نورى بيلج جيلان : فقط أحكى حكايات عن البشر (نص محاضرة المخرج التركى فى قُمرة الدوحة 2016)   الدوحة – أحمد شوقي   “اعتذر لأن لغتى الانجليزية ليست جيدة، لكنى

302010

نورى بيلج جيلان : فقط أحكى حكايات عن البشر

(نص محاضرة المخرج التركى فى قُمرة الدوحة 2016)

 

الدوحة – أحمد شوقي

 

“اعتذر لأن لغتى الانجليزية ليست جيدة، لكنى ساستخدمها على أى حال.. لا أثق بالترجمة لأنها تضع فاصلا بين المتحدثين”. هكذا بدأ نورى بيلج جيلان محاضرته ضمن ملتقى “قُمرة” السينمائى فى الدوحة. ليبدأ بعدها المخرج التركى المتوج بخمس جوائز رسمية من مهرجان كان على آخر خمسة أفلام قام بإنجازها، آخرها السعفة الذهبية عن “سبات شتوي” قبل عامين، يبدأ ساعتين من الحديث المسترسل حول مسيرته وآرائه فى صناعة السينما. تنقل لكم “القاهرة” تفاصيلها:

البداية

احتجت عشر سنوات حتى ابدأ مشوارى، وقتها لم يكن هناك تصوير رقمى وكانت صناعة الفيلم مكلفة، لذا انتظرت سن السادسة والثلاثين لأقدم أول أفلامي. الأفضل دائما هو البدء مبكرا فى عمر يسمح لك بارتكاب الأخطاء، لكنى لم أنل هذه الرفاهية. قبل صناعة الأفلام عملت مصورا فوتوغرافيا وأجدهما عالمين مختلفين، الفوتوغرافيا أقل عمقا وقدرة على التعبير عن الجانب المعقد من الحياة. عندما كنت مصورا لم أكن واقعيا لكن فى أفلامى الواقعية أمر ضروري، والغريب أن الواقعية المفرطة قد تبدو قمة فى السوريالية لو أعطاها المخرج الاهتمام الكافي.

عندما بدأت شعرت أنى كائن فضائى يزور السينما التركية، لا أحد يهتم بهذه النوعية من الأفلام أو يمولها، حتى أنى صنعت فيلما قصيرا وثلاثة أفلام طويلة من مالى الخاص. فريق فيلمى الأول “قصبة” تكون من شخصين هما أنا والفوكس بولر focus puller لأنه الشخص الوحيد الذى لا يمكنك عمل فيلمه دونه، تحتاج فقط فوكس بولر كى تصنع فيلما، بينما كان باقى المشاركين من الأصدقاء والأهل.

فيلمى الثالث، وأول أفلامى تحقيقا للشهرة والنجاح “بعيد”، صورته فى شارعى وسيارتى ومنزلي، لذا كان لدى الوقت الكافى للتحضير بدقة لكل التفاصيل. كنت أسير بالكاميرا ألتقط صورا لأحدد لقطاتي، ثم أفكر فى الممثلين وطريقة حركتهم داخل كل كادر. لاحقا تخليت عن هذه الطريقة، صرت أُفضل التلقائية، ربما أتانى ذاك مع زيادة ثقتى بنفسي. التحضير له مميزاته لكنه يحرمك من المفاجآت السارة الآتية فى آخر لحظة. أذهب إلى موقع التصوير، وهناك آخذ معظم قراراتي.

المونتاج والصوت

أنا مهووس بالمونتاج، وأقوم بعمله لنفسى فى كل أفلامي. حتى عندما أعمل مع مونتير يذهب هو لبيته وأسهر أنا للثانية صباحا أواصل العمل. المونتاج مليئا بالاكتشافات. مهما بلغت خبرتك كمخرج لا يمكنك أن تتوقع ما الذى سيحدث فى غرفة المونتاج. تقوم بكتابة السيناريو وتصويره بطريقة تعتقد أنها ستنجح، وتكتشف على طاولة المونتاج فشلها وأن عليك إيجاد حل آخر. لذلك أقوم بتصوير كل الاحتمالات الممكنة التى قد احتاج إليها، ويساعدنى فى ذلك تصوير الديجيتال، لأن تكلفة الخام كانت تعوقني.

خلال قيامى بالمونتاج أقوم بالتصميم الأساسى لشريط الصوت، لا يمكننى منتجة المشهد دو تخيل الصوت فيه. فى المقابل مُسجل الصوت هو الشخص الأكثر حرية فى فريقي، لا أطلب منه أن يفعل شيئا سوى تسجيل الحوار بوضوح، تركيزى خلال التصوير ينصب فى التمثيل والصورة. أى شيء آخر أقوم بإعداده لاحقا. فى أول أفلامى فقط اتفقت مع ملحن أن يضع موسيقى للفيلم لكن النتيجة لم تعجبني، من وقتها قررت ألا أضع موسيقى خاصة للفيلم. تأليف الموسيقى يكلفك الكثير ثم قد لا يعجبك. إذا ما احتجت موسيقى استخدم موسيقى قديمة أعرفها بالفعل.

