بقلم: راجى يوسف* “ليس الهرطوقي من يحترق في النار بل الهرطوقي من يشعل المحرقة“.  شكسبير. لعلَّ هذا الاقتباس الذي استهل به صاحبنا كتابه (هرطقات 2) يكشف عن مفتاح شخصيته التي

10440847_1154310917925871_2434305352348409642_n

ragy

بقلم: راجى يوسف*

ليس الهرطوقي من يحترق في النار بل الهرطوقي من يشعل المحرقة“.

 شكسبير.

لعلَّ هذا الاقتباس الذي استهل به صاحبنا كتابه (هرطقات 2) يكشف عن مفتاح شخصيته التي تتمحور حول التمرُّد.

تمرَّد صاحبنا على الكهانة الدينية إبان مراهقته عندما صوَّر له الكاهن العذاب الأبدي بصورة تخلو من الرحمة، فحُمَّ ليلتها ولم يفق من إغمائه الا وكان قد تمرَّد على كل تصور كهنوتي.

كان في شبابه قوميًا جلدًا ثم اكتشف أن الدولة القطرية واقعة نهائية فتمرد على قوميته.

ثم تحول إلى الماركسية وتعمق فيها مُشَرِّحًا الفكر الماركسى من أرثوذكسيته إلى هرطقاته بل ورأى العالم من خلالها وحكم عليه بمعيارها …. ولم يعد بعد انفجار الماركسية 1990 ماركسيا بل تمرد عليها تاركًا زملاءه في صدمة من تحوله غير المتوقع فكتب فيه عبد الحفيظ الحافظ مقالًا شهيرًا في جريدة السفير اللبنانية (حتى أنت يا طرابيشى؟) ويقول عنه عبدالرازق عيد انه انتقل من أبوية الماركسية إلى أبوية الفرويدية …. ولكن صاحبنا كان قد اتخذ قرارًا تاركًا الذين ارتضوا امتلاك ناصية الخطاب بدلًا عن امتلاك ناصية الواقع

لم يتوقف خلال تنقلاته الإيدلوجية عن مسيرته الفكرية فقد ترجم لأعلام الفكر الغربى أكثر من مائة مصنف متنقلًا من فرويد إلى سارتر إلى سيمون دى بفوار إلى هربرت ماركوزة إلى اميل برهييه وغيرهم.

اشتغل بالنقد الأدبي واشتهر بتحليلاته الفرويدية للأدب. ولعل علامته المميزة في النقد كانت مع كتاب (الله في رحلة نجيب محفوظ) الذي ارتحل فيها داخل عالم محفوظ متتبعًا فلسفته الثيولوجية التي بثَّها في رواياته.

كل تحليلٍ للنص هو تأويلٌ مظنونٌ إلا في الكتاب السالف؛ فقد قرأه محفوظ وأرسل لصاحبنا هذه الكلمات: (بصراحة أعترف لك بصدق بصيرتك وقوة استدلالك ولك أن تنشر عني بأن تفسيرك للأعمال التي عرضتها هو أصدق التفاسير بالنسبة لمؤلفها)، وقد تمّ.

يرحل صاحبنا عن لبنان – إثر الحرب الأهلية- إلى باريس متأبطًا كتاب (تكوين العقل العربي) وهو الجزء الأول من موسوعة محمد عابد الجابري (نقد العقل العربي) .. يُفتن به صاحبنا ويكتب في جريدة الوحدة في عددها الأول (إن الذهن بعد مطالعة تكوين العقل العربي لا يبقى كما كان قبلها فنحن أمام أطروحة تُغيِّر وليس مجرد أطروحة تُثقِّف).. ومن ثمّ اتخذ الجابري أبًا مؤمثلًا له على حد تعبيره المشحون بالفرويدية ..

