بقلم: سامح إسماعيل* هاهو الفارس يلكز جواده أخيرًا ليمارس ذلك العبور الحتمى إلى حيث لانهائية تتوق إليها النفوس التى اعتادت التحليق دوما خارج المسارات والأطر النمطية الضيقة. ربما غيب الموت

349

sam

بقلم: سامح إسماعيل*

هاهو الفارس يلكز جواده أخيرًا ليمارس ذلك العبور الحتمى إلى حيث لانهائية تتوق إليها النفوس التى اعتادت التحليق دوما خارج المسارات والأطر النمطية الضيقة. ربما غيب الموت جورج طرابيشى فى تلك اللحظة الراهنة بكل ما فيها من ارتباك، ليمنحنا الفرصة لاستدعاء ذلك الرصيد المعرفى الذى خلفه فى صمت ودون أن يثير أدنى جلبة.

ولعل أزمتنا المعرفية الراهنة بتساؤلاتها الإشكالية المزمنة حول التراث، قدمت لطرابيشى معطيات حاول توظيفها وهو يستخلص إجاباته، وبجهد نظرى خالص توصل إلى مقاربات معرفية حاول من خلالها تفسير ذلك التعالى الغيبى للنصوص الثواني، قصد الوصول إلى فعل تأويلى يضع فى اعتباراته قبليات القارئ وهوية المقروء وتاريخيته، هذا التموقع خارج سياقات الإرثوى تبدى بوضوح فى كتابه “المعجزة أو سبات العقل فى الإسلام”، حيث قام بتفكيك شبكة المقاربات الدوجمائية التى أحاطت بمركبات الثقافة العربية، وسبر أغوار التأطير الأيديولوجى الحاضن لرواية الحديث، الذى تحول بواسطة المنتج الفقهى المؤدلج إلى نص مقدس ومغلق، أحاط نفسه بسياجات ميثولوجية مفارقة، ليخلص فى النهاية إلى أن منطق المعجزة الذى أقحم فى السياق الإسلامى قوض كل مكتسبات الدين الجديد، فنبى بلا معجزة يطرح تجربته التاريخية بمنتهى العقلانية، كان يمكن أن يؤسس لمنطق مغاير بإمكانه احتضان مغامرة العقل العربى الأولى فى طور بناء الدولة، تحول إلى معجز فى كل شيء، فاستقال العقل العربي، ومضى يستمطر دوما عون السماء.

يمكن القول إن مشروع طرابيشى يملك ميكانزمات الاستدعاء، ولعله يطل علينا بين الحين والآخر، كلما دعت الضرورة، ولعل الجانب الأبرز فى مشروعه الفكرى هو ذلك التحليل السيكولوجى فى رؤيته لعلاقة العرب بالتراث، وهو ما يتجلى فى كتابه الأهم:”العرب والتراث عصاب جماعي” حيث يشرح فيه تمثلات العقل العربى فى تعاطيه مع التراث عبر تحليل بنيته الذهنية، وهو ما يجعل التجربة التاريخية التى غدت تجربة مفارقة هى الأخرى، معطى من معطيات العقل المستلب، الذى استبدل الهوية بالنص، وخلق من التراث عوالم مذهبية تشرنق فيها قرونا طويلة.

لا يسعى طرابيشى إلى (أرضنة) المفارق، وإنما يقدم تحليلا موضوعيا، لتشخيص الحالة، وهو ما يعنى (أنسنة) هذا المتعالى فى محاولة جادة للتفسير، وهو ما يساعد على تغيير مسار هذا الحضور الطاغى للتراث فى المشهد العربى واخضاعه لشروط الراهن.

هنا يوظف طرابيشى التحليلات السيكولوجية النقدية، لتجاوز تلك النزعة الاختزالية الجامدة فى تناول التراث، ويفتح آفاقا جديدة لاستدعاء العقل المستلب من سباته، وفتح مساحات لا نهائية للرؤية من خلال التحليل النفسى، وتتبع منطلقاته القائمة على وحدانية المطلق وتعاليه.

فى الترجمة، حاول طرابيشى الوصول إلى مناطق جديدة، والخروج من الدوائر النمطية، حيث تمكن القارئ العربى من خلال ما قدمه، من الاطلاع على الأحدث، فتعرف على إيميل بريهييه، وكانت موسوعة علم الجمال الهيجلى من أبرز ما قدمه طرابيشى للمكتبة العربية، ولم يكن طرابيشى يعانى تلك النزعة الأنوية التى ربما تتلبس كثيرون من أرباب الفكر وهم يمارسون فعل بالترجمة، كان طرابيشى هو صاحب ذلك القلم المفرط فى رشاقته، والصارم فى أمانته، يوظف ذللك التراكم المعرفى فى شرح المقاصد، وعرض رؤية الكاتب بموضوعية ودقة متناهية.

لعل المرتحل فى عوالمه الجديدة قد آنس حريته التى مارسها على الورق، لتهب الإنسانية إبداعا ورقيا يسافر فينا ونرحل إليه كلما ضاقت بنا السبل، وبينما تصدح هنا ترانيمه التى وهبها للأحياء، تمنحه الأبدية سلاما ربما تاقت إليه نفسه كثيرا.

 

*مركز دال للأبحاث

 

للمزيد من ملف “جورج طرابيشي”

ناقد نقد العقل العربى.. كلمة المحرر

نظرية الحسنات الحضارية.. بقلم: معاذ بنى عامر

كما أعرفه.. بقلم: حسام الحداد

ترانيم روح مغتربة.. بقلم: سامح إسماعيل

العقل الفاعل فى الثقافة العربية.. بقلم: حاتم حافظ

مؤذن المعرفة فى مالطا الأيديولوجيا.. بقلم: محمد جبريل

مسافر صاحب متاع.. بقلم: هند جعفر

طرابيشى كنقطة بدء.. بقلم: جمال عمر

حين جادل نصر أبو زيد حول الإمام الشافعى.. بقلم مدحت صفوت

جورج طرابيشى دون أدواته.. بقلم: أحمد ندا

الشجرة كما يجب أن تكون.. بقلم: إبراهيم المصرى

رحيل عقل متمرد.. بقلم: راجى يوسف