يرفعون بها بعضهم البعض قليلا فوق مستوى الجسد.. والطيور الورقية التى يصنعها الأصدقاء ويكتبون الأمنيات على أجنحتها.. تلك التى تطير فى اتجاه حيث تعلم أن الأمنيات قابلة للتحقق.

المهنية الطبية التى تجعل الكلمات باردة وعبيطة أحيانا.. «احنا بقينا بنروح الحمام لوحدنا.. كنت أبتسم لها ابتسامة بلهاء موافقة على كلامها والرضاعة فى فمي. كنت أؤكد لهما أننى تحسنت حتى يسمحا لى أن أهرب حياتى من هذا المكان».

الطبيب – صاحب الخطأ ومعجزة تصحيحه – خط آخر فى الحكاية… موجود طوال الوقت بخطئه الفادح وغير موجود أيضا. يظهر فى مشاهد محددة أغربها حين يهمس المريض « ما تسيبنيش».

هكذا يتم التعلق بالجانى على اعتبار أنه اكثر شخص يهمه إصلاح جرمه. ما بين التردد ومحاولة التنصل من الذكرى فيما بعد اجتياز وقت الخطر، تكمن حدود الشخصية. شخصية لا تملك معها أى نوع من التعاطف لكنك تجد نفسك فى وقت ما مضطرا للاعتماد عليها وإكمال الوثوق بها. يحدث هذا على مستويات كثيرة فى الحياة على ما أعتقد.

*بعض المشاهد فى النص اعتمدت على فكرة الواقعية السحرية، بكل ما فيها من سحر وغموض.

الجسد المتصل بخراطيم يجرها أينما ساء… يقضون الكثير من الوقت فى فكها وإعادة تركيبها.. الأجهزة التى تقيس درجة الحياة واحتمالات النجاة معلقة فوق الرأس… الساعة المتوقفة أمام السرير… السرير الذى يتسع ليكون فضاءً لانهائيا يحمله بعيدا ليعود ومعه بعض القدرة على مواصلة الرحلة.

كلها مفردات تناثرت داخل النص يختلط فيها الواقع بالسحر.. والمألوف بالمجهول لتتسع الصورة بما يليق بكل ما فى الرحلة من كشف واكتشاف.

*لم تكن سلوى شريكا للحياة فقط.. بل جزءا أصيلا من التكوين الإبداعى لعلاء ظهر واضحا فى كل أعماله… بشكل مباشر عن طريق السرد أو بشكل غير مباشر عن طريق الصور الفوتوغرافية المصاحبة أو تصميم الغلاف – بالمناسبة كنت أود استبدال بورتريه الغلاف بإحدى لقطاتها الفوتوغرافية لعلاء بعد أن تتم معالجتها بالأبيض والأسود.

هنا ظهرت سلوى كشريك أساسي.. «خاتم الزواج كان طوال الرحلة فى يد سلوى، كانت تحمل فى يديها مسئولية حياتين» مأزق أن يتركها وحيدة، وأن يأتى الوداع بهذه الطريقة غير المتوقعة كان يشبه الخذلان، وهو بالتأكيد ما لم يكن يريده أبدا.

«كنت أريد أن أترك لها ما تستحقه، فربما أعبر للجهة الأخرى بدون أن أسلم عليها. حياتنا معا هى السلام، وربما الغياب دون وداع هو الوداع الحقيقى الذى يليق بالباب الكبير الذى نخرج منه. كل ليلة وتحت تأثير المخدر كنت أمنحها اعترافا كاملا عن حياتي، حياتنا معا. عن السعادة والذكريات والتفاصيل التى أخذت تتراكم وتملأ تلك الزوايا والممرات والشوارع فى مدينة حياتنا».

* على عكس ما توقعت – أو تمنيت – فإن هذه الرحلة لن تجيب عن التساؤلات، يكفيك منها أن تكون شاهدا وشريكا أحيانا.

«لا أعرف ما حدود هذه الحياة الجديدة التى منحت لى» هذا ما عليك اكتشافه دوما.. وبذل الجهد لإعادة صياغته بين حين وآخر. ليس من الضرورى انتظار اللحظات المصيرية لتعيد اكتشاف حياتك. الحياة تلك المنحة التى لا ينبغى أن يتم إهدارها بلا مقابل.

رحاب إبراهيم