رقصة مؤجلة لسامية بكري.. فى مـديـح الـعـابـر قراءة : أسماء إبراهيم   حصاة وهمية تطرف عين أم العروس شحاذة تدير البطلة وجهها عنها بينما يبحث حبيبها فى جيبه عن فكة

636

رقصة مؤجلة لسامية بكري.. فى مـديـح الـعـابـر

قراءة : أسماء إبراهيم

 

حصاة وهمية تطرف عين أم العروس

شحاذة تدير البطلة وجهها عنها بينما يبحث حبيبها فى جيبه عن فكة يعطيها لها.. رنة محمول يعقبها التقاطه من الحقيبة للرد..

استراق سمع لمناجاة حبيبين حين المروق بجانبهما…

هكذا تلتقط سامية بكرى تلك المواقف البسيطة لتلج لعوالم شخصياتها، تاريخهم وهواجسهم، أزماتهم ومقاومتهم، وربما لا تتركنا إلا بإطلالة تستشرف بها مستقبلهم.

البساطة البادية على السرد فى المجموعة القصصية «رقصة مؤجلة» ليست أكثر من طريق معبدة تغريك بالمضى قدما فى مجموعة صغيرة حجما ثرية قيمةً.. ربما ارتشفها القارئ سريعا، وفيها تستمر البكرى فى الكتابة عن شخصياتها المفضلة حيث المرأة الحقيقية والاعتيادية والقياسية ونماذج لربات بيوت، شابات حديثات التخرج، مطلقات أو فى سبيلهن إليه، متصابيات، عاملات وموظفات.

عالم حقيقى توليه عنايةُ واهتمام إزاء عالم افتراضى لم يسلم من اجتراحها له هو الآخر، وبين الواقعى والافتراضى تنسج البكرى عالمها القصصى بين القصة القصيرة والقصة الومضة، حيث قسِّـمت المجموعة لخمسة أقسام معنونة بأشهر الأغنيات عُـدت منطلقات أو ثيمة تستلهم منها الكاتبة قصتها.. الأغنية كحافز هنا لم تصبغ قصصها بذات اللون أو الاتجاه ما يشير لرؤية خصبة للكاتبة وتعدد تأويلها لذات المفردة، «يا قريب وبعيد» ترد على الشطرة فى سرك: والاسم حبيب.. وتحوى قصتين عن الحب الزائف أو التوهم بالحب والإيهام به، أغنية «دار الزمان بينا» تدرج تحتها قصصا عن تحولات البشر وأحوالهم وآليات توافقهم مع الزمن.. «باحلم وافتح عينيا» عن احلام الفتيات المجهضة، ورغم بهجة أغنية حكيم «افرض مثلا» لكن القصص المندرجة تحتها لم تكن بقدر السعادة المفترضة لعنوان مثلها، أما المخاطبات أو أدب المراسلات فتُدرجها البكرى تحت أغنية «اسمعوني» ترسل فيها رسائلها لمن تفتقدهم سواء الأب حين ترثيه، أو حين تجتاحها الوحشة لجارتها، أو حين تفتقد صديقها الافتراضي.

فى المجموعة تبرز سطوة الواقع الافتراضى فى أكثر من قصة، ويتماهى معه الحقيقى فلا تعرف أيهما المفترض وأيهما الموجود بالفعل، تتداخل المسافات وتنداح الحدود بينهما وتخلق تلك الحالة من عدم اليقين أو الشك، تماما كسؤال البطلة عن صديقتها التى تكتب لها جوابا تستفسر فيه عن أحوالها وتستعيد معها ذكرياتها وتواصل النداء عليها فتختم القصة: (أتصل بزوجك فلا يرد، أريد إيميلا أو عنوانا لمراسلتك، هل كنت تسكنين هنا يا كيلى أم فى خيالي؟) صــ 41

الرجل فى المجموعة متخاذل فى الغالب سواء كان حبيبا أو خطيبا أو زوجا ووحدها المرأة هى من تدعم البطلة: (بعد العصر جاء زوجى إلى المستشفى يحمل حقيبة السفر عائدا إلى عمله بالخليج بعد أن تم الوضع وانتهت اجازته الصيفية، استقر بجوار والدته بعد أن قبل يدها وخدودها، ثم تقدم من سريرى وقـبَّـل الطفلة. هممت بالقيام لدخول الحمام فلم أجد سوى يـد أمـى لتساعدنى ذهابا ثم إيابا إلى السرير) صــ 20.