 

البعض يحب حبيبات الصورة أكثر من الأفلام!

 

مخرج ممثل

فيلمى الرابع “أجواء” حمل الكثير من التجريب، فقد قمت وزوجتى بالتمثيل فى الفيلم، وكان أول فيلم أصوره بطريقة الديجيتال. قررت أن أستغل مزايا التقنية وأمنح نفسى مساحة أكبر للارتجال أمام الكاميرا، لذلك كان أكثر سيناريو كتبته مفتوحا وغير محكم ومليئا بالاحتمالات، وهو ما جعلنى أمتلك أكثر مادة مصورة حصلت عليها من قبل. ولأن الفيلم غير محكم فى مراحل الكتابة والتصوير، كان من الضرورى أن يصير أكثر أعمالى إحكاما فيما يتعلق بالمونتاج.

تجربة التمثيل كانت مؤلمة. أنا مخرج مهووس بالسيطرة على كل شيء، والوقوف أمام الكاميرا قلل من قدرتى على السيطرة. تمكنت من إنجاز المهمة بفضل الديجيتال، لكن من الصعب أن أكررها مرة أخرى لأن طاقتى لم تكن كافية لفعل كل هذا. للأمر مزايا بالطبع على رأسها عدم الحاجة لكتابة كل الملاحظات بدقة وامكانية الارتجال وتجربة خيارات مغامرة، لكن بالتأكيد لو صنعت هذا الفيلم مجددا سأستعين بممثل آخر.

أهم درس فى الفيلم يتعلق بالتصوير، علمت أن الديجيتال حتمي. التصوير ليس مكانى المفضل، يكون لديك وقت محدود وعشرات التفاصيل كى تركز فيها، وحده الديجيتال منحنى الفرصة لتصوير كل شيء وأخذ القرارات على طاولة المونتاج، حيث المكان الوحيد الذى أكون فيه متأكدا. الأمر لا يتعلق فقط بحرفة اللقطات لكن بقدرتى على تصديق ما أراه، النفس البشرية معقدة وغير متوقعة، أحيانا أكتب مشهدا بطريقة ما ثم أراه فى المونتاج فلا أشعر أن هذا حقيقي، تماما كما تشعر بأن من يحدثك يكذب من عينيه. هذه أمور يصعب تحديدها سواء فى الكتابة أو التصوير، فقط فى المونتاج لو كان لديك مادة مصورة كافية بإمكانك أن تشعر بها.

هو أيضا أول فيلم أستعين فيه بمصور، كنت أحمل الكاميرا بنفسى مسبقا ولم يكن هذا ممكنا وأنا أمثل. بالطبع لم أكن أثق بأى إنسان غيري، لذا استعنت بمصور تنفيذى operator من الشركة التى أجرت منها الكاميرا، لم يكن قد قام بتصوير أى فيلم من قبل، لكن ما همنى هو أن يجيد استعمال الكاميرا وأن ينفذ ما أطلبه منه بدقة. خلال التصوير أعجبنى عمله فاتصلت به وأخبرته أنى سأكتب اسمه على التترات مديرا للتصوير. التجربة علمتنى أن السيطرة لا تأتى بحمل الكاميرا، لأنك وإن تحكمت فى الصورة تفقد بعض التركيز مع الممثلين، بينما لو تابعت التصوير من شاشة وعملت مع مصور يفهمك يُمكنك أن تُحكم سيطرتك أكثر على كل عناصر الصنعة. من يومها وأنا أعمل مع نفس الشخص (جوكان تيرياكي) والآن هو أهم مدير تصوير فى تركيا.

إذا اهتممت بالشخصيات والمشاعر والدراما.. المكان يصير أقل أهمية

فى ذلك الوقت لم تكن الكاميرات الرقمية قد تطورت على مستوى الجودة كما هى الآن، كان لا يزال من الصعب أن تحصل على صورة عميقة، لكن الجانب الآخر من السينما كان الأهم بالنسبة لي: الحقيقة والغوص فى أعماق النفس البشرية. الآن لا تفقد شيئا من الجودة بالتصوير الديجيتال، وحتى من يُصر على الخام يضطر لتحويله عند المونتاج والتلوين. الحقيقة أنا لا أفهم من يدافعون عن الخام حتى الآن. الأمر فى الأغلب يتعلق بالنوستالجيا لا أكثر. يتحدثون بحزن عن غياب حبيبات الصورة فى الديجيتال بينما الواقع لا توجد فيه حبيبات. أشعر أحيانا أن البعض يحب الحبيبات أكثر من الأفلام!

