بقلم: حاتم حافظ* تعقيبا على خبر رحيله كتبت على صفحتى بموقع الفيس بوك نعيا لجورج طرابيشى تضمّن عبارة تقول “الذى لم نكن جديرين به”. على الفور علّق صديقى أستاذ التاريخ

10376336_10153140608326688_3810363665403651300_n

hatem

بقلم: حاتم حافظ*

تعقيبا على خبر رحيله كتبت على صفحتى بموقع الفيس بوك نعيا لجورج طرابيشى تضمّن عبارة تقول “الذى لم نكن جديرين به”. على الفور علّق صديقى أستاذ التاريخ شريف يونس لافتا أنه لا يفهم مثل هذه العبارات، التى تقريبا لا تقول شيئا حقيقيا. على مدار يومين وبعد أن حذفت العبارة ظللت أفكر فى أن اللغة أحيانا ما تسبق الفكر، كما لو كانت للغة حياة مستقلة. ووجدتنى أسأل: هل تفكر اللغة بمعزل عن الكاتب أم أن العقل باعتباره لا يفكر إلا لغة وإلا باللغة يعيد أحيانا أو بالأحرى كثيرا ترديد ما قد قيل من قبل؟ يعيد إنتاج الاكليشيه أو يعيد نسخه؟

اعتاد العقل العربى عبر التدوين على مواقع التواصل الاجتماعى التعبير عن عدم جدارة بأى فعل فردى أو جماعى فاعل وطموح. بالنسبة للعقل العربى فإن الموت يختار الأنقى والأطهر دائما بينما نظل نحن الموسومين بالخطيئة خطيئة الحياة نفسها أحياء لنشهد على الرحيل المتعاقب للجيدين، لهؤلاء الذين لم نستحقهم. ينفجر التدوين فى القرن الحادى والعشرين، لكنه يظل تدوينا مطبوعا، منسوخا. فى كتابه “المعجزة.. أو سبات العقل فى الإسلام” يسرد طرابيشى تاريخ تدوين المعجزة، بداية من الغياب التام للمعجزة فى النص الأصلي/القرآن ثم المعجزات العشر المدونة فى السيرة الهشامية، وحتى ابن كثير الذى يدوّن آلاف المعجزات المبالغ فيها. وفى كتابه “من إسلام القرآن لإسلام الحديث” يسرد طرابيشى أيضا انفجارات التدوين بعد موت النبى عليه الصلاة والسلام، وكيف هيمنت مدونة الحديث على النص القرآنى حتى صارت الأولى حاكمة للأخير وناسخة له. التضاعف بالمتوالية الهندسية فى التدوين العربى هو موضوع شغل طرابيشى إن جاز القول، ليس التراث فى حد ذاته، ولكن الطريقة التى دُوّن بها التراث، ليس هذا فحسب لكن أيضا الأسباب التى جعلت تدوين التراث كأكليشيه ممكنا.

ثم طريقين فى الكتابة، فى التدوين، الكتابة كدهشة والكتابة كيقين، الكتابة كسؤال والكتابة كإجابة، الكتابة كحياة والكتابة كموات، الكتابة كتفكير والكتابة كتدوير. كُتِب التراثُ العربى فى مجمله كتدوير لكتابة قديمة. بحسب طرابيشى مثلا ان الحاجة لتدوين المعجزات النبوية المختلقة كانت بسبب تمدد الإسلام خارج ديار اللغة، ولأن النص القرآنى نفسه كان هو المعجزة بألف ولام التعريف، كنص لغوي، فإن صعوبة فهم المعجزة خارج جغرافيا اللغة فرضت على المسلمين اختلاق معجزات حسية ونسبها للرسول، فكيف يمكن هداية شخص للإسلام لا يعرف اللغة المكتوب بها كتابه فضلا عن أنه يؤمن بأن المسيح شفى المجذوم وأحيا الميت وتحدث فى المهد. بالنسبة لذلك المسلم المخلص الذى كان عليه مجادلة غير المؤمنين بالحسنى فإن تدوين ما لا يصح تدوينه كان عملا ضروريا فضلا عن أنه أيضا كان عملا من أعمال الإيمان. ولأن العقل العربى المسلم وفقا لطرابيشى وبالطبع للجابرى عقل مستقيل، فإن التدوين لن يكون مفيدا إلا إن كان بغرض تثبيت أركان العقل المستقيل نفسه، وإلا إن كان بغرض حماية العقل المستقيل من تنبيهه فى سباته. على هذا الأساس أيضا يمكن فهم النقد الخشن الذى وجهه طرابيشى للجابري، الذى اعترف بفضله فى نهاية الأمر بعد أن أمضى ربع قرن فى قراءته بحسب تعبيره. انتقد طرابيشى الجابرى لأنه اكتشف لجوء الأخير أحيانا لأدلة فاسدة للتدليل على فكرته، كما لو كان الجابرى بينما يقرأ العقل المستقيل قد استقال هو نفسه حماية لفكرته المسبقة كأى تراثى يكتب كتابه كتدوير. لهذا فإن قارئ طرابيشى كثيرا ما يندهش لهوامش كتبه التى أحيانا ما تطعن فى المتن المكتوب بواسطته هو نفسه، كأن يقول فى المتن ان الماوردى الوحيد الذى كتب كذا ثم تراه فى الهامش يعيب على نفسه هذا الاستثناء مؤكدا أن استثناء المواردى هو استثناء مما هو معلوم بالنسبة له فقط. فما كان طرابيشى ليسمح للغة أن تسبق الفكر، ولا للغة أن تفكر مستقلة عن عقله، ذلك العقل الذى ظل حتى نهاية حياته مندهشا وفاعلا.
*باحث

 

للمزيد من ملف “جورج طرابيشي”

ناقد نقد العقل العربى.. كلمة المحرر

نظرية الحسنات الحضارية.. بقلم: معاذ بنى عامر

كما أعرفه.. بقلم: حسام الحداد

ترانيم روح مغتربة.. بقلم: سامح إسماعيل

العقل الفاعل فى الثقافة العربية.. بقلم: حاتم حافظ

مؤذن المعرفة فى مالطا الأيديولوجيا.. بقلم: محمد جبريل

مسافر صاحب متاع.. بقلم: هند جعفر

طرابيشى كنقطة بدء.. بقلم: جمال عمر

حين جادل نصر أبو زيد حول الإمام الشافعى.. بقلم مدحت صفوت

جورج طرابيشى دون أدواته.. بقلم: أحمد ندا

الشجرة كما يجب أن تكون.. بقلم: إبراهيم المصرى

رحيل عقل متمرد.. بقلم: راجى يوسف