بقلم: هند جعفر* يومًا ما عدَّد جورج طرابيشى خيباته فى الحياة فوجدها أربعة عشر فشلا، كان أكثرها وطأة على نفسه فشله فى مقاومة الزمن؛ توهم فى شبابه انه لن يشيخ

10440847_1154310917925871_2434305352348409642_n

hend
بقلم: هند جعفر*

يومًا ما عدَّد جورج طرابيشى خيباته فى الحياة فوجدها أربعة عشر فشلا، كان أكثرها وطأة على نفسه فشله فى مقاومة الزمن؛ توهم فى شبابه انه لن يشيخ أبدًا، وعندما شاخ أدرك أن الموت قريب للغاية، وهو ما كان يزعجه لسبب مرتبط بخيبة أخرى حدثنا عنها فى أحد حواراته الصحفية قائلا بأنه يخاف الرحيل قبل أن يشهد نهاية للمأساة العربية التى حدد بدايتها بهزيمة يونيو 67، كان يتمنى أن يمتد به الزمن ليرى نهاية لهذه الآلام، ولكنه وللأسف ترجل مثل أغلب فرسان جيله قبل بلوغ هذه الغاية.. قبل أيام ودعنا طرابيشى إلى مُستقره الأخير، ولا أعتقد أن كلمات الرثاء العادية تليق بالرجل، يحتاج جورج فى هذا المقام لكتابة عاصفة هى الأليق بحياته وكتاباته التى لم يُهادن فيها حتى الرمق الأخير. عرفته من خلال ما ترجمه من أعمال قيمة والتى جاءت لتسد رتق فكرى تمثل فى قلة الترجمات فى وقت احتاجت فيه المكتبة العربية لهذا الزخم الفكرى الغربي. كانت بداية تعرفى على عالم الرجل الفكرى الذى ناهز المائتى كتاب من خلال ترجمته لكتاب «إميل برهييه» تاريخ الفلسفة، ثم تباعدت الأيام بينى وبين كتاباته إلى أن كنت أبحث عن ترجمات أعمال «فرويد» فوجدت أن أغلبها من إعداد «جورج طرابيشي» ولم يطل الأمر كثيرًا حتى قرأت له عدة أعمال نقدية أدبية فشغل بالى لفترة هذا الموسوعى الذى ينتقل فى سلاسة ما بين الأدب، والفلسفة، وعلم النفس، والنقد، فاطلعت على عدد من كتبه كان أهمها فى رأيى كتاباته النقدية الأدبية وللأسف هى الأقل حظًا فى تسليط الضوء عليها! فقد استأثر فكره الفلسفى وتناوله للجانب التراثى لمحيطنا العربى والإسلامى بالنصيب الأكبر من مناقشات وصلت فى بعض الأحيان لمعارك فكرية فى الساحات الثقافية.. قد يكون هذا لطبيعة هذه الأعمال التى تميزت بالسجالية خاصة فى رده على مؤَلف محمد عابد الجابرى المُعنون «نقد العقل العربي» والذى استغرقه عقدان من الزمان ليفند أطروحات الجابرى ويرد عليها فى مشروعه القيم «نقد نقد العقل العربي»، صحيح أن طرابيشى لم يغفر للجابرى أبدًا إشارته بأنه ليس مسلمًا، ليرد هو الآخر بأن الجابرى ليس عربيًا فى إشارة لكونه من البربر، ولكن ورغم كل هذا الجدال فقد استفادت المكتبة العربية بتأليف سفرين عظيمين، وهو ما أظن أن الساحة الثقافية ستفتقده طويلا لترجل فرسانها الكبار واحدًا تلو الآخر بالتزامن مع خلوها من نماذج شابة تواصل ما بدأه الأسلاف.

من المعروف أن طرابيشى كان من أهم المنظرين للفكر النقدى الجذرى وحاول من خلال هذا التوجه أن يبنى جسورًا بين علمانية يمكن وصفها بالوسطية وتراث عربى إسلامى رأى فيه إنه سمح بتَسَيد العقل فترة لابأس بها أبدًا من الزمن، ولكن المعضلة فى رأيه كانت تتمحور حول إعادة إنتاج هذا التراث دون فصله عن تَوَجهه العقلي، والذى حدث بالفعل لأسباب سياسية، واجتماعية مستحدثة على واقع الأمة العربية، وهو ما حاربه طرابيشى بشدة مُنتهجًا مشروعًا لإعادة قراءة التراث العربى بنظرة مغايرة تَوَّجَها فى عمله القيم «نقد نقد العقل العربي» الذى انتصر فيه جزئيًا للفكر العربى وآدابه.

ومن المصادفات المريرة أن يرحل عن عالمنا هذا السورى المولد الباريسى الإقامة فى وقت تفقد فيه سوريا والعرب عقلهم الجمعى بمعارك إثنية ومذهبية جنونية وصفها طرابيشى بفتح أبواب الجحيم والردة على مصراعيها، صحيح أنه ترك سوريا بعد تجربة السجن التى تعرض لها نتيجة معارضاته للبعث بعد أن كان أحد المؤيدين ولكن ظلت سوريا فى رأيه تحافظ على نسيجها الاجتماعى الذى حماها من تشرذم أصاب بيروت محطته التالية والتى غادرها أيضًا بسبب الحرب الأهلية إلى باريس خلوته الأخيرة، لكن ظل طرابيشى وفيًا لحق وطنه فى الإعلان عن نفسه بعد سنوات من الكبت السياسى وتجلى هذا فى معارضته لأدونيس الذى رأى فى خروج المظاهرات السورية من المساجد دلالة واضحة على كون الثورة السورية معارضة تلتحف بالعباءة الدينية، وهو مارد عليه طرابيشى بأن النظام السورى أغلق كل قنوات التعبير فى وجه المعارضين حتى باتت المساجد هى الملجأ الأخير لمختلف الأفكار والتوجهات.

ما يُمكن أن يقال عن تجربة هذا الرجل الفكرية إنها تجربة محفوفة بالمخاطر فى جغرافيا المنع والتكفير، والحديث عن أفكاره وأطروحاته يحتاج سلسلة من المقالات لتتبع مسار هذا المفكر منذ البدايات وحتى المرحلة الباريسية وقراءة جورج طرابيشى الآن ضرورة مُلحة حتى وإن كنت أختلف كثيرًا مع توجهه الأيديولوجى ولكنى أؤمن بأن نكأ الجرح الفكرى العربى وإعادة تطهيره هو السبيل الوحيد للخروج من محنتنا الحاضرة.

 

 

*مكتبة الإسكندرية