والمرأة فى المجموعة مقاومة ومقاتلة وحالمة.. رغم اتهام لاقته البكرى من أنها تكتب من منظور نسوى يدافع عن المرأة، لكن شخصيات المجموعة لم تكن كلها بالنقاء الكامل، فثمة نماذج للمرأة الصائدة كما فى قصة «ليل آخـر بارد» والتى تكاد تكون النقيض لنموذج المرأة الضحية كما فى أولى قصص المجموعة «كلاكيت.. آخر مرة» حين تقدم مثالا مصريا لفقه الاستخدام حيث الزوج الذى يشتاق لطليقته قبيل هجرته وهما فى شهور العِـدة، فيوهمها بنيته فى استئناف حياتهما معا ليحصل عليها قبل موعد اقلاع طائرته. (طبعا ستؤجل السفر لحين اصطحابنا أو ترسل لنا لنلحق بك. أعلم أنك لم تكن تريد اليوم أن يعلم أحد من أهلك القاطنين بجوارنا بأمر الصلح، لكن الآن الناس كلها يجب أن تعرف. لا يرد وتسترسل فى الكلام وهو يربط جزمته، ويدوس عقب سيجارته بها) صــ 17.

قوة نساء سامية البكرى تكمن فى قدرتهن على الحلم واستئنافه ومواصلته، رغم اخفاقاتهن المتكررة واحباطاتهن المستمرة، ورغم ذلك تصر البكرى على استخدام صيغة مستقبل للفعل حين تحادث البطلة نفسها وحيث يبرق فى نهاية كل قصة أمل لها واستشراف لطريق جديد تنتوى سلكه: (سأموت ألف مرة قبل أن ينطق «أحبك» وستحيا نبضات قلبينا طويلا داخل صرة من العشق والصبر. سأتمنى لو أجمع كل مفاتيح العالم الضائعة لأبوسها ثم أبعثرها مرة أخرى، لتعيد عشاقا حقيقيين إلى بعضهم) صـ 27.

637

الاحباطات المتكررة التى تعانيها بطلات المجموعة، والتشريح الذى تقوم به البكرى لمجتمعها يستلزمان سلاسة فى السرد، ينسجم مع تيار الوعى الذى مالت إليه البكرى فى المجموعة حيث تدافع الأفكار فى ذهن البطلة مع توالى الأحداث مستخدمة تقنيات المونتاج بشكل خلاق فى الانتقال السردي.

وفى عالم يشوِّه بشره، ويعانى وطأة اقتصادية تطحن وتنهى قصص المحبين فيفرون للواقع الافتراضى عوضا عن واقع محبِـط يمسخهم.. مثل هذه نماذج حقيقية ومثل هكذا قصص واقعية لا يليق بها سرد متكلف يحتفى باللغة وإن لم تخل لغة البكرى من بساطة وتجريد وإيقاع دفين وشاعرية أحيانا كما نجده فى ومضاتها القصصية بنهاية المجموعة أو كما فى قصة «رقصة مؤجلة»: (الأنين الصامت والوجد والأرق، الدموع الحارقة التى لا أعلم مصدرها، لا ينساب كل ذلك إلا لذكرك. تقبع هناك فى حضن أخرى، قد أمر بخيالك كما تمر فراشة ملونة أمام عينى من اعتاد الجمال) صــ 65.

وعلى صعيد الطرح فلا يليق بهذه الخامة السردية أية حيل أو ألعاب أو استعراض لتقنيات الكتابة ممن ألفتها سامية البكرى وجربتها فى روايتها الأولى «ونسة»، هنا البساطة هى البطل، والمشاهد اليومية الاعتيادية هى المداخل الانسب للسرد، وهى اختيارات صعبة للسارد رغم بساطتها البادية.. حيث التحدى أمامه لاقتناص الموقف العابر واصطياد المشهد المألوف والدال للدخول لعالم الحكاية. فيصبح المشهد المعتاد والاطراقة المتكررة هما لُـب البلاغة السردية، فتكتسب الحكاية قيمتها من ختام بسيط كما نجده فى قصتها «نوستالجي» حين تستأنف بطلتها حياتها الروتينية مع زوج تقليدى بعد ذكريات يستدعيها لقاؤها بحبيب سابق: (راحا يتحادثان والرجل بينهما صامت. ركبا التاكسى وعندما رن محمولها التقطته من حقيبتها لترد: أيوة يا حبيبى خلاص راجعين أهو.. يا دوب مسافة السكة) صـ 54.

وبعد.. فعينان لماحة كاللتين تمتلكهما سامية البكري، وبوصلة حساسة تجاه ظواهر مجتمعها (كتابها الأول ظرفاء الفيس بوك.. دار العين 2012) ونماذج حقيقية وفريدة فى آنٍ تختار الكتابة عنها (روايتها ونسة.. دار روافد 2014) يجعلك تتوقع أى فضاء فنى لبكرى أن تجرب فيه أدواتها.. وأعنى فن السيناريو الذى تجد أصداءه فى قصص المجموعة حيث الاشارات البسيطة بالغة الذكاء والرهافة والتى تخبرنا سامية من خلالها الكثير عن شخصيات قصصها وتاريخهم وسماتهم النفسية، لتجدهم أشخاصا طبيعيين تصادفهم فى طريقك.

رقصة مؤجلة كتابة حقيقية عن بشر حقيقيين فى عالم يتنفس زيفا وأشخاصه افتراضيون.

 

________________________________________

636

رقصة مؤجلة

مجموعة قصصية

سامية بكري

الهيئة العامة لقصور الثقافة

.. 2015