محمد عبد النبي كلمات رديئة   (تحاولُ الكلام… مثل طفلٍ لم يعرف نارًا أكبر من عود ثقاب. وعليه الآن… أن يصفَ غابةً كاملة تحترق)، هذه هى القصيدة الأولى، وعنوانها تلعثم،

كلمات رديئة

محمد عبد النبي

كلمات رديئة

 

(تحاولُ الكلام… مثل طفلٍ لم يعرف نارًا أكبر من عود ثقاب. وعليه الآن… أن يصفَ غابةً كاملة تحترق)، هذه هى القصيدة الأولى، وعنوانها تلعثم، من (كلمات رديئة)، ديوان قصائد النثر الأوّل للشاعر العراقى ميثم راضي، الصادر عن منشورات المتوسط – إيطاليا، وهى دار نشر عراقية تعمل من ميلانو وقد أهدت قرّاء العربية مؤخرًا أكثر من عنوان جدير بالقراءة، وخصوصًا فى قصيدة النثر، ومن بينها طبعًا هذا الديوان الذى تشى قصيدة الأولى بمدى حيرة الشاعر- الطفل المتلعثم الذى صار عليه وسط ما نعيشه فى عالمنا العربى الآن أن يصف غابة تحترق وعالمًا يتقوّض بمفردات قليلة وفى صيغٍ ونبرات تطمح للابتعاد قدر الإمكان عن فوران العاطفة وابتذال النواح، وفى ظنى إن ميثم راضى قد اجتاز هذا الاختبار بامتياز، دون أن يشيح ببصره عن فظائع واقعه اليومى ودون أن يتنازل كذلك عن طموح الجمال والأناقة، متجنبًا ما قد نتوقّعه عند تناول مثل تلك الموضوعات من رخاوة الشعور أو غلظة التعبير والخطابية المباشرة.

ميثم من مدينة ميسان، ومواليد عام 1974، ويمارس الرسم على فترات، لكنه أكثر إخلاصًا للشعر، ولشكل قصيدة النثر تحديدًا، لم يتعجّل فى إصدار عمله الأوّل فأصدره بحسب قوله حين شعر (إنه بلغ درجة من العرفان أو الزهد، أى التحرر من كل طموح مادى أو معنوى قد يعود عليه من كتابته) كما أشارَ فى الحوار نفسه إلى عدم اطمئنانه إلى فكرة كتابة الشاعر لتجربته الذاتية المحدودة، وأنه يميلُ لكتابة تجربة الآخرين ممن يعيشون حوله، التجربة الإنسانية الكبيرة كما يعيشها جميع الناس، والشاعر كواحدٍ منهم. لكن ميثم لا يكتب تلك التجربة الكبيرة، مثل الحرب والاحتلال والتفجيرات اليومية إلّا من خلال عدسة مصغرة، ترصد أدق التفاصيل وتضعها فى إطار شعرى مرهف وقاطع كحد السكين. لن تعثر بين قصائده على مقولات أو تجريدات أو بكائيات أو مواعظ، لكن صور تتحرّك نشطة مثل أفلام تجريبية قصيرة، وفى كل صفحة من قصائده القصيرة غالبًا لا بدّ أن تلمح عيناك بقعة دم فتظنها وردة، أو شلوًا يتطاير من جسد إنسان على إثر تفجيرٍ ما، فتظنه جزءّا من دُمية، يتحوّل الكابوس إلى خبر يومى على شاشة التليفزيون، ومع ذلك يبقى احتمال المحبة سدًا منيعًا فى وجه هذا الدمار والجنون، حين يكتب مثلًا: (عندما كانت الشوارع جروحًا… كان العشّاق جوانبها: يعبرون نحو بعضهم البعض… مثل الغُرَز) ويعنونها: خيطٌ طبي، لذا فالقارئ لن يعرف أين ينتهى المشهد الدامى ليبدأ المشهد العاطفي.

إلى جانب الحس المشهدى وربما أيضّا السردى الذى يسم أغلب قصائد الديوان، فإن هناك نزوعا عجائبيا، إن لم يكن سرياليا، فى تصوير تلك المشاهد، بحيث تنقل الواقع وتغترب عنه فى اللحظة ذاتها، فالدرّاجة الهوائية الملطخة بالدماء، تنهض لوحدها مثل فرسٍ أصيلة، لتبحث وسط الدخان والأشلاء عن الولد الصغير الذى كان يركبها. وفى قصيدة أخرى عندما تسأل الروح الصغيرة الملائكة كيف عرفوا أنها من العراق دون أن يسألوا، يمد الملاك يده ويمسح خد الروح ويرفع إصبعه أمام عينيها قائلًا: من السُخام يا صغيرتي.. من السخام.

لعلّ قصائد ميثم راضى أقدر على تقديم ذاتها منى ومن أى شخص آخر، مثل كل شعرٍ جيّد، فما أسهل أن نقتل قصيدة جميلة بالحديث عنها مهما لامسناها بحذر ورقّة، وما أسهل أيضًا أن نختزل تجربة مضيئة ومنفتحة فى كلمات تعتم وتغلق، شأنها شأن الكلمات السيئة التى أشار إليها ميثم فى إحدى قصائده، حيث قرية كلما مات واحدٌ فيها اختفت كلمة من أحاديثها للأبد، وفى البداية اختفت الكلمات الجيدة: (مرّة … ماتت طفلة من الجفاف: فاختفت كلمة نهر)