بقلم : مجدى الطيب «نوارة».. وقود الثورة الذى تحول إلى هشيمها ! أزمة الفيلم تكمن فى السيناريو الذى عانى فقرا فى الخيال لم يعوضه اجتهاد المخرجة   وأنا أشاهد

5060a1ed6a16126e8e986740fb5bd3da

 

بقلم : مجدى الطيب

«نوارة».. وقود الثورة الذى تحول إلى هشيمها !

  • أزمة الفيلم تكمن فى السيناريو الذى عانى فقرا فى الخيال لم يعوضه اجتهاد المخرجة

 

وأنا أشاهد فيلم «نوارة» تأليف وإخراج هالة خليل قفز إلى ذهنى فيلم «بيت القاضي» (1984)، الذى كتبه عبد الحى أديب عن قصة بنفس العنوان للأديب إسماعيل ولى الدين، وما جمع بينهما، فى رأيي، إن «بيت القاضي»، الذى صار واحدا من أفضل الأفلام التى تحدثت عن حرب أكتوبر، تبنى رسالة تقول : «الفقراء دفعوا ثمن النصر، والأغنياء جنوا ثماره»، بينما لخصت هالة خليل رسالتها فى «نوارة» بمقولة :«الفقراء هم وقود الثورة..  وهشيمها» !

زمن أحداث الفيلم حددته «هالة» بوضوح عندما تصدرت الفيلم لوحة تقول :«بعد سقوط حسنى مبارك» لكنها لم تفعل؛مثل كثيرين، انشغلوا بالحديث عن إرهاصات ومبررات ثورة 25 يناير 2011، بل راحت ترصد انعكاسات «الثورة» على شريحة الفقراء، والمهمشين، والمعدمين، الذين كان ينبغى أن يكونوا على رأس المستفيدين من «الثورة»، لأنهم دفعوا ثمن قيامها، لكنهم بدلا من أن يحصدوا نتائجها تحولوا إلى «رماد تحت نارها الخامدة» !

أزمة فيلم «نوارة» تكمن – فى رأيى – فى افتقاره إلى الخيال، ووقوعه فى فخ «التقريرية»، التى أوحت بأننا حيال فيلم تسجيلى يُعيد على مسامعنا، وأمام أبصارنا، مشاهد لوقائع، وأحداثا عاصرناها عقب سقوط «مبارك»؛مثل فترة حكم المجلس العسكري،  وصدور قرارات التحفظ على «مبارك» ونجليه، وتعقب رجال الأعمال..  وغيرها من الأحداث «المحفوظة»، التى حاولت المؤلفة / المخرجة سردها بلغة بصرية موائمة، لكنها جنحت للتكرار، كما فى مشهد البطلة التى تحمل «جراكن المياه»، والمباشرة، كما فى الربط بين شُح المياه فى المناطق الشعبية، وحمامات السباحة التى تفيض بالمياه العذبة فى قصور الأغنياء، ورجال الأعمال، وجنحت للمبالغة فى اللعب على وتر «الوهم»، والتغرير بالبسطاء؛عبر الإيحاء بأن استرداد الأموال المهربة والمنهوبة سيمنح كل مواطن مبلغا يُقدر بـ120 ألف جنيه؛فالتكرار أفسد المعنى..  والرسالة !

nawara1

«نوارة» (منة شلبي) هى ابنة هذه الشريحة المعدمة، التى لا تجد قطرة الماء، وتعانى إهمالا وتجاهلا على الأصعدة كافة، وتسعى للتغلب على هذه المعاناة، وإتمام زواجها الشرعى بفتاها «علي» (أمير صلاح)، بالعمل لدى عائلة رجل الأعمال «أسامة» (محمود حميدة)؛الذى يعد واحدا من فلول نظام مبارك، والمكونة من زوجته «شاهندة» (شيرين رضا) وابنته «خديجة» (رحمة حسن) وابنه المقيم بالخارج «إياد» (أحمد مجدي) لكن الفيلم، الذى يُحلق بعيدا عن الخيال، وينزلق على أرضية خشنة، ، يغرق فى طوفان من «الواقعية السوداء» والمشاهد التى سعت المؤلفة / المخرجة من خلالها إلى تكثيف الشعور بالغضب والتأسى على أحوال الفقراء والمهمشين، والأهم القول إن «الثورة كانت ضرورة»، لكن الأثر جاء عكسيا، نتيجة غياب الحس الجمالى المفترض؛فالبطلة تؤمن قطرة الماء لتأمين حاجتها اليومية، ولأن جدتها «توحة» (رجاء حسين) تخشى أن تموت ولا تجد قطرة ماء لتغسيل جثتها، بكل ما فى التوجس من قتامة تبلغ ذروتها بطلب الجارة حفنة ماء لتغسل بها وجه طفلتها قبل الذهاب إلى المدرسة، بالإضافة إلى تحميل الممرضة «المرتشية» مسئولية الانهيار الحاصل فى المستشفيات العامة، وتردى الأحوال الصحية فيها، هى المبالغات الأقرب إلى «الميلودراميات»، التى لا تستدعى الشفقة على الفقراء، والمهمشين، بقدر ما تثير الحنق ضدهم، وضد الفيلم، الذى بدا، فى لحظة، وكأنه يُلقى بمسئولية فشل الثورة، أو انحرافها عن مسارها، على «الشعب» نفسه، وهو المعنى الذى يتأكد فى مشهد المظاهرة التى كانت تقطع الطريق، وتعطل مصالح المواطنين الساعين إلى العمل والرزق، فى حين يُقدم الفيلم – فى المقابل – صورة محببة لرجل الأعمال «الوطني»، الذى يفهم طبيعة الشعب المصري،  ويرفض الهروب من مصر، كما فعل رجال أعمال كُثر، كونه يُراهن على أن شيئا لن يتغير فى مصر، ويتنبأ بعودة الأوضاع السياسية والاقتصادية إلى ما كانت عليه قبل «الثورة»، وهو ما عبر عنه بثقة قائلا : «بكرة أفكركم..  كل حاجة حترجع زى ما هى بالضبط» !

