بقلم: حسام الحداد* فى أواخر ثمانينات القرن الماضى كنا مجموعة من الشباب كغيرنا من شباب مصر نعانى الكثير من الفقر المعرفى مجاورا للفقر المادى، وكان من حسن حظى أن لدى

10376336_10153140608326688_3810363665403651300_n

12795270_1071775822879987_3766634673568320837_n

بقلم: حسام الحداد*

فى أواخر ثمانينات القرن الماضى كنا مجموعة من الشباب كغيرنا من شباب مصر نعانى الكثير من الفقر المعرفى مجاورا للفقر المادى، وكان من حسن حظى أن لدى ميولا للاشتراكية ربما كان السبب فيها حبى لجمال عبدالناصر، وما تعلمته من شيخى وأنا صغير فى كتاب القرية عن شخصية أبى ذر الغفارى، وعمر بن عبدالعزيز وغيرهما من الشخصيات التى اهتمت بالفقراء فى تاريخنا السياسى والاجتماعى فى ظل الدولة الإسلامية الأولى. فتوسعت فى القراءة عن الاشتراكية والماركسية وقادتنى هذه القراءات إلى الاهتمام بقضية التنوير فى التراث العربى ما بين «المعتزلة» و«إخوان الصفا» وغيرهما من الفرق أو العلماء الفلاسفة أمثال «ابن رشد» ، و«ابن سينا» و«الجاحظ» و«ابن المقفع» وغيرهم. فى هذا التوقيت تعرفت على كتابات «محمد عابد الجابري» فى نقد العقل العربى وكنت أملك أسئلة كثيرة لم أجد لها اجابات فى كتاباته. وقادنى البحث إلى التعرف على كتابات الكثير من التنويريين العرب أمثال «جابر عصفور» والشيخ «أمين الخولى» ، و«نصر حامد أبوزيد» ، و«محمد أركون» و«محمد شحرور» و«رمضان السيد» مع حفظ الألقاب والتقدير والاحترام لهم جميعا ولغيرهم ممن علمونا كيف تكون الحياة. ومن بين هؤلاء كتابات المفكر العظيم «جورج طرابيشى» . ففى منتصف التسعينات من القرن الماضى تعرفت على مشروعه العظيم (نقد نقد العقل العربى) والذى كان بمثابة الرد على مشروع «محمد عابد الجابرى» على المستوى العام، أما على المستوى الشخصى بالنسبة لى فكان مشروع «جورج طرابيشى» يجيب عن تلك الاسئلة الملحة التى تفجرت عندى حينما قرأت «عابد الجابرى» ليس هذا فقط بل إن مشروعه أثار شهيتى البحثية لهذا التراث الإنسانى الغنى بمختلف أنواع المعرفة، وكذلك جعل من قراءة هذا التراث ومناقشته أهم أولويات حياتى.

ومن هنا كان الاعتراف بفضل وقيمة ما أنتجه «جورج طرابيشى» لا يجدر بمقال أن يتحمله فهو الذى قال: ثقافتنا هى انغلاق على مفاهيم من عصور سابقة كانت فعالة آنذاك، لكنها اليوم بلا أدنى فعالية، نحن نريد أن نجيب عن أسئلة الأبناء بأجوبة الأجداد.

فما قاله جورج طرابيشى فى هذه المقولة يعد تلخيصا لاشكالياتنا الكبرى فى الفكر والدين والثقافة، فمجتمعنا سلفي، ونخبنا سلفية، فقط ترتدى عباءة الحداثة، حتى دعاة الليبرالية واليسارية، هم ايضا سلفيون يكررون ما انتجه الاسلاف من مقولا ت لا تتعدى حناجرهم، واقصى ما يستطيعون فعله هو اعادة انتاج هذه المقولات بألفاظ مغايرة لا تتناسب حتى مع موضوعات العصر.

هذا هو جورج طرابيشى الذى استغنى عن الايديولوجيات وعاش ناقدا لها، واهتم بالعقل النقدى ايما اهتمام ما جعله يؤكد ان العقل لا يكون عقلا الا اذا كان نقديا، وكان مخلصا لاشكالياتنا الاجتماعية والثقافية والسياسية متفانيا فى تقديم قراءة علمية نقدية لمجتمعنا، فيؤكد ان المجتمع الذى يريد الديمقراطية فى السياسة ولا يريدها فى الفكر ولا على الاخص فى الدين، هو مجتمع يستسهل الديمقراطية ويختزلها فى آن معا، وعدو الديمقراطية هو من يصور الديمقراطية على انها الخلاص، فكبرى مشكلاتنا فى العلم العربى حسب جورج طرابيشي، اننا اختصرنا الديمقراطية الى احد مظاهرها، وهو صندوق الاقتراع.

واستكمالا لما بدأه جيل كامل من المثقفين العرب فى مجال قراءة التراث ونقده، جيل حمل على عاتقه تقديم الفكر الحداثى والتنويري، والاهتمام بالانسان ووضعه فى مكانه كمركز للكون وان الديانات والفلسفات انما هى لخدمة الانسان وليست للقضاء عليه او لمعاناته، وتاكيدا لهذا المفهوم الذى آمن به جورج طرابيشى وغيره من مفكرينا الذين اهتموا باصلاح ما افسده هؤلاء الماضويون الذين يقدسون العيش فى الماضى بارائه وافكاره واشكالياته ومروياته التى يقدسونها، دخل جورج طرابيشى كغيره من الرواد معركة الماضى والمستقبل، الظلام والتنوير واهتم بنقد تلك المنظومة المعرفية بقوله: كل حديث عن الاصلاح السياسي، مع الابقاء على المنظومة المعرفية القديمة والمفاهيم التقليدية انما هو نقش على ماء، واستكمالا لهذه المقولة وسيرا على اهمية تغيير المنظومة المعرفية والانفتاح على الحداثة، قال طرابيشي: ان الانفتاح على الحداثة هو الذى يمكن ان يطرح على التراث اسئلة جديدة، وان يعيد صياغته فى اشكاليات جديدة. ولا شك ان جورج طرابيشى بما انتجه لنا من اطروحات وافكار، فانه لم يمت وسيظل حيا فينا بمقولاته وقدرتها على التغيير.
*باحث

___________________________________

للمزيد من ملف “جورج طرابيشي”

ناقد نقد العقل العربى.. كلمة المحرر

نظرية الحسنات الحضارية.. بقلم: معاذ بنى عامر

كما أعرفه.. بقلم: حسام الحداد

ترانيم روح مغتربة.. بقلم: سامح إسماعيل

العقل الفاعل فى الثقافة العربية.. بقلم: حاتم حافظ

مؤذن المعرفة فى مالطا الأيديولوجيا.. بقلم: محمد جبريل

مسافر صاحب متاع.. بقلم: هند جعفر

طرابيشى كنقطة بدء.. بقلم: جمال عمر

حين جادل نصر أبو زيد حول الإمام الشافعى.. بقلم مدحت صفوت

جورج طرابيشى دون أدواته.. بقلم: أحمد ندا

الشجرة كما يجب أن تكون.. بقلم: إبراهيم المصرى

رحيل عقل متمرد.. بقلم: راجى يوسف