حدث ذات مرة فى الأناضول

بدأت بعد “أجواء” أكتب سيناريو أعمالى بمشاركة زوجتى إيبرو. الكتابة شيء محير، تجد نفسك طيلة الوقت محاطا بقدر لا ينتهى من الأفكار، لكن لسبب ما تتحمس فجأة لإحداها، تقضى وقتا فى كتابتها ثم تجد نفسك تفقد الحماس لتصوير ما كتبته. باختصار لا تجد النتيجة تستحق ضياع سنتين أو ثلاث من عمرك لنقلها إلى الشاشة. لذلك أعتبر كتابة السيناريو أصعب مراحل صناعة الفيلم، وعمل زوجتى معى يسهل الأمر، لأنها أولا تمنحنى وقتا أكثر للتركيز فى أمور أخرى، وتشاركنى ثانيا فى جلسات عصف الذهن بشكل مفيد، وفى نهاية الأمر تبقى الكلمة الأخيرة لى فى حالة عدم وصولنا لاتفاق. لكن ولأنها زوجتي، فهى أكثر شخص قادر على معارضتى ورفض أفكاري، وكثيرا ما تشجارنا حتى الصباح حول السيناريو، حتى أنها ذات مرة غضبت وقررت ألا تعمل معى مجددا، وافقت باستهانة وقلت سأعمل وحدي، لكنى فشلت واضطررت أن أراضيها كى تعود وتكتب معي.

فيلم “حدث ذات مرة فى الأناضول” بدأ بحكاية رواها لى صديق يعمل طبيبا شرعيا، أنه قضى ليلة مع فريق يفتش عن جثة بصحبة القاتل. خلال الحكاية لفت نظرى تفصيلة بعينها هى أنه بحلول الليل كان المحققون والمجرم صاروا أشبه بالأصدقاء. رأيت هذا إنسانيا جدا، التواجد معا لعدة ساعات جعل المحققين يسقطون حقيقة كونه قاتلا ويشعرون بألفة تجاهه، من هنا انطلقت لكتابة سيناريو الفيلم.

nuri-nilge-ceylan

 

أحيانا تصادق أحدا لخمس سنوات، تقابله وتحدثه وتظن أنك تعرفه جيدا، حتى تسافر معه للخارج فتدرك أن حقيقته مختلفة تماما. كأننا نحتاج لعامل مساعد يسرع عملية إلقاء الضوء على حقيقة الشخصية. “حدث ذات مرة فى الأناضول” عن هذا تحديدا، عن كيف يمكن خلال زمن لا يتعدى ساعات أن نكتشف الجوانب المظلمة فى الشخصيات.

كان أول فيلم أخرجه بهذا الحجم الإنتاجي، كنا نصور فى أماكن غير معدة للتصوير وبالتالى نحضر معنا كل شيء حتى الحمامات، أول مرة أحتاج لهذا العدد من الشخصيات والممثلين، وبالتالى قللت مساحة الارتجال للحد الأدنى وحاولت أن أنجز الفيلم بنجاح إنتاجي. كان أيضا أول فيلم أختار له طاقم تمثيل كاملا من المحترفين.

هواة ومحترفون

قناعتى أنه إذا أردت أن تنجز فيلما بدقة والتزام ونص مكتوب بإحكام فعليك بالمحترفين، أما لو كان لديك رغبة فى التجريب والارتجال فالهواة خيار مناسب. الأمر يعتمد على المشروع لكنى بشكل عام أفضل المحترفين. الهواة من الصعب السيطرة عليهم، ليس لأنهم لا يجيدون التمثيل لكن لأنهم غير مرتبطين بالسينما بالقدر الكافي. خلال مرحلة اختيار ممثلى “ثلاثة قرود” أردت اختبار ممثل هاو لكنه طلب تأجيل الموعد لأنه سيقضى اجازة فى منزله الصيفي، بينما عندما اتصلت بممثل محترف كان فى الهند وجدته عندى فى اليوم التالي. بالطبع الهواة يمتلكون طزاجة يصعب منافستها، لكن عليك أن تخدعهم معظم الوقت، أحيانا تصورهم دون أن يعلموا، أو تخترع حيلة ما لتحصل منهم على ما تريد، ورجل مثل عباس كيارستامى يخرج بنتائج مذهلة من العمل مع الهواة.

