موسيقى الكتابة محمد عبد النبي   من الصعب أن تجد كاتبًا ليس شغوفًا بالموسيقى والأمثلة عديدة، بدايةً من حرص نجيب محفوظ على دراسة الموسيقى العربية وتعلم العزف على آلة

موسيقى الكتابة

 

موسيقى الكتابة

محمد عبد النبي

 

من الصعب أن تجد كاتبًا ليس شغوفًا بالموسيقى والأمثلة عديدة، بدايةً من حرص نجيب محفوظ على دراسة الموسيقى العربية وتعلم العزف على آلة القانون وليس انتهاءً بقدرة كونديرا على دراسة تاريخ الرواية الأوروبية فى ارتباطه بتاريخ الموسيقى الكلاسيكية وقد صرّح ماركيز ذات مرّة بطموحه مع إحدى الروايات أن يكتبها وكأنها قطعة من موسيقى (البوليرو). تظل الموسيقى لغة عالمية قادرة على تجاوز الحواجز والثقافات أكثر من أى فن آخر وليس معنى شغف الكاتب بها هو ترجمتها إلى السطور، فهذه مهمة عبثية ومستحيلة، بقدر ما هى محاولة للوصول إلى درجة من انسجام البنية وتناغم الأصوات المختلفة واستعارة الإيقاع المضبوط لحكاياتهم.

الإيقاع فى الموسيقى مسألة صوتية بحتة، تنظيم الأصوات المختلفة فى الزمن، أطوال الجمل اللحنية وحدّتها وطبيعة علاقاتها. فى المقابل يتصل الإيقاع فى السرد بالمفردات، وهى كائنات نراها ونسمع أصواتها فى عقولنا ونستشعر عندئذٍ مدى تدفق الكلمات على الصفحة، طبيعة العلاقات بين كل مفردة وأخرى، بين العبارات والجمل والفقرات، وهكذا بتركيب اللغة ينتج الكاتب موسيقاه الصامتة-الناطقة على السطور. ينتج كل كاتب هذا الإيقاع سواء كان على وعى به أم لا، وكلّما درّب أذنه موسيقيًا وأنصت بينما يعيش ويقرأ إلى تلك الإيقاعات الواضحة والخفية، استطاع أن يعزف حكايته منتبهًا لطبيعة اللحن الخاص بها وضروراته وواعيًا بخصوصية المادة التى يشتغل عليها، أى اللغة كأصوات قبل أن تكون معانى مجردة.

ثم هناك الموسيقى المصاحبة لفعل الكتابة (أو القراءة) نفسه وما تترك من أثر على تجربة العمل نفسه، هل يمكن قراءة ديستوفسكى على خلفية موسيقية صاخبة وعنيفة؟ ماذا لو جرّبنا كافكا مع بعض أغنيات هدى سلطان اللذيذة؟ تلك تجارب جديرة بمعامل اختبارات نفسية عصبية لعلّها لم توجد بعد. شخصيًا أدقق فى اختيار الموسيقى المصاحبة قدرَ الإمكان، وكثيرًا ما أكتشف أن ما يعوق تدفق الكتابة أو القراءة هو الموسيقى التصويرية للفيلم الذى نعيشه على مدى ساعات يقظتنا. وأحيانًا يكون الصمت أوجب وأسلم. حتى الأنشطة اليومية البسيطة مثل كى الثياب أو تنظيف البيت قد تكون لها موسيقاها المناسبة.

لستُ ممن يتأثرون بالغناء والموسيقى إلى حد البكاء مثلًا أو الوقوع فى الحب بسببهما، لكننى أستمتع، ككل الناس الطبيعيين بهما، وحياتى مزخرفة فى كل ركن منها بالأغنيات التى غنيتها منذ طفولتي، بصوتٍ غير مستساغ بالمرة، وحدى أو بمشاركة آخرين، أو بتلك التى استمعت إليها فى أداء حيّ أو مسجّلة، ولا يمكن استعادة كثير من لحظات عمرنا العزيزة دون استحضار ما أحاط بها وغلفها من أصوات، وتحديدًا من موسيقى وغناء، وأزعمُ الآن أنه من الممكن إعادة بناء حياة المرء بكاملها من خلال هذه الزاوية وحدها فقط، محطات الصوت والأغانى والطرب.

لا أهتمّ كثيرًا، أو طوال الوقت، بكلمات الأغنيات ما دامت الموسيقى حلوة والمطرب يستحق هذا اللقب، باستثناء حالات قليلة ونادرة يكون لكلمات الأغانى دور حاسم، مع شعراء كبار أو تجارب ذات خصوصية. لكن الأغلب الأعم، حتى مع أسماء مثل أم كلثوم وعبد الوهاب، يكون الأساس هو اللحن والأداء. لذلك فحتى حينما تميل الأغنيات إلى عاطفية سيّالة ومائعة من الممكن أن ينقذها اللحن وصوت المغنى، أما إذا اُفتقدَ هذا أو ذاك فلا فائدة ترجى من أجمل شعر غنائى فى الدنيا، فهذا ليس موضعه، قد نستمتع به مكتوبًا على صفحة جريدة أو فى كتاب، لكن هذه مملكة الآذان ويجب تقديم فروض الولاء والطاعة لها، قبل أى تفكير فى المغزى والمضمون.. إلى آخره.

رغم كل هذا لا يجب التعامل مع الموسيقى أو أى فن جليل آخر، من زاوية البحث له عن دور محدد، مفيد وعملي، أقصد عن دور خارج حدود حياته نفسها، فكيف يمكن أن يكون للوردة معنى خارجها، مهما درسناها، وتساءلنا بالشِعر عن اسمها الخفي، واتخذنا منها الرمز والمجاز والعطر والدهان والدواء؟