طارق الدويرى والخطايا العشر! سامية أبو زيد   وهاهو طارق الدويرى يعاودنا بالمشاغبة العقلية والعصف الذهنى بعرضه المسرحى على خشبة الهناجر «الزومبى والخطايا العشر»، وهو نتاج ورشة كتابة بينه وبين

888

طارق الدويرى والخطايا العشر!

سامية أبو زيد

 

وهاهو طارق الدويرى يعاودنا بالمشاغبة العقلية والعصف الذهنى بعرضه المسرحى على خشبة الهناجر «الزومبى والخطايا العشر»، وهو نتاج ورشة كتابة بينه وبين د. نشوى محرم عن نصوص متعددة منها رواية 1984 لجورج أورويل ورواية فهرنهايت 451 لراى برادبرى وكتابات وديع سعادة.

وقبل الدخول فى الكلام عن العرض دعنا نتوقف قليلا عند العنوان المختار للعرض حيث تقبع أول فخاخ طارق المشاكسة؛ حيث نلمح تناصا واضحا بين الخطايا العشر والوصايا العشر. فحسبما هو شائع فالخطايا الكبرى سبع فلم جعلها طارق عشرا؟ أكان ذلك لدواعى التناص فحسب؟ من المؤكد أن لا، فطارق يتميز بالكثافة الشديدة فى أعماله والقصدية كذلك. وإذن فالمقصود بالخطايا العشر هى الوصايا العشر نفسها، لا لكونها وصايا نبيلة وحميدة بل لكونها وصايا اتخذ أرباب الدين والفكر والسلطة منها متكأ للوصاية على عقول البشر وإرادتهم.

وللحق أقول بأنه عرض مرهق لكل من شارك فيه ولو بالفرجة، فأنت بحاجة لخمس وعشرين عينا لمتابعة كل ممثل ممن شاركوا فى العرض على حدة وتحتاج إلى خمس أخريات لمتابعة حركة الإضاءة والسينوغرافيا والديكور وأركان المسرح الأربعة، فضلا عن حاجتك للإصغاء والمتابعة لكل الأصوات المتداخلة والرسائل الموجهة للمواطن الضحية.

فالمواطن حسب العرض بل حسب الواقع هو ضحية استهداف دائم وغسيل مخ دءوب من قبل الميديا بأنواعها ومن قبل الحكومات بأشكالها، وكلها تصب فى مصلحة رأس المال. فالمواطن الصالح هو المواطن «الزومبى» المستهلك المطيع بلا قيد أو شرط.

فالزومبى حسب روايات الرعب هو ميت نهض من قبره ليتحرك ويقتات على أرواح الآخرين، يمشى فى كفنه متحللا مشية متخشبة بلا روح وبلا هدف، هذا هو المواطن الصالح.

المواطن الصالح هو الذى تشير له الدمية «الزعيم» يمينا فيتجه يمينا أو يسارا أو حتى عجين الفلاحة.

المواطن الصالح هو الذى يردد مع «الجماعة» عدد الأصابع التى يرونها وفقا لما تقوله الجماعة لا وفقا لما هو ظاهر جلى للعيان.

المواطن المنحرف هو ذلك المختلف الذى يرى ويحاول أن يطابق ما يراه مع ما يمليه عليه عقله وضميره، وعليه عندئذ الخضوع لإعادة تأهيل هى فى الحقيقة غسيل مخ واستئصال للعقل والإرادة.

وقد اعتمد طارق فى عرضه المسرحى على التعبير الحركى فيما يشبه الرقص التعبيرى لاختصار الكثير من الكلام، وقد كان أيمن حمدون موفقا فى تصميم العرائس التى مثلت السلطات الثلاث السياسية والدينية والعسكرية، إذ اعتمد على ضخامتها وعدم تناسقها للإيحاء بسطوتها وتشوهاتها، فضلا عن استدعاء الذهن للطوطم حين يرى المشاهد رأس الدمية المفرط الطول والضخامة، فنلمس حالة التأليه والتأله بمجرد النظر إليها، لتؤكدها بعد ذلك تحكمات «الدمية» فى حركة البشر!

888

 

كما أن العرض اتخذ شكل اللوحات المتتابعة، ولكن قبل الدخول فى تلك اللوحات دعنا نتوقف عند المشهد الافتتاحى «الأوفرتير»، حيث يبدأ العرض أثناء توجه المشاهدين لمقاعدهم مع صوت رتيب صاخب لدقات متتالية وكشاف قوى لا تهدأ حركته المتناغمة مع تلك الدقات لترى نفسك على الشاشات المتناثرة على المسرح ولينتابك الشعور بالقلق والانزعاج وأنك مراقب؛ فهى دعوة للقلق ودعوة للانزعاج ونفض الراحة الكاذبة عن عقلك.

وكما حمل المسيح صليبه نحو مصيره المحتوم نرى بطلة العرض الدكتورة نشوى محرم، والتى تمثل المرأة أو حواء أو الأم أو الأرض أو مصر نراها تسحب خلفها كرسى المقعدين ذى العجلات، وحسب حالتها من ضعف أو قوة تقعد عليه أو تدفعه أمامها أو تتخلص منه، ثم تبدأ رحلة البشر فى البحث عن سبيل، فهم حتما ودوما وأبدا تابعون، فقد يتبعون سياسيا أو رجل دين أو يساقون إلى الحروب فى تشكيلات بديعة برع الممثلون فى تنفيذها.

هم دائما أتباع بلا إرادة، حتى أولئك الذين اتبعوا خطوات الشيطان وانغمسوا فى صنوف اللذة المحرمة والتى عبر عنها طارق بأناقة شديدة فاعتمد على خيال الظل لتصوير مشاهد الايروتيكا بأنواعها فى إدانة غير زاعقة للنخاسة والرقيق الأبيض.

ومن آيات براعة الإخراج للحركة مشهد يذكرك بالحواة وخفة يدهم، حين تقف واحدة من بطلات العرض فى ركن المسرح أمام الميكروفون وتدخل مع زميل لها فى حوار يتداخل مع حركة الممثلين خلف أحدهم والذى لا يكف عن ترديد قوله «حتما سوف أصل إلى شيء» لتفاجأ فى نهاية الحوار تلك المجموعة وقد بلغت نهاية خشبة المسرح وأن حركتها لم تكن أبدا إلى الأمام بل كانت دوما إلى الخلف.

أما أولئك المختلفون فعليهم طوعا أو كرها أن يتوجهوا كغيرهم إلى الغرفة 101، غرفة الرعب الأكبر حسب رواية 1984، ولكنها فى «الزومبى والخطايا العشر» حملت دلالة جديدة إذ تذكرنا بالرقمين 0 و1 وهما عماد النظام الثنائى المتبع فى أجهزة الكومبيوتر، وكأن مصير البشر محتوم كى يكونوا مواطنين صالحين بأن يخضعوا «للسيستم».

ولكن طارق يرفض موت الأمل فنرى طفلة ترقص بحرية وفى قدميها حذاء بخلاف كافة الممثلين وتعلن بتحد وانتصار أن اثنين زائد اثنين تساوى أربعة وتنجح فى الفرار من الغرفة 101 وتنجو من السستمة.