 

لا تجعل نفسك سجينا لأول فكرة جاءت فى خيالك

معظم المخرجين يقرءون السيناريو مع الممثلين قبل التصوير، لا أحب القيام بهذا لأنه يجعل الأمور مصطنعة عند التصوير. أدخل الممثلين إلى الموقع وأبدأ التصوير فورا، وكثيرا ما تأتى النتائج بمفاجآت طيبة. تجربتى مع الإعادات أنه مع المحترفين عادةً ما تكون آخر لقطة تم تصويرها هى الأفضل، بينما مع الهواة غالبا ما تكون أول لقطة هى الأفضل.

عندما تكتب شخصية تضع تصورا عن شكل الممثل وطريقة حديثه وحركته، لكن قد يأتيك فجأة ممثل يجعلك تفكر فى تغيير هذا التصور لأنه سيكون خيارا أفضل. اخترت ممثلا للعب الدور الرئيسى فى “بعيد”، أجريت له اختبارا بقراءة مشاهد وأعجبني، حتى رأيته يوما يسير أمامي، أدركت لحظتها أنه يمتلك طاقة وحيوية أكبر بكثير من الشخصية، وأن هذا سيشكل معاناة لكلينا خلال التصوير فقررت تغييره. الطريف أن الممثل الذى لعب الدور كان الأسوأ فى اختبار قراءة المشاهد، لكن عند وضع الأمور فى الصورة الأوسع كان هو أفضل اختيار.

لاحظ أن عليك دائما التحرر من الكليشيه، هناك موقف أعتقد أن هيتشكوك هو من رواه، عندما طلب ممثلا لدور رسام فأتاه ممثلون كلهم يمتلكون نفس الملامح، بينما فى الواقع ستجد أشكال الرسامين هائلة الاختلاف. فى السينما عليك أن تكون دائما مستعدا للتعديل، وألا تجعل نفسك سجينا لأول فكرة جاءت فى خيالك.

عن سبات شتوى وفن السينما

فيلم “سبات شتوي” أخذته عن قصة “الزوجة” لتشيكوف، وهى قصة ظلت فى ذهنى خمس عشرة سنة لم أجد فى نفسى خلالها الشجاعة الكافية لتقديمها. حتى شعرت أنه الوقت المناسب فعكفت مع زوجتى ستة أشهر لكتابة السيناريو. أعتبره سيناريو جريئا لأنه ملىء بحوارات كثير منها فلسفى أثقل مما اعتاد الناس مشاهدته فى السينما، لكن من الصحى أن تمتلك شيئا لتخاف منه خلال صناعة الفيلم لأن ذلك يدفعك للعمل بتركيز أكبر. فى هذه الحالة كان مصدر الخوف هو حوار الفيلم.

لا أهتم كثيرا بمواقع التصوير، لست من المخرجين الذين يعثرون على مكان ساحر فيقولون يجب أن أصنع فيلما وأصوره هنا. إذا اهتممت بالشخصيات والمشاعر ودراما الفيلم، لن يكون المكان أبدا بنفس القدر من الأهمية. بالطبع عندما أصور فى مكان جميل مثلما حدث فى “سبات شتوي” أحاول الاستفادة من الموقع للحد الأقصى، لكن قناعتى أن بإمكانى تصوير نفس الفيلم بنجاح فى أى مكان آخر.

لا أحاول أبدا أن أكون مضحكا فى أفلامي، لكنك عندما تلتزم بالواقعية لابد أن يسفر ذلك عن حس كوميدى ما، لأن الواقع مضحك حقا. وإذا وصفت صانع الأفلام بأنه “مراقب محترف للحياة” فيمكننى الجزم بأن المواقف التراجيدية فى الواقع هى الأكثر طرافة، ربما بسبب التباين الذى تمتلكه فى جوهرها.

تعودت فى أفلامى الأولى ألا أحرك الكاميرا لأن تحريكها كان مكلفا على المستوى الإنتاجي، لم يكن فى استطاعتى تحمل إيجار معدات التحريك، ووجدت البديل فى تحريك الممثلين داخل الكادر بصورة تمنح المشهد معنى. الآن تكون كل المعدات متوافرة لدى عند التصوير، لكنى ما زلت أحرك الكاميرا فى أضيق الحدود وعندما أجد ضرورة. على المخرج ببساطة أن يدرك أنه يروى حكاية الشخصيات وليس حكاية الكاميرا.

الطريقة الوحيدة لجعل السينما عميقة هى الجمع بين امتلاك صانع الفيلم للإجابات وعدم طرحه لها. عندما أقدم حكاية من الضرورى أن يكون لدى وجهة نظر تجاهها، لكنى لست مُعلما ولا أعتبر نفسى أعرف شيئا يحق لى أن أعلمه لغيري، فقط أحكى حكايات عن البشر. ليس على الفيلم أن يعلم المشاهد شيئا أو يمنحه إجابات، بل يجب ألا يفتش الجمهور عن إجابات واضحة داخل الفيلم، عليهم أن يخلقوا الإجابات لأنفسهم.