بقلم: محمد جبريل*   كما هو الوارد بالنسبة للعقل المتحرك والناقد من الصعب أن يبدأ مسيرته الثقافية بمنهج ما ويظل عليه حتى النهاية، تنقل عقل طرابيشى بين مناهج عدة، حيث

10440847_1154310917925871_2434305352348409642_n

12063834_1031802813525710_6515838585767662133_n

بقلم: محمد جبريل*

 

كما هو الوارد بالنسبة للعقل المتحرك والناقد من الصعب أن يبدأ مسيرته الثقافية بمنهج ما ويظل عليه حتى النهاية، تنقل عقل طرابيشى بين مناهج عدة، حيث خاض راهب الـفكر تجربة العمل السياسى كطريق للتغيير، عبر انخراطه فى الحركة القومية العربية فى حزب البعث، ثم بدأ بتبنى النظرية الماركسية، وصولًا إلى علم النفس والتحليل النفسي، والوجودية بعد ذلك، حتى انتهى إلى تبنى النزعة التاريخية النقدية، حتى أضحى طرابيشى علمًا على تحولات المثقف العربى غير المحدودة عبر المناهج النقدية – مع استثناء التجربة القومية حيث لا يمكن إدراجها ضمن خطاطة المناهج النقدية بقدر ما يمكن اعتبارها أيديولوجيا غير واعية- وهى التحولات الناتجة عن الوعى الذاتى بالكتابة والوعى النقدى بتعقد إشكاليات الثقافة العربية، وبالحضور الإشكالى للتراث فى الواقع العربى المعاصر، بالإضافة إلى تحولات الواقع العربي، مما يُصعب مهمة إخضاع تلك الثقافة لمنهج واحد مهما كانت صرامته المنهجية ودقته المفهومية.

وإذا كانت الغاية من ممارسة التفكير هى إنتاج وعى بالإشكاليات العربية وفى القلب منها يقبع التراث، بالإضافة إلى امتلاك الواقع معرفيًا، فإن مسألة المنهج لا تكتسب قيمة بذاتها بل تتحدد قيمتها من تحقيقها للمطلوب منها وهو إنتاج المعرفة. ليس من معرفةٍ دون منهج؛ فالمنهج هو القادر على إدراك وإبراز ما هو خفى فى الظاهرة الثقافية، بل رصد حركة الثقافة نفسها، لكن التخندق فى المنهج رغم عدم كفاءة مفاهيمه فى إنتاج معرفة بالموضوع المفكر فيه، يحوّل الكتابة من جهة التفكير إلى جهة الإنشاء.

يقول طرابيشى عن تحولاته “هذه المسيرة من التغيرات المتواصلة لا تعنى إنكار كل ما تم تجاوزه، بل بالعكس، فمن خلال التاريخ والتغير وتصفية الحساب تتم أيضًا عملية تراكم وإعادة بناء. ولئن تجاوزت مراحلى القومية والوجودية والماركسية والتحليلية النفسية، فهذا لا يعنى أنى لم أحتفظ من هذه المحطات بعناصر ما زالت تلعب دورها فى المحصلة النهائية لمسيرتى الفكرية.

وهكذا أستطيع اليوم أن أستفيد من جميع خبراتى السابقة كى أطوّر رؤية مركبة ومعمّقة للواقع الذى نعيشه، والذى يمثل انعطافًا جديدًا فى مسيرة العالم العربي، من خلال انبثاق ظاهرة الأصولية المنداحة موجتها اليوم، والتى كانت أحد الأسباب الرئيسية فى تحولى الفكرى من نقد الرواية إلى نقد التراث العربى الإسلامي، كما تجلى فى مشروع نقد نقد العقل العربى الذى أخذ، ولا يزال، بُعدًا موسوعيا، ما كنتُ أنا نفسى أتوقعه عندما شرعت به قبل أكثر من 20 عامًا”.

حوار الشرق الأوسط 23 يناير 2008، نقلًا عن موقع الأوان 12 إبريل 2014. فعلى النقيض من القراءة التراثية للتراث التى تبحث فى الماضى عن تفسير الحاضر، وتقيس الحاضر على الماضي، فلا تنتج إلا التكرار، وعلى الضد من القراءة الأيديولوجية الإسقاطية أو “الكفاحية” بتعبير محمد آركون، تقف محاولات طرابيشى النقدية، فهى لا تهدف لتوظيف التراث فى معارك الحاضر بل لإعادة قراءة التراث، فالمهمة عند طرابيشى هى تطبيق المنهجيات الحديثة على التراث واستقراؤه والإضافة إلى ثرواته ثروة جديدة، حسب ترسيم طرابيشى مهمته.
*باحث