بالطبع لم يخل الفيلم من اجتهادات طيبة تمثلت فى العلاقة بين «نوارة» و«الكلب»، ونجاحها فى قهر خوفها منه، وتمكنها من السيطرة عليه، بكل ما تحمله العلاقة من دلالات وإسقاطات، بالإضافة إلى التميز الواضح لبعض العناصر الفنية؛على رأسها الموسيقى التصويرية التى وضعتها السورية ليال وطفة، وإضاءة وتصوير زكى عارف، وديكور هند حيدر، وتقمص منة شلبى شخصية «نوارة» بأدائها الهادئ، وثقافتها السياسية المحدودة، ووعيها بالخلفية الاجتماعية للشخصية، بينما منح محمود حميدة الواثق، المتمكن، المسيطر على شخصية «أسامة»، والدارس لها، والملم بجوانبها، بريقا ووميضا على الشخصية، والفيلم بأكمله،  بعكس أداء أمير صلاح الدين، الذى شابه التوتر، ربما لخلل فى كتابة شخصية «علي»، الذى ينحدر عن أصول نوبية، وشهدت شخصيته تحولا غير مبرر من الشر إلى الخير؛فضلا عن أن ملامحه توحى بالبلطجة، ولا تعطى انطباعا بأنه قادر على الإيقاع بالفتاة «نوارة» فى غرامه، وبسببه تنقلب على مبادئها، وتستجيب لإغوائه، وتغرق معه فى بحور العسل فى فيلا مخدومها الغائب، بعد أن كانت تُصر على ألا تدخل على زوجها فى أى مكان آخر سوى بيت الزوجية !

مرة أخرى عانى سيناريو فيلم «نوارة» فقرا فى الخيال، لم يعوضه اجتهاد المخرجة، التى كان بمقدورها أن تترك مسئولية صياغة الفكرة الأخاذة (الثورة راح ضحيتها الفقراء) لكاتب سواها، بحيث تتفرغ لمسئوليتها الكبيرة، وحملها الثقيل، كما فعلت فى فيلم «أحلى الأوقات»، الذى اكتفت بكتابة قصته، بينما استعانت بالكاتبة وسام سليمان لصياغة السيناريو والحوار،  وأظن أن النتيجة كانت طيبة، بعكس ما جرى فى «نوارة»، الذى شهد تراجعا فى أداء القديرين أحمد راتب ورجاء حسين؛حيث أدى الأول دور «عبد الله»، الذى يعمل لدى رجل الأعمال، برتابة، وشحوب، وبلا حماسة، بينما جسدت رجاء حسين شخصية الجدة «توحة»، التى تبيع السندويتشات من نافذة بيتها بالطابق الأرضي، وكأنها تراهن على جائزة، كالتى حصلت عليها أمينة رزق فى فيلم «أريد حلا»،  فكانت النتيجة مخيبة للآمال .لكن الطامة الكبرى، بحق، تمثلت فى اختيار عباس أبو الحسن لتجسيد شخصية «حسن» شقيق رجل الأعمال، فهى شخصية دخيلة، والأداء غلب عليه التوتر الزائد والانفعال المفرط. وفى كل الأحوال أكد الفيلم مُجددا أنه ما زال أمامنا الكثير لنصنع فيلما عن ثورة يناير، بوقائعها السياسية الملتبسة، وجوانبها الإنسانية المجهولة !