بقلم: جمال عمر منذ بدايات محاولات التحديث، عند العرب فى أوائل القرن التاسع عشر/ الثالث عشر الهجري، والموقف من التراث ومن الماضي، يأخذ جانبا مهما من تفكير المثقف العربي، شيخ

349

gam

بقلم: جمال عمر

منذ بدايات محاولات التحديث، عند العرب فى أوائل القرن التاسع عشر/ الثالث عشر الهجري، والموقف من التراث ومن الماضي، يأخذ جانبا مهما من تفكير المثقف العربي، شيخ كان أو أفنديا، فكان تمرير مُنتجات الحداثة، عبر تبريرات تراثية. من باب بضاعتنا ردت الينا، فكانت الرؤية النفعية فى التعامل مع التراث، المتشحة بالتمجيد. مع الانفتاح على مُنتجات الحداثة وثمارها، مع التحفظ على الأشجار التى أنتجت الحداثة ذاتها. ومع كل هزيمة وتراجع يواجههما العرب، تزداد عملية الاستقطاب بين طرفى معادلة التحدث هذه. فكانت بدايات الرؤية النقدية للتراث مع عمليات التحرر فى بدايات القرن العشرين/ الرابع عشر. مع أمثال طه حسين وعلى عبدالرازق وغيرهما. حتى انهارت عملية التوفيق هذه بين التراث وبين مُنتجات الحداثة مع هزيمة يونيو سنة 67. ودخل العرب فى عقود من التشظى والتفتت. فكانت عمليات إعادة القراءة وإعادة النظر فى التراث. وازدياد النزعة النقدية للتراث، من تجديد الفكر العربى إلى الثابت والمتحول إلى التراث والتجديد ونقد العقل العربي. ومع بدايات التسعينات كانت عمليات نقد النقد التى يعد أشهر ممثليها جورج طرابيشي، فى نقده لمشروع الجابرى عن نقد العقل العربي. ينقد فيه مركزية مفهوم العقل عند الجابرى وانحصاره وسجنه فى المفاهيم الأوروبية، بل ليسعى طرابيشى ليس إلى استعادة تراث العرب والمسلمين من سجن الجابرى ورؤاه الأيديولوجية، كما يوحى طرابيشي، من حيث سعيه للتأسيس، لعقل فى المشرق مختلف عن عقل فى المغرب هو الأقرب للإتصال والتواصل مع أوروبا، بخلاف العقل المشرقى العرفاني. بل سعى طرابيشى أيضا لاستعادة التراث اليونانى ذاته وصلته بتراث مناطق الشرق الأوسط، أكثر من اتصاله بما نسميه الآن الغرب. ويحارب حالة الفصل والانفصال بين نواحى التراث عند العرب وبعضهم البعض، بل بينهم وبين الحضارات القديمة.

قيمة طرابيشي، فى التفكير النقدي، التى دونها سنظل ننتقل من تمجيد أشخاص إلى تمجيد أشخاص آخرين. وتظل عقلية التمجيد، ويظل الأب وسلطته هما السائدان. القيمة الثانية ألا يتم اختصار الهوية فى حماية التراث، الذى يتم اختصاره فى التراث الديني، بل فى جوانب معينة من التراث الدينى لطوائف من المسلمين دون غيرهم من مسلمين آخرين. مما حول التراث فى الفكر العربى حكرا على المسلمين، فلم يعد التراث، موضوعا للتفكير، بل كمصدر للهوية. لكن جهد طرابيشى يكسر هذا الكهف، بأن التراث هو موضوع للفهم للعربى مسلما كان أو مسيحيا، شيعيا كان أو سنيا أو خارجيا. بل التراث يمتد الى أبعد من تجربة المسلمين إلى الأصول الأعمق فى الحضارات القديمة لمنطقتنا. بل إن كتابه «من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث – النشأة المستأنفة» خطوة مهمة ليصبح التراث والقرآن موضوعا للفهم وللدراسة وليس مجرد عباءة نحتمى بها ونعوض بحمايتها نقصنا وضعفنا المعاصر، فيسجننا التراث ولا نمسك به من خلال عملية وعى به، وفهم. حين أقارن بين كتابة طرابيشى نقديا عن القرآن وبين رفض الجامعة الأهلية بمصر فى بدايات القرن العشرين أن يدرس مسيحى هو جورج زيدان التاريخ الإسلامي، الذى كتب فيه مجلدات ما زالت تقف على قدمين بعد قرن.ورغم جهد طرابيشى المهم فى نقد التراث وفى نقد الخطاب العربى المعاصر فى تعامله مع التراث. يظل تعامل طرابيشى مع الحداثة بطريقة غير نقدية، هى منطقة تحتاج إلى مزيد من الدرس والبحث، ولعلها تكون مفتاحا مهما، لإنبات محاولات تبنى على جهد جورج طرابيشى بالانتقال بمشروعه، إلى مستوايات أعمق وأرحب.

إن دلالة طرابيشى هو أن ننقد أعماله لنقف على كتفيه ونتجاوزه، وهو مشوار نحن فى أشد الحاجة له. لمواجهة عمليات التفكيك والتشظى التى نعيشها وتعيشها منطقتنا، الآن، وإن كان طرابيشى قد غادر سوريا إلى بيروت، ومن بيروت مع الحرب الأهلية فى لبنان فى منتصف السبعينات، لينتهى به الحال بباريس، يجسد ما آلت إليه أحوال العرب مع بدايات القرن الواحد والعشرين/ الخامس عشر. فيظل جورج طرابيشى حيا فى فكرنا إذا وقفنا على ما أنجز لنتجاوزه.