شاء القدر أن يتتبع صاحبنا أحد شواهد التكوين فوجده مشوهًا مجتزءًا فثارت فيه الشكوك؛ فتتبع الثاني والثالث والرابع وإذا بالصورة تتضح أمامه بأنه أمام أطروحة إيديولوجية تم فيها ليّ أعناق النصوص لرفع شأن المغرب العربي على حساب مشرقه الذي اعتبره الجابري حصان طروادة الذي تسللت من خلاله اللاعقلانية إلى العقل الاسلامى فتقيله.

تارة أخرى يغلي حب التمرد في دم صاحبنا وينتصب لنقد أبيه المُؤمْثَل الذي كانه الجابري فيكتب موسوعته (نقد نقد العقل العربي) والتي هي – بالنسبة لي- درة أعماله؛ فيقضي ما يزيد عن عشرين عامًا ناقدًا وناقضًا لأطروحة الجابري ثم محللًا للعقل العربي مبينا أسباب إقالته في واحدة من أروع المناظرات الفكرية التي شهدتها الثقافة العربية ابتداءً من مناظرة الغزالي وابن رشد وحتى محمد عبده وفرح أنطون.

لم يكن الجابري وحده هو الذي شنَّ عليه صاحبنا هجومه – وإن كان صاحب النصيب الأكبر- بل إنه شنَّ هجومًا على عامة المثقفين العرب الذي رآهم عصابيين ونكوصيين ومرتدين عن النهضة بعد فاجعة 1967. كتب (المثقفون العرب والتراث) و(المرض بالغرب) و( من النهضة إلى الردة) متهمًا إياهم باللجوء إلى التراث كأبٍ حامٍ يعزون له ما يعزوه الطفل إلى الراشد … إنها حالة تثبيت في الماضى. ولكن اقتصار صاحبنا على التحليل النفسي بمعزل عن العامل الاجتماعي والسياسي قد أثار انتقاد البعض مثل الأستاذ محمود أمين العالم الذي رأى تحليل طرابيشى في ذاته نكوصًا منهجيًا أفضى إلى قصورٍ معرفي. ولكل فعل ردته

يتساءل صاحبنا في هرطقاته عن حالة التمرد التى كانها فيقول (ترى أأرد ذلك إلى حاجة أوديبية إلى التمرد على آبائي الفعليين والمثاليين معا؟؟)

يتقدم بصاحبنا العمر في منفاه الاختياري ويفجع بأحداث الثورة السورية وما حلَّ بوطنه من خراب؛ فيُمسِك عن الكتابة حزنًا وألمًا ويعتبر عجزه عن الكتابة بمثابة موت أصغر بإزاء الموت الأكبر وهو موت الوطن.

يقول في رسالة أرسلها لأحد أصدقائه قبيل موته واصفًا زماننا بأنه: (الزمن العربي الذي بات كالقدر المستعصي على التحكم به)

ولما استعصى الزمن على تمرُّد صاحبنا – وهو الذي تمرَّد على كل شيء- لم يبقَ له إلا الرحيل بهدوء.

 

*باحث

للمزيد من ملف “جورج طرابيشي”

ناقد نقد العقل العربى.. كلمة المحرر

نظرية الحسنات الحضارية.. بقلم: معاذ بنى عامر

كما أعرفه.. بقلم: حسام الحداد

ترانيم روح مغتربة.. بقلم: سامح إسماعيل

العقل الفاعل فى الثقافة العربية.. بقلم: حاتم حافظ

مؤذن المعرفة فى مالطا الأيديولوجيا.. بقلم: محمد جبريل

مسافر صاحب متاع.. بقلم: هند جعفر

طرابيشى كنقطة بدء.. بقلم: جمال عمر

حين جادل نصر أبو زيد حول الإمام الشافعى.. بقلم مدحت صفوت

جورج طرابيشى دون أدواته.. بقلم: أحمد ندا

الشجرة كما يجب أن تكون.. بقلم: إبراهيم المصرى

رحيل عقل متمرد.. بقلم: راجى يوسف