بقلم: إبراهيم المصري* لجورج طرابيشي، ومحمد عابد الجابري، أثرٌ كبيرٌ فى تكوينى العقلى والمعرفي، وكنتُ قد عرفت طرابيشى أولا فى ترجماته لسيجموند فرويد فى بداية الثمانينات، وحينما صدر كتاب محمد

10376336_10153140608326688_3810363665403651300_n
12523830_10207788749228085_3573140409950020144_n
بقلم: إبراهيم المصري*

لجورج طرابيشي، ومحمد عابد الجابري، أثرٌ كبيرٌ فى تكوينى العقلى والمعرفي، وكنتُ قد عرفت طرابيشى أولا فى ترجماته لسيجموند فرويد فى بداية الثمانينات، وحينما صدر كتاب محمد عابد الجابرى «تكوين العقل العربي» قادنى الكتاب مرة ثانية إلى جورج طرابيشى بكتابه «نقد نقد العقل العربي»

ودون الخوض فى القضايا التى يثيرها العملان، وترجح فيها كفة طرابيشى كناقد نافذ، فإننى ما زلت حتى اليوم مأخوذا بالرجلين، وإن كنت أعطى طرابيشى علامةَ المستقبل، فلأنَّه لم ينتهِ «أصوليا» كمحمد عابد الجابرى الذى اتبع فى ذلك تقليدا سار عليه كبار مفكرى النهضة والتنوير فى العالم العربي، وكأن هؤلاء يقدمون اعتذارا مُضمرا عن إعلائهم لقيمة العقل فى مواجهة الدين، بالبحث عن تأويل كما فعل الجابرى مثلا فى قصة «حد قطع يد السارق»

لا يرفض جورج طرابيشى الدين، ويعيد إليه اعتباره الروحى فى كتابه «من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث» وبمد الخيط فإن إسلام الحديث هو المسيطر، حتى أن سلفيين يقولون إن السنة تنسخ القرآن، ليظل المجتمع مقيدا فى علاقاته بكمٍ هائلٍ من التشريعات، تجد فى الحديث سندا لها، حتى ولو كانت على النقيض من أحكام القرآن.

فى حوار له مع جريدة السفير عام 2010 يرى جورج طرابيشى أن أمام العالم العربى من مائة إلى مائتى عام، حتى يصبح العقل هو الموجه، داعيا إلى إصلاح ما أسماه بصناديق الرءوس، وتلك مهمة حاولها طرابيشى وأنجز فيها ما سيشكل فى المستقبل نقطةَ النهاية فى العبور من إشكاليات علاقة الدين بالدولة وعلاقة الدين بالفرد وعلاقة الدين بالمجتمع، ويقول المفكر والناقد الراحل إنَّ أوروبا احتاجت إلى 500 عام لتنجز هذه المهمة.

ولعلَّ جورج طرابيشى بإسهامه المعرفى والثقافى يكون أحد القلائل المنفيين إلى «المستقبل» وهو الذى عرف المنفى فى حياته من حلب إلى بيروت ومن بيروت إلى باريس، لكن النفى إلى المستقبل سيكون شرفا مضاعفا له، وفيما يتوارى الجابرى خلف نظرته التى تقترب من الميكانيكة للعقل العربي، يبدو طرابيشى فى مواجهته وإلى جواره، كالشجرة التى يجب أن تكون، بتشعبها الذى لا يمكن إنزاله على تقسيمٍ كالذى فعله الجابرى فى كتابه «نقد العقل العربي.. البيان، العرفان، البرهان» وكأننا لو أخذنا بالأخير سوف تشرق شمس العقل ونندرج فيما انقطعنا عنه من المعتزلة إلى ابن خلدون إلى ابن رشد.

على أنه وفيما يخص علاقة الرجلين، فإن طرابيشى وكما قال زكريا محمد فى تدوينٍ له على الفيس بوك: «دَحَضَ طرابيشي.. نقد العقل العربي.. لكنه وُلِدَ هو ذاته من هذا الكتاب. فقد صار مفكرا مختلفا بعد تورطه مع الجابري»

وكان مفكرون سابقون وكتبٌ سابقة قد فعلت فعلها فى إزاحة القليل من الجمود الذى يسم العقل العربي، ككتاب طه حسين «فى الشعر الجاهلي» وكتاب على عبد الرازق «الإسلام وأصول الحكم»، وكتاب «نقد الفكر الديني» لصادق جلال العظم، لكن يمكن القول وبقدر من الطمأنينة إن مشروعى الجابرى وطرابيشى عن العقل العربي، كانا أكثر شمولا واتساعا وتأسيسا لقيم معرفية جديدة، تساعد فيما تساعد على رؤية التراث والفقه والمعرفة الإسلامية بشكل عام، فيما يظل جورج طرابيشى الأشد تحديقا بالعقل فى المستقبل.

*شاعر وصحفي